7535
0
الصيرفة الإسلامية في الجزائر… من فقه المعاملات إلى رهانات التحول المالي
المنيعة تحتضن أول ملتقى وطني يناقش مستقبل التمويل الإسلامي بين الشرعية والابتكار الرقمي

احتضنت ولاية المنيعة، صباح اليوم الخميس، فعاليات الملتقى الوطني الأول للصيرفة الإسلامية، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي والأكاديمي بتطوير نموذج مالي بديل يقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية، ويراهن على المساهمة في تنويع أدوات التمويل وتعزيز الثقة في المنظومة البنكية الوطنية.
الهوصاوي لحسن
وجرى افتتاح الملتقى بقاعة المحاضرات بالمجلس الشعبي الولائي، تحت الرعاية السامية لوزير الشؤون الدينية والأوقاف، وبإشراف والي الولاية بن مالك مختار، وتنظيم المدرسة القرآنية الداخلية الشيخ سيدي البكري بن عبد الكريم امحمد، تحت شعار: “الصيرفة الإسلامية… جذور بين القيم الشرعية والابتكار المالي”، بحضور ممثلين عن وزارة الشؤون الدينية، وإطارات بنكية، وأكاديميين، وباحثين، ومشايخ وأئمة من مختلف ولايات الوطن، إلى جانب مسؤولي مؤسسات مالية ومصرفية.

ولم يكن اللقاء مجرد تظاهرة أكاديمية ذات طابع نظري، بل تحول إلى فضاء علمي لمناقشة أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد المعاصر، والمتعلق بإمكانية بناء منظومة مصرفية تستجيب لمتطلبات التنمية الاقتصادية دون الوقوع في آليات الفائدة الربوية التي تقوم عليها البنوك التقليدية.

وأكد المتدخلون أن جوهر الصيرفة الإسلامية لا يكمن فقط في تغيير المصطلحات أو استبدال أسماء العقود، بل في إعادة صياغة العلاقة المالية على أساس “تقاسم المخاطر” بدل ضمان الربح المسبق. فالمصرف التقليدي يقوم أساسًا على الإقراض مقابل الفائدة، بينما ترتكز الصيرفة الإسلامية على عقود البيع والمشاركة والاستثمار الحقيقي المرتبط بالأصول والسلع والخدمات.

وفي هذا السياق، ناقش المشاركون الفروق الجوهرية بين التمويل التقليدي والتمويل الإسلامي، حيث يقوم الأول على علاقة “دائن ومدين”، في حين تعتمد الصيرفة الإسلامية على صيغ تعاقدية تجعل المصرف طرفًا مشاركًا في النشاط الاقتصادي، سواء عبر المرابحة أو الإجارة أو المشاركة أو المضاربة.
كما سلطت المداخلات الضوء على القاعدة الفقهية المعروفة بـ”الغنم بالغرم”، والتي تعتبر أن تحقيق الأرباح يجب أن يقابله تحمل للمخاطر، وهو ما يمنح المشروعية لعقود الاستثمار والمشاركة، ويفرقها عن القروض الربوية التي تضمن للمقرض الربح بغض النظر عن نتائج النشاط الاقتصادي.
وشدد باحثون مشاركون على أن نجاح التجربة الجزائرية في هذا المجال يبقى مرتبطًا بمدى قدرة المؤسسات المالية على الانتقال من الاعتماد شبه الكلي على صيغ المرابحة إلى تفعيل صيغ المشاركة والاستثمار المنتج، باعتبارها الأقرب إلى فلسفة الاقتصاد الإسلامي القائم على دعم الإنتاج والتنمية الحقيقية.
وفي المقابل، أُثيرت خلال النقاشات بعض الإشكالات التطبيقية التي تواجه القطاع، من بينها مسألة “الصورية” في بعض المعاملات، حين تتحول العقود الشرعية إلى مجرد غطاء قانوني لعمليات تمويل شبيهة بالقروض التقليدية من حيث النتائج الاقتصادية. وأجمع المتدخلون على أن المشروعية الحقيقية تقتضي تحقق التملك الفعلي وتحمل المصرف للمخاطر قبل إعادة بيع الأصول أو تمويلها.
كما تطرق المشاركون إلى التحديات التي يفرضها التحول الرقمي على الصناعة المالية الإسلامية، خاصة في ظل توسع الخدمات البنكية الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والتطبيقات الرقمية الحديثة، مؤكدين ضرورة تطوير أطر تنظيمية ورقابية قادرة على مواكبة الابتكار المالي مع الحفاظ على الضوابط الشرعية.
ويأتي تنظيم هذا الملتقى في سياق تنامي اهتمام الجزائر بتوسيع نشاط الصيرفة الإسلامية خلال السنوات الأخيرة، عبر إطلاق نوافذ ومنتجات مالية متوافقة مع الشريعة داخل البنوك العمومية والخاصة، بهدف استقطاب الكتلة النقدية المتداولة خارج القنوات الرسمية وتعزيز الشمول المالي.
ويرى متابعون أن مستقبل الصيرفة الإسلامية في الجزائر لن يتوقف فقط عند الجانب الفقهي أو القانوني، بل سيرتبط بمدى قدرتها على تقديم حلول تمويلية تنافسية وفعالة تستجيب لاحتياجات المستثمرين والأفراد، وتؤسس لاقتصاد حقيقي يقوم على الإنتاج وتقاسم المخاطر بدل المضاربة في الديون.
وبين متطلبات الشرعية ورهانات السوق، تبدو الصيرفة الإسلامية اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى رافعة تنموية تعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة البنكية، أو تبقى مجرد نسخة معدلة شكليًا من النظام التقليدي دون أثر اقتصادي عميق.

وفي تصريح له اكد المدير العام لبنك السلام الجزائر، ناصر حيدر على هامش الملتقى الوطني الأول للصيرفة الإسلامية بالمنيعة، أن الصيرفة الإسلامية لم تعد مجرد خيار مصرفي بديل، بل أصبحت توجها اقتصاديا استراتيجيا يفرض نفسه تدريجيا داخل المنظومة المالية الجزائرية، في ظل تزايد الطلب على المنتجات التمويلية المتوافقة مع أحكام الشريعة.
وأوضح أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من التركيز على الجوانب النظرية والفقهية إلى تطوير أدوات مالية أكثر ابتكارا وفعالية، قادرة على تمويل الاستثمار الحقيقي ومرافقة المؤسسات الناشئة والمشاريع المنتجة، بما يساهم في تنشيط الاقتصاد الوطني واستقطاب الأموال المتداولة خارج القنوات البنكية الرسمية.
وأشار إلى أن نجاح التجربة مرتبط أيضا بمدى قدرة البنوك الإسلامية على تحسين جودة الخدمات، وتسريع الرقمنة، وتعزيز الشفافية والثقة لدى الزبائن، مؤكدا أن المنافسة اليوم لا تقوم فقط على البعد الشرعي، بل كذلك على الكفاءة والمرونة وسرعة الاستجابة لمتطلبات السوق.

