236

0

"السائح الأخضر "رؤية جديدة يقودها الاتحاد الجزائري لترقية السياحة وحماية البيئة

 

حاورته: نسرين بوزيان

يشكل الاتحاد الجزائري لترقية السياحة وحماية البيئة نموذجا بارزا للجمعيات الوطنية الفاعلة، إذ يتجاوز الصورة التقليدية للجمعيات السياحية في تنظيم الرحلات بل يرتكز على رؤية وطنية شاملة تجمع بين تنمية السياحة الداخلية وحماية البيئة.

نسلط الضوء في هذا الحوار مع رئيس الاتحاد، السيد يوسف شيحة، على الرؤية الاستراتيجية للاتحاد، وأهدافه الميدانية ومساعيه الرامية إلى جعل السياحة رافدا اقتصاديا مستداما يسهم في دعم التنمية الوطنية.

 

بداية، لنعد بعجلة الزمن إلى 19 مارس 2022، تاريخ تأسيس الاتحاد المتزامن مع "عيد النصر"،  ما هي الخلفيات والدوافع وراء اختيار هذا اليوم تحديدا؟


 لم يكن اختيار تاريخ 19 مارس قرارا عفويا بل جاء انطلاقا من رؤية تحمل أبعادًا تاريخية وتربوية واضحة، قد ارتأينا أن يرتبط ميلاد الاتحاد بعيد النصر لما يمثله من قيمة وطنية عميقة، وإبراز أهمية ما نطلق عليه "السياحة التاريخية"، الجزائر لا تختزل في مقوماتها الطبيعية من شواطئ وجبال ومناظر خلابة فحسب بل تزخر أيضا بإرث تاريخي غني وتجربة نضالية صنعت واحدة من أعظم ثورات التحرر في العصر الحديث،  ما يجعل الذاكرة الوطنية جزءا لا يتجزأ من المنتج السياحي.

كما حرصنا منذ اللحظة الأولى على توجيه رسالة واضحة إلى جميع المنخرطين، مفادها أن الانتماء إلى الاتحاد يتجاوز الإطار التقليدي للعمل الجمعوي السياحي، ليكون انخراطا في مشروع وطني يستلهم قيمه من تضحيات الشعب الجزائري ولا سيما أننا نؤمن بأن على كل عضو أن يكون ملما بجغرافية وطنه وتاريخه وحريصا على صون موروثه الثقافي والحضاري والبيئي للأجيال القادمة.

يتصدر الأمير عبد القادر الملصق الرسمي للاتحاد. كيف توظفون هذه الرمزية التاريخية الكبرى لتعزيز قيم الوحدة والتلاحم المجتمعي بين الشباب في مختلف ولايات الوطن من خلال بوابة السياحة؟

 الأمير عبد القادر يمثل لنا الرمز الأسمى للوحدة الوطنية والتلاحم المجتمعي، عندما يجوب أعضاء الاتحاد أقطار الجزائر منتقلين من كثبان تمنراست وجانت الساحرة، إلى شواطئ القالة وعنابة، ومن قلاع تلمسان العريقة إلى جبال تبسة الشامخة،  فإن الهدف الأول الذي نضعه نصب أعيننا هو غرس قيم المحبة والتلاحم بين الجزائريين في كل شبر من هذا الوطن.

ونعمل في الاتحاد جاهدين على جعل السياحة وسيلة لتلاقح الأفكار وتمكين الشباب الجزائري من تبادل الثقافات والتلاقي والتكامل علميا ومعرفيا واقتصاديا.، ويذكرنا التنوع الثقافي واللغوي والجغرافي الذي تتميز به الجزائر بأن هذا الثراء هو مصدر قوة وعزة ووحدة وليس عامل تفرقة أبدا،  هذا التلاحم هو الراية التي نسير تحتها وهو أسمى غاياتنا الميدانية.

 

لطالما ينظر إلى الجمعيات السياحية على أنها مجرد منظم لرحلات ترفيهية ، كيف يخطط الاتحاد لكسر هذه الصورة النمطية وتحويل السياحة إلى قطاع اقتصادي ومستدام؟

لكل مشروع هدف وغاية ولا يمكن قياس نجاحه إلا من خلال رؤيته العامة المبنية على أسس علمية ومستدامة.، ويهدف الاتحاد أساسا إلى ترقية وتطوير السياحة، ونقلها من قطاع استهلاكي تقليدي إلى قطاع اقتصادي إنتاجي يستغل الموارد دون الإضرار بها، بالتوازي مع المساهمة الفعالة في حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية من خلال تسخير الجهد الجمعوي لحماية النظم البيئية والتنوع البيولوجي ومحاربة مختلف أشكال التلوث والممارسات الضارة. 

كما يسعى الاتحاد إلى رفع الوعي بأهمية السياحة البيئية وترسيخ الثقافة الإيكولوجية في المجتمع والمؤسسات، بهدف تكوين "السائح الأخضر" الذي يزور الفضاءات الطبيعية ويحافظ عليها، ويضع الاتحاد أيضا تثمين التراث الطبيعي والثقافي الوطني كأولوية قصوى، باعتبار الجزائر متحفا مفتوحا يستحق أن يبرز عالميا كوجهة سياحية راقية، مع دعم المبادرات المحلية إيمانا بأن التنمية الحقيقية لا تنجح إلا إذا انطلقت من الساكنة المحلية وتبنت مشاريع تخدم قطاعي السياحة والبيئة معا.

 

ما هي الآليات والمحاور الميدانية التي تعتمدون عليها لفتح مسارات سياحية جديدة وفك العزلة عن المناطق النائية؟

نحن لا نؤمن بالشعارات الرنانة التي تبقى حبيسة الرفوف لذلك قمنا بترجمة الرؤية العامة إلى أهداف خاصة وآليات ميدانية نعمل عليها يوميا بانتظام، ويتمحور عملنا حول أربعة محاور أساسية تبدأ بالشق العلمي والتوعوي، من خلال تنظيم ندوات وملتقيات تجمع الخبراء والأكاديميين لتقديم حلول قابلة للتطبيق، بالتوازي مع إطلاق حملات تحسيسية وطنية دورية حول نظافة المحيط، كما نركز على تنشيط السياحة الداخلية عبر وضع برامج مدروسة لفتح مسارات سياحية جديدة تتيح استكشاف المناطق الطبيعية والمحميات الوطنية، بما يساهم في فك العزلة عن المناطق الريفية والمناطق النائية.

ويأتي بعد ذلك محور التمكين ومرافقة الكفاءات الناشئة حيث ندعم الشباب وحاملي المشاريع والجمعيات المحلية ونعمل على تدريبهم لإدارة مشاريع سياحية بيئية مدرة للدخل متوافقة مع معايير الاستدامة، كما نولي أهمية للاستراتيجية والدبلوماسية السياحية عبر بناء علاقات متينة مع الهيئات الرسمية والمتعاملين الاقتصاديين، مع الحرص على حضور ميداني قوي في التظاهرات الوطنية والدولية الكبرى وعلى رأسها المعرض الدولي للسياحة بالجزائر.

و نولي عناية خاصة بصناعة المحتوى التوعوي من خلال إعداد ونشر مطويات وكتيبات ومواد إعلامية ورقمية هادفة، بهدف تحفيز السلوك البيئي المسؤول لدى المواطنين وتحويل الحفاظ على المحيط من "واجب ثقيل" إلى "سلوك حضاري يومي تلقائي".

كيف يرى الاتحاد العلاقة التفاعلية بين السياحة وحماية البيئة في إطار رؤيته الاستراتيجية؟

السياحة والبيئة ليسا قطاعين منفصلين بل عمليتان متداخلتان تشكلان عنصرين اقتصاديين متكاملين، والمعادلة بسيطة هي السياحة المستدامة مكملة للبيئة، والبيئة السليمة هي المادة الخام والمغذي الرئيسي لسياحة ناجحة؛ لا يمكن جذب السياح أو الحديث عن استثمار سياحي حقيقي إذا كانت الشواطئ ملوثة والغابات مهملة، والمواقع الأثرية مشوهة.

ولذلك لا يحصر مفهوم البيئة في بعدها الإيكولوجي فقط بل يتوسع ليشمل أبعادا متكاملة من حماية الغابات والشواطئ والمحميات واستدامة الموارد والتنوع البيولوجي، إلى نشر وعي مجتمعي قائم على ثقافة الترحيب والضيافة لدى المواطن ليكون شريكا في إنجاح تجربة السائح، إضافة إلى البعد التربوي الذي يهدف إلى غرس قيم المواطنة والنظافة والمحافظة على الممتلكات العامة والخاصة في المناهج التربوية وعقول الناشئة ، وعندما تتكامل هذه الأبعاد مع نشاط سياحي منظم، تتحقق التنمية المستدامة بمفهومها الواسع وهي تنمية ذكية تخلق مناصب شغل وتدر ثروة دائمة دون المساس بحقوق الأجيال القادمة

 وجدير بالذكر أن الاتحاد يحرص سنويا بمناسبة اليوم العالمي للبيئة على تنظيم فعاليات بيئية تهدف إلى ترسيخ الثقافة البيئية وتعزيز الوعي والمسؤولية من أجل مستقبل أكثر استدامة.

ما هي أبرز المبادرات والنماذج الشبابية التي احتضنها الاتحاد عبر مكاتبه الولائية لدعم الاقتصاد المحلي؟

يتمدد الاتحاد جغرافيا بخطى ثابتة بفضل إخلاص كوادره، ونفخر اليوم بتواجد مكاتبه الولائية على أرض الواقع، من أبرزها مكتب ولاية قسنطينة الذي يضم أعضاء ناشطين يسعون جاهدين لتحقيق الهدف الأسمى للاتحاد في تثمين التراث ودعم المبادرات المحلية.

وفي مجال الألبسة التقليدية، التي نعتبرها هويتنا البصرية وحصننا الثقافي، يسجل مكتب قسنطينة مشاركة مميزة من السيدة مريم والسيد مروان، اللذين يعرضان أزياء تحاكي عراقة اللباس التقليدي القسنطيني مع لمسة عصرية جذابة، كما يشرفنا تواجد الشاف ياسين صاحب صيت واسع على الصعيدين الوطني والدولي، الذي يساهم معنا في تقديم المطبخ والتقاليد الجزائرية كلوحات فنية تعكس أصالة الوطن.

أما في جانب الابتكار وتثمين المنتجات المحلية، نحن فخورون بتقديم نموذج استثنائي يتمثل في "الشوكولاتة الجزائرية البجاوية" التي طورها الشاب والمبتكر ياسين لطرش من ولاية بجاية حيث تمكن من تطوير منتج محلي عالي الجودة يسير اليوم ضمن مسار قانوني وإداري واضح بالتنسيق مع الهيئات الرسمية المعنية ، وتمثل هذه النماذج انعكاسا حيا لرؤية الاتحاد في اكتشاف الطاقات الشابة، مرافقتها وتوجيهها، ومساعدتها على تحويل أفكارها الفردية إلى مشاريع اقتصادية منظمة تسهم مباشرة في دفع عجلة التنمية المحلية المستدامة.

وفي إطار تنصيب المكاتب الولائية، قامت السيدة كنوز بوترعة منصور، النائب الأول لرئيس الاتحاد، بتاريخ 6 ماي الجاري بتنصيب المكتب الولائي للاتحاد في ولاية تمنراست، تحت رئاسة السيد بحوص جيلالي.، وقد عكس هذا التنصيب اهتماما جديا من طرف كوادر المكتب الجديد واستعدادهم التام لخدمة قطاعي السياحة والبيئة، وتكريس خبراتهم لتقديم إضافة نوعية لعاصمة الأهقار.

ما هي أهداف الشراكة بين الاتحاد ومخبر البحث بالمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية؟

تهدف اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي تم إبرامها بين الاتحاد الجزائري لترقية السياحة وحماية البيئة ومخبر البحث في السياسات العامة والتحديات التنموية والأمنية في بلدان المغرب العربي، التابع للمدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية بالعاصمة، إلى تعزيز التعاون العلمي والمؤسساتي.

كما تأتي هذه الشراكة في إطار ربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي، من خلال وضع الأطر العلمية والبحثية في خدمة القضايا البيئية والسياحية، وتحويل البحوث الأكاديمية إلى خطط عمل ميدانية تدعم الأمن البيئي وترسّخ مبادئ التنمية المستدامة.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services