144
0
الردع الأوكراني في الخليج العربي ... رسائل إلى طهران و إنذار إلى موسكو

بقلم: ضياء الدين سعداوي

نشرت وكالة رويترز نقلاً عن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اليوم الثلاثاء أن كييف قامت بإرسال خبراء في الدفاع الجوي إلى كل من قطر والسعودية والإمارات، وذلك في أعقاب الهجمات الجوية الإيرانية على هذه الدول . تأتي هذه الخطوة في سياق التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، حيث وسعت إيران هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة لتطال أهدافاً في عمق الخليج، ما استدعى طلباً أميركياً وغربياً للإستعانة بالخبرة الأوكرانية الفريدة في التصدي لهذا النوع من التهديدات .
مختبر الحرب الباردة: لماذا الخبراء الأوكرانيون؟
تمثل أوكرانيا اليوم "مختبراً حياً" لأنظمة الدفاع الجوي والمواجهة مع الطائرات المسيرة. فمنذ بداية الحرب مع روسيا، تعرضت أوكرانيا لهجمات شبه يومية بطائرات مسيرة من طراز "شاهد" الإيرانية، التي تنتجها روسيا الآن بترخيص وتستخدمها بكثافة في ساحة المعركة . هذه التجربة القاسية جعلت من القوات الأوكرانية خبراء بإمتياز في مجال إعتراض المسيرات، بإستخدام تكتيكات مبتكرة وأنظمة غير تقليدية، مثل الطائرة المسيرة الإعتراضية "Merops" منخفضة التكلفة، والتي أثبتت فعاليتها ضد أسراب "شاهد" .
الإنتقال السريع للخبراء الأوكرانيين إلى الخليج لم يأت من فراغ. فوفقاً لتقارير "وول ستريت جورنال"، فإن الولايات المتحدة سارعت إلى إرسال أنظمة أميركية-أوكرانية لمكافحة المسيرات إلى الشرق الأوسط، بعد أن أثبتت أنظمة الدفاع الجوي التقليدية مثل "باتريوت" (التي تبلغ كلفة صاروخها الاعتراضي نحو 4 ملايين دولار) عدم جدواها الإقتصادية أمام أسراب المسيرات الإيرانية رخيصة الثمن . وقد صرح زيلينسكي بأن 11 دولة، بينها الولايات المتحدة ودول أوروبية، طلبت رسمياً المساعدة الأوكرانية، في مؤشر على تحول نوعي في طبيعة التحالفات الدولية .
أبعاد الصفقة: خبرة مقابل دعم
لا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الجانب الفني، بل تحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية عميقة. بالنسبة لأوكرانيا، يعد هذا الإنتشار فرصة ذهبية لكسر عزلة دبلوماسية نسبية والتحول من "مستنزف" للمساعدات الغربية إلى "مقدم خبرة" لا غنى عنها. المصادر تشير إلى أن كييف تأمل في الحصول على صفقة مقايضة، حيث تقدم خبراتها في مجال الدفاع الجوي مقابل الحصول على صواريخ أميركية متطورة لتعزيز قدراتها في مواجهة الصواريخ الروسية الباليستية .
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن استقدام الخبراء الأوكرانيين يمثل تحولاً في استراتيجيتها الدفاعية. فبعد الهجمات الإيرانية التي استخدمت فيها مئات الصواريخ والمسيرات واستهدفت منشآت نفطية حيوية، أدركت هذه الدول أن أنظمتها الدفاعية تحتاج إلى "عامل بشري" يمتلك الخبرة الميدانية في إدارة معركة معقدة. زيارة مسؤولين قطريين لمنشآت دفاعية أوكرانية ولقاءاتهم مع شركات تصنيع الأسلحة هناك تؤكد رغبة خليجية في بناء شراكات طويلة الأمد في مجال الأمن الجوي، والإستفادة من الإبتكارات الأوكرانية في مجال الحرب الإلكترونية وأنظمة التشويش .
الموقف الروسي: بين الردع الدبلوماسي والتصعيد العسكري
من المتوقع أن تنظر موسكو إلى هذه الخطوة بقلق بالغ، إن لم نقل باعتبارها "نقضاً لاتفاق ضمني". فروسيا التي تقاتل أوكرانيا منذ سنوات، ترى في انتشار الخبراء الأوكرانيين في الخليج تمدداً للنفوذ العسكري لخصمها في محيطها الإقليمي الحيوي.
التحركات الدبلوماسية الروسية المكثفة تشير إلى حجم الانزعاج. ففي نفس يوم إعلان زيلينسكي، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، حيث دعا صراحة إلى "احتواء سريع للتصعيد" في الشرق الأوسط . هذا الموقف الروسي، الذي يبدو ظاهرياً وكأنه يدعو لخفض التصعيد، يحمل في طياته رسالة دعم ضمنية لإيران. فقد شكر الجانب الإيراني روسيا على "الدعم والمساعدة الإنسانية" في خضم الحرب، وهو ما يؤكد أن موسكو تقف إلى جانب طهران في مواجهة هذا التحدي الجديد .
كما أن الإتصال الهاتفي الذي جمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بنظيره الإيراني عباس عراقجي، لمناقشة "الوضع في الشرق الأوسط"، يعكس التنسيق الوثيق بين البلدين لمواجهة ما يعتبرانه تدخلاً غربياً-أوكرانياً في المنطقة .
سيناريوهات الرد المحتملة
في إطار تقدير الموقف، يمكن توقع أن تتحرك موسكو على عدة مسارات لمواجهة هذا الإنتشار غير المسبوق. أول هذه السيناريوهات يتمثل في الضغط الدبلوماسي والإقتصادي على دول الخليج، مستغلة علاقاتها الوثيقة في إطار تحالف "أوبك+" للتأثير على القرار السيادي لهذه الدول، مع إصدار تحذيرات ضمنية من أن استضافة خبراء عسكريين أوكرانيين قد تجر المنطقة إلى دائرة الصراع بشكل غير مباشر. ثانياً، قد تلجأ روسيا إلى تصعيد دعمها العسكري والتقني لإيران، خاصة في مجالات الحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيرة، كرسالة ردع واضحة لكييف وحلفائها الخليجيين. أما السيناريو الثالث والأكثر خطورة، فيتمثل في إحتمال استهداف هؤلاء الخبراء عبر عمليات استخباراتية أو سيبرانية، أو من خلال وكلاء إقليميين، بهدف توجيه رسالة قاسية مفادها أن الخبراء الأوكرانيين أينما وجدوا سيكونون هدفاً مشروعاً في هذه الحرب الممتدة.
تداعيات استراتيجية على الشرق الأوسط
إن وجود خبراء أوكرانيين على أرض خليجية يحول المنطقة إلى ساحة جديدة للصراع بالوكالة. فما كان حرباً أوكرانية-روسية حبيسة أوروبا الشرقية، أصبح الآن يمتد ليشمل الخليج، حيث ستختبر التقنيات الأوكرانية المضادة للمسيرات في مواجهة حقيقية مع الهجمات الإيرانية. نجاح هذه المهمة سيعني تعزيزاً هائلاً للنفوذ الأوكراني عالمياً، وفشلها قد يكلف الخليج أمنه القومي.
يبقى السؤال الأهم: كيف ستتصرف إيران، الحليف الاستراتيجي لروسيا، تجاه وجود خبراء أوكرانيين على حدودها الجنوبية؟ وهل ستعتبرهم هدفاً مشروعاً، أم ستتعامل معهم كجزء من المعادلة الدفاعية الجديدة التي تشارك فيها واشنطن بشكل غير مباشر؟ الأيام المقبلة كفيلة بكشف ملامح هذه اللعبة الخطيرة.

