24
0
الوَحْدَةُ في خطاب الإمام ابن باديس
.jpeg)
د. محمد مراح
تطلعنا هذه الخاصية على تمركز فكرة «الوحدة» في موقعها المناسب من الساحة الممتدة للخطاب الباديسي ، فتتجلي من خلاله في سرابيل شتى، تنم عن تنوع الضرورة والتكامل ؛ فتخاطبنا طورًا في صيغة عقائدية ، وطورًا في صيغة أخلاقية ، وطورا آخر في صيغة شعورية ، دون أن تقصر عن الظهور في صبغات اجتماعية وسياسية . وهو ما ينسجم مع الوظيفة التغييرية التى نذر لها الإمام وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين جهودهم ، فاستحق خطابهم الوصف بأنه « .. قد وصل أفقيًّا وعموديًّا إلى مختلف الطبقات الاجتماعية أينما كانت»(40) ؛ ذلك أن الخطاب المستعمل لم يكن « الخطاب السياسي الذي لا يفهمه كل الناس ، ولا الخطاب المادي الذي لا يهم كل الفئات ، وإنما .. الخطاب العقلي والروحي ( الدين _ اللغة _ التاريخ _ التعليم ) الذي لا يستغني عنه أحد في المجتمع »(41) ، فكان له بذلك أن يوحد « البلاد فكريًّا وروحيًّا بعد أن مزقهــا الاستعمار شر ممزق»(42).
أ _ مكونات عناصر خطاب الوحدة(43):
بعد استخلاصنا لهذه المكونات والعناصر من الخطاب الباديسي بان لنا من الملائم تصنيفها إلى أسباب ومظاهر ودوائر .
-أسباب (عوامل ) الوحدة
يمكن رصدها _ كما ورد بها الخطاب الباديسي _ وفقًا للتصنيف الآتي:
أسباب وعوامل تنظيمية :
وتحوى : [ أن تكون للمسلمين جماعة منظمة تفكر وتدبر] .
أسباب / أدوات الوحدة :
تشتمل على [معالجة الأمة بالكتاب والسنة وهدى السلف الصالح/ استوحاء الأمة لإسلامها وتاريخها وقلبها/ الاعتماد على الله ثم الاعتماد على النفس/ لا تكونوا كذوي فكرة يريدون تنفيذها، كونوا كدعاة للخير يحبون لغيرهم ما يحبون لأنفسهم/ المجادلة لبيان الحق].
أسباب / مؤيدات :
وتتضمن : مؤيدات شعورية : تشتمل على : [ الأخوة المشفقة/ انطواء القلب علي الحب والحنان والنصح والإخلاص/ الشعور في المجادلة بأن الراد والمردود عليه أخوان يريد كل منهما أن يهدى أخاه إلى ما يراه خيرًا ويصرفه عما يراه شرًّا/ حفظ القلوب غير متصدعة بداء الفرقة/ القتال المعدود من أكبر المحرمات والمهلكات/ إذا لم يكن الاتحاد بالوازع الديني فليكن بوازع الألم والبؤس المشترك].
مؤيدات عملية :
وتتضمن [القيام بالمقدسات والصلابة في الدين / الاقتداء بالأنبياء في التجاوز وطلب المغفرة من الله تعالى للمخالف / تجنب أساليب الشتم و الإقذاع / سلوك طريقة القرآن في المجادلة ببيان قول الخصم دون تعرض لشخصه مع إقامة الحجة التي ترده عليه مع حسن السلوك والقصد في الوصول إلى الحقيقة / تناسي الخلاف المفرق / النهوض لجلب المصلحة ولدفع المضرة / التآزر في العمل عن فكر وعزيمة / تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة واستعمالها في مصلحة عامة] .
(2) دوائر الوحدة(44)
جاءت هذه الدوائر كما هو متوقع في خطابه على الترتيب الآتي :
_ الدائرة الخاصة وتمثلها (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين).
_ الدائرة الوطنية وتمثلها (الجزائر).
_ الدائرة الإقليمية وتمثلها (بلاد المغرب الإسلامي).
_ الدائرة القومية وتمثلها (العروبة).
_ الدائرة الإسلامية وتمثلها (البلاد الإسلامية والوجود الإسلامي على إطلاقه).
_ الدائرة الإنسانية.
ب _ الأثر التغييري لخاصية خطاب الوحدة :
تمثله العناصر الآتية : [نهضة المسلمين الإيمانية / المحافظة على الاجتماع والوحدة أصل لازم للإيمان وحفظ عمود الإسلام / التوحيد والاتحاد أصل السعادتين في الدنيا والآخرة / في نبذ الفرقة ظهور المسلمين بمظهر يليق بشرف دينهم وكرم عنصرهم والنهوض نهضة تحلهم محلهم اللائق بهم].
ما يمكننا استخلاصه وملاحظته على الخطاب الباديسي، ونحن بصدد خاصية مركزية من خصائص خطاب التغيير الإسلامي الباديسي ؟ أهي محض أمنيات وعواطف تتوق إلى المثال؟ أم هي مجرد فكرة لا تستند إلى تصور فلسفي ودليل عملي ؟ وما هي المرجعية الأولى والأساس لها؟ وما مقدار أثر الواقع بأحداثه الظاهرة والخفية في تكوينها وارتسام حلولها؟ وبإجمال هل هي كافية للبلوغ بها إلى بعض غاياتها على الأقل فيما هو متاح للإمام آنذاك؟
الحقيقة أن لا أحد يملك الإنكار على من يتصدون لممارسة التغيير حقهم في التخيل أو التطلع العاطفي بكل ما له صلة بما وطّنوا عليه أنفسهم من أسباب وأهداف ووسائل وأساليب التغيير ، فهذا حقهم الذي يستوون في قدر منه مع غيرهم ، ثم يزيدون عليهم بما لهم من المؤهلات ومواصفات الخاصة من الناس وذوي الرأي والكفاية المتميزة منهم . فللخيال والعواطف _ إذن _ حظ طيب في الكثير من إنجازات العلماء والمفكرين والساسة ؛ لهذا «يمكن القول : إن التمنيات الإنسانية تسهم بشكل ملموس في شحذ التغيير الاجتماعي . وعندما تكون تلك التمنيات متواضعــة ، فإن السلبية تسود»(45).
لقد دلّ الخطاب الباديسي على سمو وطموح عاليين في أمنياته التغييرية ، وليس أدل على ذلك من قوله :« إنني أعاهدكم على أنى أقضى بياضي على العربية والإسلام كما قضيت سوادي عليهما ، وإنها لواجبات .. وإني سأقصر حياتي على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن، هذا عهدي لكم. وأطلب منكم شيئًا واحدًا وهو أن تموتوا على الإسلام والقرآن ولغة الإسلام والقرآن»(46).
جـ _ أما ما أعد للفكرة من تصور فلا يخرج في مجمله عما أشرنا إليه سابقًا من كونها مجموعة من الأفكار والتوجيهات فيما ينبغي عمله لتحقيق الوحدة . فلا نكاد نعثر على برنامج معد مخطط ، بيّن الأهداف مرسوم الوسائل والأساليب ، فضلاً عن تفاصيل مخططة حسب مقتضيات كل مرحلة . فعلى الرغم من أن فكرة « التخطيط» لم تكن غائبة من خطاب ابن باديس ، وكذلك ممارسة للتغيير إلا أنها لم ترتق _ فيما يبدو _ إلى منهج يحكم التطور والترقي بفكرة الوحدة من مدرج إلى مدرج أرقي .
وإذا سمح الباحث لنفسه بمقدار من التوسع في هذا المقام من البحث عن بعض الأسباب التي يقدر أنها كانت وراء غياب مثل هذا التصور الفلسفي والتخطيط العملي ، فسيجد من بينها أن الميدان الذى وطن الإمام نفسه للتغيير فيه _ خطابًا وممارسة _ هو الدعوة إلى الله تعالي العامة وفي ميدان التربية والتعليم ، واستعمال الصحافة (وسيلة الإعلام الحديثة المتاحة آنئذ) ؛ فنعثر في هذه وفي تلك على ما يدل على شيء من وضوح التخطيط ورسم المعالم لفلسفة للتغيير ، كقوله: « ومضينا على ما رسمنا من خطة، وصمدنا إلى ما قصدنا من غاية ، وقضيناها عشر سنوات في الدرس لتكوين نشء علمي لم نخلط به غيره من عمل آخر ، فلما كملت العشر وظهرت _ بحمد الله _ نتيجتها ، رأينا واجبا علينا أن نقوم بالدعوة العامة إلى الإسلام الخالص ، والعلم الصحيح إلى الكتاب والسنة وهدى السلف الصالح سلف الأمة ، وطرح البدع والضلالات ومفاسد العادات»(47) ، وكقوله : « إن الجمعية قد جرت على سنة الله في تطور الكائنات ، وقد كان من أطوارها طور للتمهيد ، وطور لإزالة الأنقاض ، وهي الآن في طورها الثالث، وهو طور البناء والتشييد ، ولكل طور من هذه الأطوار حكمه وحكمته، وظروفه وملابساته، وأسبابه ومقتضياته»(48). أو قوله:
« لذلك يجب علينا وعليكم _ أيها الإخوان الكرام . [كُتّاب جريدة البصائر] _ أن نسير بالجريدة فيما يكتب فيها على خطة تتفق مع الطور الحاضر للجمعية وهو طور البناء والتشييد ، معتقدين أن حركة الإصلاح هي حركة فرغ من وسائلها وإعداد أذهان العامة والخاصة لقبولها ، ولم يبق إلا الإشغال بالمقاصد العملية، وأهمها توجيه الجهود كلها إلى بيان الحقائق العلمية والدينية بالدروس والمحاضرات والكتابة»(49).
لهذا جاء تقديره _ كما يبدو _ أن الوحدة المنشودة إن هي إلا أثر لوسيلتي: التربية والتعليم من جهة ، والدعوة العامة والصحافة من جهة ثانية. وبالتالي فالتخطيط السليم للسير بهما في سبل مذللة سيمهد السبيل للوحدة . كما أعتقد أن هذا التفسير يسمح لنا كذلك بالقول : إن الإمام كان يدرك كون أسباب الوحدة لا يمتلكها طرف واحد مهما بلغ، سواء كان داخل الجماعة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) أو داخل (الأمة الجزائرية) وهو التعبير الذي كان يصر الإمام على استعماله في عملية المناجزة الحضارية مع مسعى الاستعمار الاندغامي (التعبير دائمًا للإمام) والاندماجي _ فضلاً عن الأمة العربية والإسلامية . ولهذا نراه يسير في خطابه حول الوحدة سيره في القضايا الكبرى للأمة ، فيدعو إليها مع بعض ما لا يقوم ولا تتجلى من التفاصيل إلا به ، دون الانغماس في الانشغال ببناء فلسفي أو تخطيط عملي محكم .
ولكن لا ينبغي أن يفوّت علينا هذا الكلام ملاحظة ما كانت تجسده مواقف وشخصية الإمام من مظاهر الوحدة داخل الحركة (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) ، والوحدة الوطنية، كاشتراكه في وفد المؤتمر الإسلامي الجزائري، وانتخابه رئيسًا له سنة 1937م. غير أنه اعتذر عن هذه الرئاسة بأدبه الرفيع وبيانه السامق ومنهجه السديد الذي عبر فيه عن نزوله على رأي إخوانه في الجمعية بعد الرأي والمشورة ؛ فقال :
« غير أني لا يمكنني أن أعمل فيه إلا ما لا يشغلني عما أوقفت له حياتي من نشر الهداية الإسلامية واللغة العربية . وذلك هو ما لا يتجاوز مركز عضو عامل في اللجنة؛ [لجنة المؤتمر الإسلامي الجزائري] ولذا لما شرفني إخواني أعضاء اللجنة في غيبتي بمركز الرئاسة لم أبادر بالتلبية وأوقفت البت في الأمر على استشارة هيئات ارتبطت معها ارتباطًا فكريًّا وعمليًّا في خدمة الإسلام والعربية . فلما استشرتها كانت أغلبيتها الكبرى ترى رجحان القيام بالخدمة الدينية العلمية، وترى القيام برئاسة المؤتمر؛ مما يعطل الجانب الأكبر من هذه الخدمة فما وسعني إلا قبول إشارتها والصدور عن رأيها»(50).
أما بالنسبة للمرجعية الأساس في تصور الوحدة وروحها وسلامة غاياتها يحصرها في القرآن والسنة وهدى السلف الصالح؛ إذ ليس هناك من عنصر من عناصر ومكونات خطابه إلا ويرتد إلى هذه المرجعية ؛ لهذا فكل محاولة لتصوير الوحدة الوطنية أو القومية - لدى الإمام- بعيدًا عن هدى المرجعية المذكورة ، فهي من باب تحريف الكلام عن مواضعه ، والذهاب به في غير مذهبه . فلقد امتزجت «الوحدة الوطنية» عند الإمام بمرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية وهدى السلف الصالح إلى حد كانت تشرق فيه أنوار روحية باهرة ، وبوارق عقلية خارقة ، انظر إليه يسترسل مع خواطر تنثال عليه وهو يشرح معنى النفث في قوله تعالى {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَد}(51) فيبين أنواعه وحقيقته وشواهده، وخلود القرآن على الدهر، فلا يستقل بتفسيره إلا الزمن، ليعرض بعدها الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضى الله عنها : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه ، أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا : (تعنى وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل) ثم رفعها، وقال : «بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفي به سقيمنا بإذن ربنا » ثم يقول: « ولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق منقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم : أية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي صلى الله عليه وسلم من أسبابه في هذا الحديث ؟ فما تراهم يقولون»(52) ؟ وفي هذا المقام يسوق (درس الوطنية العظيم) فيقول: «... ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية ، ولو كانوا يدينون بالوثنية : آمنا بأن محمدًا رسول الله فقد علّم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه ، تشفى من القرح والجروح ؛ ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له ، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به ، وليقرر لهم من منن الوطن منة كانوا عنها غافلين ، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي ، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفى فليس هذا الحديث إرشاد لمعنى طبي ، ولكنه درس في الوطنية عظيم، ولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقي والطب ، فإنه بباب (حب الوطن) أشبه .. ولقد زادنا إيمانا به بعد إيمان أنه يقول : « تربة أرضنا ، بريقة بعضنا . ولم يقل : تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض . ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا _ فهذه _ والله ربنا _ صخرة الأساس في بناء الوحدة الوطنية والقومية ، لا ما يتبجح به المفتونون»(53).
أما أثر الواقع بأحداثه في ارتسام وتكوّن هذه الخاصية، في الخطاب الباديسي ، فلا نكاد نعثر على عنصر من عناصرها بعيدًا عن الواقع بأحداثه الخفية والجلية ، فمن مظاهر الوحدة في خطابه _ مثلاً _ ما مذهب إليه من أن منهج الجمعية في الإصلاح بوسعه أن يحتضن كل مذاهب الإسلام لو وجدت في الجزائر « .. فلو كان في الجزائر جميع مذاهب الإسلام لوسعتهم هذه الجمعية بعلاجها الناجح النافع _ بإذن الله _ للجميع»(54) فإنما هو أثر للممارسة الإصلاحية الدعوية التى كانت تباشرها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين . كذلك إنكاره الشديد على “سلامة موسى” لما كتب ما يشير إلى إخراج الشيعة من جماعة المسلمين ، فقال : «.. ولكن قوله : والتشيع نوع من الانشقاق عن الإسلام ، هو الجدير بكل إنكار ، فقد حسب نفسه لما عرف شيئًا من تاريخ الفنون أنه عارف بمذاهب الإسلام ، فحكم على الشيعة بالانشقاق عنه. وهذا الكاتب لم يكفه أن ينفى _ في أكثر ما يكتب _ عن الإسلام كل ما يحسبه فضيلة ، حتى جاء يحاول أن ينفى عنه أممًا كاملة من أبنائه ، ونعوذ بالله من سوء القصد وقبح الغرور »(55) وقس على ذلك ما كان من خطابه أثرًا من آثار مناجزته للطريقة المنحرفة التي كانت أداة من أدوات الاستعمار في تخدير الشعوب وتنويمها ، بل هي ممثلة بحق لنوع من الاستعمار وصفه الشيخ الإبراهيمي (1889 _ 1965) بقوله: «... واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون في الشعب والمتغلغلون في جميع أوساطه المتاجرون باسم الدين، المتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية ، وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير، وثقلت وطأته على الشعب، حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى أو الانتقاد ، خوفًا من الله بزعمه »(56).
ولو انسقنا مع الاستدلالات لاكتشفنا لكل عنصر من عناصر خاصية الوحدة في الخطاب الباديسي أثر ما للواقع فيه .
هـ _ على الرغم مما سبق ملاحظته على هذه الخاصية في أن الأمام لم يتجاوز بها مستوى المبادئ والتوجيهات إلى مستوى التنظير والتخطيط الموسعين ، فإن ممارساته العملية التي هي مضرب المثل في القدوة والأسوة النموذجية كانت بحق مثالاً يحتذى في التأسيس العلمي التطبيقي لمنهج التربية على الوحدة ، وما أعظمه من عمل قد يفوق _ عند النظر المنصف _ التنظير والتخطيط النظري المجرد عن التلبس بالنماذج العملية السلوكية .
فخاصية «الوحدة » ترتد _ في مصدريتها _ إلى المبدأ الإسلامي الخالد «الأخوة الإسلامية» التي قررها المولى تبارك وتعالى في محكم التنزيل {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة}(57).
ونلاحظ في مضمون خاصية الوحدة في الخطاب الباديسي كيف كان يوجه لتجسيد مبدأ الأخوة ؛ مما يسمح لنا بالقول: إنه تمثيل حي لما تتحمله التربية الإسلامية من بعض مسئولياتها ، فمن «مسئولية التربية الإسلامية أن تعمل على غرس مبدأ الأخوة ، كقيمة مطلقة ومنهج في السلوك والتعامل ، مع ضرورة تعليم مبادئ الحقوق والواجبات المقررة شرعًا لجميع المسلمين، والتي لا يسقطها عن أي منهم أي لون من ألوان الاختلاف المشروع أو المقبول أو الممكن أو المباح ، مع ضرورة تربية المشاعر وتقوية القيم والاتجاهات الفرعية التي تترتب على ذلك المبدأ وتندرج ضمن الحقوق والواجبات المقررة : كالحب ، والرحمة، والتعاون ، والمسالمة، والنصرة ، والحسنى ، والثقة ، والغيرة، والإيثار ، ونحوها من القيم والمشاعر والاتجاهات الأخوية والإنسانية التي لا يستثنى منها المسلم المخــــالف»(58).
لقد كان المقدار الذي أسهم به خطاب الإمام التغييري في خاصية الوحدة يلبي إلى حد كبير مقتضيات التأسيس الوحدوي فيما كانت تفرزه المرحلة _ آنذاك _ من أحداث، و تتطلبه من مقتضيات ، خاصة إذا شمل نظرنا الجانب العملي من حركته وجهوده .
نحب أن نكشف عن مسألتين في خطابه:
الأولى : تتعلق بواقع وحدة الأمة العربية والإسلامية:
قال ابن باديس : «الاتحاد الإسلامي والوحدة العربية بالمعنى الروحي والمعنى الأدبي والمعنى الأخوي هما موجودان ، تزول الجبال ولا يزولان ، بل هما في ازدياد دائم بقدر ما يشاهد الناس من عمل في الغرب ضد العروبة والإسلام . وأما بالمعنى السياسي والمعنى العملي فلا وجود إلى اليوم لهما»(59) فكأنّي به يضع ترتيبًا ضروريًّا لانعقاد الوحدة على المستويين (المعنوي الأدبي ) و(السياسي العملي ) على حد تعبيره.
فلقد عالج الإمام هذه القضية في الدائرتين العربية والإسلامية، فخلص إلى وجود الوحدة بالمعنى الشعوري الأدبي، وانعدام الثانية واقعيًّا .
وانطلاقًا من هذه الحقيقة وهذا الواقع، راح يطرح ما يثبّت للوحدة المعنوية الأدبية أركانها ، وانصهارها عبر القرون في بوتقة التاريخ، فذهب إلى أن « الناحية الأدبية الاجتماعية هي التي يجب أن تهتم بها كل الأمم الإسلامية المستقلة وغيرها؛ لأنها ناحية تتعلق بالمسلم من جهة عقيدته وأخلاقه وسلوكه في الحياة، في أي بقعة من الأرض كان ، ومع أي أمة عاش ، وتحت أي سلطة وجد»(60) . واقترح إطارًا تنظيميًّا عالميًّا يتناسب مع حجم أمة الإسلام من جهة ، وينفلت من أسر أطروحة «الخلافة السياسية» التي لعبت بعض الدول الاستعمارية في المنطقة على أوتارها بما ينسجم مع سياستها المشبوهة، بعد أن عاونت على القضاء على الخلافة الإسلامية ، ويتمثل هذا الإطار التنظيمي فيما سماه بـ «جماعة المسلمين» وهم «أهل العلم والخبرة الذين ينظرون في مصالح المسلمين من الناحية الدينية والأدبية ، ويصدرون عن تشاور ما فيه خير وصلاح . فعلي الأمم الإسلامية جمعاء أن تسعى لتكون هذه الجماعة من أنفسها، بعيدة كل البعد عن السياسة وتدخل الحكومات ، لا الحكومات الإسلامية ولا غيرها»(61) . في اعتقادي ، ينبع هذا الموقف في مجمله من رؤية الإمام ومنهجه في الإصلاح الذي يحرص فيه على أن يؤمّن للدعوة والتغيير الإسلامي والاستقلال عن الكيانات السياسية وما لابد لها من تأثيرات مختلفة ومتعارضة أحيانًا ، خاصة في تلك العهود المضطربة من تاريخ المسلمين المعاصر .
إن الترتيب المذكور ها هنا ينسجم معه الموقف الذي يرى «الثقافي ... يحتضن السياسي ويشكله ويجعل منه جزءًا من واقع فكري يعيشه العربي ويرى فيه شرطًا قبليًّا لقيام أي واقع مـادي آخـــــر، اقتصادي أو اجتماعي»(62) على شرط اعتبار العامل العقائدي المشكل الجوهري للعالم الإسلامي .
أما المسألة الثانية ، فتملثها الصلة بين « العرب» و« الأمازيغ» ، في ذلك التصوير الجميل بين الجنسين في هذه الأرض من بلاد الإسلام ، وكيف جمع بينهم الإسلام في آصرة وادعة متينة، فجاء في مقاله « ما جمعته يد الله لا تفرقه يد الشيطان » ، فقال: « إن أبناء يعرب وأبناء مازيغ قد جمع بينهم الإسلام منذ بضع عشرة قرنًا ، ثم دأبت تلك القرون تمزج ما بينهم في الشدة والرخاء ، وتؤلف بينهم في العسر واليسر ، وتوحدهم في السراء والضراء، حتى كونت منهم منذ أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا ، أمه الجزائر وأبوه الإسلام . وقد كتب أبناء يعرب وأبناء مازيغ آيات اتحادهم على صفحات هذه القرون بما أراقوا من دمائهم في ميادين الشرف لإعلاء كلمة الله ، وما أسالوا من محابرهم في مجالس الدرس لخدمة العلم»(63).
لكأني بالإمام ابن باديس كان يتوجس خيفة على هذا الشعب من تلك الأيدي المشبوهة التي امتدت لهذه الرابطة تريد فكها ، وإيقاد فتيل نار الفتنة بين «أبناء يعرب» و«أبناء مازيغ» لضرب استقرار البلاد ومقومات هذا الاستقرار. نخلص في الأخير إلى أن الموقف الذي جسده الخطاب الباديسي يبقى هو المعلم الأمثل لأي معالجة، وحل لهذه المعضلة التى دق اسفينها الاستعمار الجديد في جسم الجزائر .

