147
0
المثقف العربي : مرآة التخلف أم مطرقة التغییر ؟

بقلم : أسماء ناصر أبو عیّاش
لطالما استمرأنا كأدباء ومثقفین عرب دور "الضحیة"؛ ضحیة الاستعمار الذي قسم المقسم وضحیة الأنظمة التي كممت الأفواه وضحیة المنظومة والإطار المجتمعي.
لكن، ألم یحن الوقت لنقف أمام أنفسنا ونكف عن الإشارة بأصابع الاتھام إلى الخارج؟ لعل ما تعانیه الثقافة العربیة الیوم لیس مجرد إرث استعماري أو نتاج فقر مادي، بل ھو في جوھره نابع في معظمھ من عامل ذاتي یتعلق
بأولئك (المتنورین والمثقفین) المأسورین خلف جدران المقولات الغربیة الجاھزة دون تمحیص بعیداً عن الواقع.
خطیئة التبریر وانفصام الفاعلیة
تبدأ المشكلة الحقیقیة برأیي عندما یتحول المثقف من فاعل إلى مفسر یبرع في تنظیر الأزمات وتشخیص أزمة الثقافة دون اجتراح
سبل التحرر من ھذه الأزمات ووضع الحلول، بل في أغلب الأحوال یعمل على تصدیرھا ویعزي المشكلة لعامل خارجي ھربًا من المواجھة. *
ھل یمتلك المثقف العربي شجاعة الاعتراف بأنھ فقد البوصلة؟
في الحقیقة أن غالبیة المثقفین یعیشون حالة من التعالي النخبوي؛ مثقفون نخبویون كما وصفھم (غرامشي*)غیر عضویین؛
نخبویون یكتبون بلغة لا یفھمھا الشارع، ویطرحون قضایا لا تلمس ھموم الإنسان البسیط.
*ھل تُنتج المعاناة والبیئة المأزومة مثقفاً حقیقیاً؟
ھذا السؤال ھو حجر الزاویة إذ قد یظن البعض أن البیئة المأزومة تُحبط الإبداع، لكن التاریخ یُعلمنا أن أعظم المثقفین والمفكرین
وُلدوا من رحم المعاناة فالمثقف العضوي والمنتمي لخط الشعب لم یكن نتاج رفاھیة ثقافیة، بل ھو صرخة احتجاج ضد الواقع.
مثقفٌ یمتلك وعیاً ثوریًا یرفض القوالب الجاھزة ولا یقبل بدور المثقف النخبوي أو كما اصطلح على تسمیتھ مثقف البلاط. ولكي لا نعمد إلى جلد الذات أرى أن مواجھة المثقف لذاتھ والاعتراف ببعض المسؤولیة الذاتیة عن الواقع لھو أول مدماك في بناء وعي وثقافة ثوریة ملتزمة وغیر مرتھنة لأي أجندة غیر خط الشعب.
في ھذا السیاق نرى أن تأھیل المثقف لنفسھ یبدأ
بالمكاشفة الذاتیة والوقوف على الإخفاقات أسبابھا وعلاجھا، والإنجازات وتعزیزھا والبناء علیھا. ولعل التأثیر یبدأ من الروایة التي
تعید صیاغة الوعي ومن المقال الصحفي الذي یفكك ویعري الأوھام لا الذي یكرسھا. كما أن التحرر من دائرة الطباشیر ـ كما وصفھا بریخت ـ والاستقلال الفكري والكف عن لعب دور التابع والتحرر من الثقافة الغربیة، والبدء بإنتاج معرفة نابعة من موروثنا الحضاري واحتیاجات ولسان حال المجتمع ھو أھم الادوات للبدء في حركة ثقافیة فكریة نھضویة تجابھ السردیات الزائفة وتواجه سردیة الاحتلال الصھیوني الضلّیلة.
إن مسیرتنا الثقافیة ما زالت تدور في حلقة مفرغة من النرجسیة الثقافیة تحكمھا الشللیة وتعاني في بعض مفاصلھا من التبعیة وتخبط وتشظي الخطاب عمومًا والوطني على وجھ الخصوص.

