211

0

المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات.. جوهرة معمارية في قلب القصبة

نسرين بوزيان

 

يشكل المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط المعروف تاريخيا باسم " دار مصطفى باشا" بالقصبة السفلى في الجزائر العاصمة، أحد أبرز الصروح المعمارية العريقة إذ ما يزال شاهدا على عراقة المدينة وعمق ذاكرتها التاريخية، محافظا على أصالته ورونقه الفني الفريد.

 

   

ويتقاطع هذا المعلم العمراني مع نسيج القصبة التاريخي عند نقطة التقاء بين العمارة التقليدية الجزائرية والفنون الإسلامية التي ازدهرت خلال العهد العثماني، ما يجعله مرجعا أساسيا للباحثين والمؤرخين ومقصدا مفضلا للزوار المهتمين باستكشاف ملامح التراث العمراني.

على امتداد أكثر من قرنين من الزمن، ظل القصر صامدا في وجه التحولات العمرانية المتلاحقة التي عرفتها عاصمة " الجزائرالمحروسة"،  متجاوزا آثار الزمن وما تعاقب عليه من عمليات صيانة وترميم، ليواصل أداء دوره كشاهد حي على مرحلة تاريخية كانت فيها الجزائر مركزا سياسيا بارزا وقوة تجارية وبحرية مؤثرة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

   

 

ويعود تشييد هذا المعلم التاريخي إلى الفترة الممتدة بين سنتي 1798 و1799، عندما أصدر الداي مصطفى باشا بن إبراهيم الأرندلي أمرا مباشرا ببنائه، وهو الرجل الذي تدرج بحنكة في سلك الجيش الإنكشاري وشغل منصب "الخزناجي" الرفيع قبل اعتلائه سدة الحكم في إيالة الجزائر ، حيث أراد لهذا القصر أن يكون مقرا رسميا لإقامته الخاصة ولعائلته.

وقد اختير موقعه بعناية فائقة في منخفضات القصبة السفلى ليكون على مقربة من الواجهة البحرية والميناء، وضمن المحيط الحيوي لـ"قصر الجنينة" الشهير الذي أدارت منه السلطات الجزائرية شؤونها السياسية والعسكرية، كما  ارتبط القصرارتباطا وثيقا بمركز القرار السيادي إلى أن انتهت فترة حكم الداي بحدث تمثل في اغتياله سنة 1805 قرب جامع كتشاوة التاريخي في سياق مؤامرة سياسية، لتنتقل ملكية القصر بعدها إلى أبنائه الثلاثة الذين حافظوا عليه بعناية وظلت الدار رمزا للجاه والرفعة إلى غاية مطلع الغزو الفرنسي سنة 1830.

 

وعند هذه المحطة المفصلية من تاريخ الجزائر، صادرت السلطات الاستعمارية الفرنسية المعلم بالكامل وحولته في بادئ الأمر إلى مقر عسكري وسكني مخصص لكبار الجنرالات، ثم حولته لاحقا في سياق محاولات احتواء الذاكرة الوطنية وطمس الهوية إلى أول متحف لجمع المخطوطات والآثار المسترجعة والمنهوبة، وتلا ذلك استخدامه كأول مقر رسمي للمكتبة الوطنية، وصولا إلى محطة استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962 حيث استغل فترة كمقر للحزب جبهة التحرير الوطني، وفي عام 1992 صنفت مدينة القصبة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، ليقرر بعدها إطلاق مخططات استعجالية لإعادة الاعتبار الكامل للقصر بصدور المرسوم التنفيذي سنة 2007 الذي قضى بتحويله رسميا وبشكل نهائي إلى متحف وطني.

وقد بني هذا القصر المهيب على مساحة إجمالية بلغت 709 متر مربع حيث استعان عمال ورشات  البناء التقليدية بمواد بنائية وزخرفية فاخرة، شملت الرخام الأبيض الصافي والزليج الملون البديع، والأخشاب الصلبة المنقوشة يدويا بكفاءة واحترافية عاليتين والتي أستورد بعضها خصيصا من مدن متوسطية وأوروبية مختلفة، بما يبرز طبيعة الانفتاح التجاري الواسع التي حظيت بها الجزائر في تلك الحقبة التاريخية.

   

   

في زيارة ميدانية قادت طاقم جريدة "بركة نيوز" إلى هذا المعلم الآسر، يبرز مشهد خاص يعكس عمق الارتباط بالمكان إذ ما إن تسأل أحد السكان أو الباعة عن القصر حتى يرشدك إليه بترحاب وفخر واضحين، ويشار إلى هذا المعلم محليا بتسميته المتداولة  "دار الداي مصطفى باشا" حيث لا تزال هذه التسمية حاضرة بقوة في ألسنة السكان وذاكرتهم الجماعية ، ويقول بعضهم باللهجة العامية: "يا حسراه على دار الداي… راهي ساس القصبة"، في تعبير شعبي يحمل دلالة رمزية قوية، ويعكس اعتزازا بالمكان باعتباره أحد الأعمدة التاريخية التي تشكل هوية القصبة وعمقها العمراني.

وعند الوصول إلى المدخل يلفت انتباهك لوحة تحمل اسم المتحف العمومي الوطني للزخرفة والمنمنمات وفن الخط، تعلو البوابة الخشبية الضخمة التي تفتح على ممر مستطيل منعرج يعرف بـ"السقيفة"، وهو فضاء معماري تقليدي في العمارة الإسلامية صمم ليشكل حاجزا بصريا بين الخارج والداخل، بما يحافظ على خصوصية الفضاء الداخلي وينظم الولوج إلى أروقة المتحف حيث يحجب الرؤية المباشرة ويكشف المكان تدريجيا في مشهد يهيئ الزائر لاكتشاف عمقه المعماري وتاريخه.

 

  

ويفضي هذا الممر مباشرة إلى الفناء المركزي المفتوح على السماء أو ما يسمى "صحن الدار"، وهو قلب القصر النابض وجوهرته المعمارية حيث تتوسطه بحيرة رخامية مائية، وتحيط به أروقة علوية وسفلية قائمة على أعمدة رخامية متينة وأقواس نصف دائرية مزخرفة ببراعة، تسمح بتوزيع الضوء الطبيعي وتدفق الهواء النقي إلى مختلف أرجاء القصر الممتد على طابقين كاملين.

وعند دخولنا  للمتحف لاحظنا توافد الزوار بكثافة من مختلف الفئات والأعمار، حيث بدت علامات الإعجاب والانبهار واضحة على وجوههم وهم يلتقطون الصور التذكارية بشغف، منصتين باهتمام إلى المعلومات التاريخية التي يقدمها المرشد السياحي بأسلوب سردي مشوق.

 

نصف مليون قطعة خزفية تزين المتحف

 

 

 

وفي جولة خاصة برفقة ممثلة إدارة المعلم، أشارت محافظة المتحف، عارف ربيعة، إلى أن المبنى خضع خلال السنوات الأخيرة لعمليات ترميم دقيقة وعلمية وممنهجة، استهدفت إزالة التشوهات الهيكلية والتعديلات الطارئة التي مست بعض أجزائه الحيوية خلال العهد الاستعماري الذي حاول طمس معالمه الأصلية. 

وأوضحت محافظة المتحف أن فرق الهندسة والصيانة المتخصصة في الآثار ركزت على استرجاع المخطط الأصلي للقصر مع الحرص على مطابقة المواد المستخدمة في الترميم للمواد الأثرية الأولى دون أي تغيير قد يؤثر في قيمته المادية والتاريخية، مبرزة أن العناصر الزخرفية الجدارية استعادت طابعها الأصيل بنسبة كبيرة بفضل هذه التدخلات التقنية التي حافظت على الهوية المعمارية الحقيقية للمبنى دون إدخال عناصر مستحدثة أو تشطيبات عصرية قد تشوه قيمته الأثرية.

   

 

وخلال تجولنا في أرجاء الدار، لفتت المتحدثة إلى أن القصر صمم بذكاء هندسي ووظيفي لافت حيث يمتد المسار الأول للحركة بشكل متسع ومريح ومفروش بالكامل بالسلالم الرخامية الفاخرة، ويخدم تنقلات الداي وعائلته وحاشيته المقربة نحو الجناح العلوي وغرفة الحمام والمطبخ الرئيسي الضخم، الذي يتميز باحتوائه على سبع مداخن شاهقة تعكس حجم المآدب التي كانت تقام فيه.

   

 

في المقابل يمتد المسار الثاني بشكل أضيق ومفروش بحجر "الأردواز"، وهو مخصص بالكامل لحركة الخدم والعمال، بما يمنع تقاطع المسارات ويضمن الهدوء والتنظيم داخل الأجنحة الخاصة بالداي و عائلته.

كما أبرزت عارف أن الجدران والأروقة في مختلف أرجاء المعلم تغطيها ما يقارب نصف مليون قطعة خزفية دقيقة استقدمت من أشهر مراكز صناعة الخزف التاريخية في إيطاليا وإسبانيا وهولندا وتونس. 

   

 

وعند زيارتنا لغرفة الحمام التقليدي، أشارت محافظة المتحف إلى أن المربعات الخزفية المدمجة في الجدار تعد من نوع "ديلفت"،  وهي قطع نادرة في العمارة التقليدية وتمثل قيمة فنية وتاريخية مميزة داخل هذا الفضاء التراثي ولا توجد إلا في عدد محدود من الصروح عبر العالم ، كما تتجلى مهارة الحرفيين في الأسقف الخشبية والأبواب والنوافذ المصنوعة من خشب الأرز الفاخر والمزينة بنقوش هندسية متناسقة في غاية الدقة.

 

 

 

وقد زودت الغرف أيضا بفتحات تهوية علوية تعرف محليا بـ"الريحيات" و"الشمسيات"، تعمل على تنظيم المناخ الداخلي للمبنى بشكل طبيعي وتوليد تيار هوائي مستمر يضمن الحفاظ على برودة الفضاءات صيفا ودفئها شتاء دون الحاجة إلى وسائل تكييف اصطناعية، ما يعكس براعة البنائين في تشييد هذا المعلم.

 

83 ألف زائر للمتحف خلال سنة 2025

 

وفي حديثها حول استقطاب المتحف للزوار وأعدادهم والمسار الجديد الذي يتبناه في الترويج للسياحة الثقافية، أوضحت عارف أن المؤسسة تشهد ارتفاعا ملحوظا في مؤشرات الإقبال السنوي وتوافد الرحلات حيث سجلت مصالح المتحف استقبال أكثر من 83 ألف زائر خلال سنة 2025.

وأشارت المتحدثة إلى أن هذا الرقم يعكس الديناميكية المتزايدة التي يعرفها المتحف، باعتباره واحدا من أبرز الفضاءات الثقافية التي تستقطب مختلف الفئات ، ويتوزع الزوار بين وفود دبلوماسية رسمية، وسياح محليين من داخل الوطن، إضافة إلى تلاميذ ضمن رحلات مدرسية منظمة، ما يعكس الدور البيداغوجي والتربوي للمتحف في التعريف بالتراث الوطني ، كما يستقطب المتحف زوارا أجانب خصوصا من دول شرق آسيا وعلى رأسها الصين وكوريا، إلى جانب سياح من دول الاتحاد الأوروبي الذين أبدوا اهتماما واضحا بفنون وهندسة القصور الإسلامية التاريخية وبالخصوص الطابع المعماري الفريد الذي يميز هذا المعلم.

 

تحديث وسائل العرض المتحفي

 

   

 

كما كشفت عارف أن إدارة المتحف تعتمد حاليا خطة عمل شاملة لمواكبة التحول الرقمي وتحديث وسائل العرض المتحفي، عبر مشروع يهدف إلى رقمنة المحتوى المعرفي وتدقيق المعطيات التاريخية والمعمارية الخاصة بالقصر ومختلف مقتنياته الفنية الثمينة،  ويشمل هذا التوجه إتاحة المعلومات للزوار بشكل فوري عبر تقنيات رموز الاستجابة السريعة المثبتة في مختلف الأجنحة والقاعات، بما يسمح بالوصول إلى محتوى موثق ومتعدد اللغات ويعزز تجربة الإرشاد السياحي الذاتي وفق مقاربات حديثة تواكب التحولات الرقمية في قطاع المتاحف.

وتسعى هذه الآلية الجديدة إلى إضفاء بعد تفاعلي على الزيارة من خلال تمكين الزوار من التعرف على تفاصيل المعروضات التاريخية والزخرفية بطريقة مبسطة ودقيقة، بعيدا عن الشرح التقليدي فقط، بما يجعل من الجولة داخل القصر تجربة معرفية متكاملة تجمع بين التوثيق العلمي والتقنيات الحديثة في العرض، إذ لم يعد مجرد جدران صامتة تحرس التاريخ بل تحول بحلول عام 2026 إلى نموذج حي للمتاحف الذكية المستدامة، حيث تندمج عراقة الهندسة العثمانية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز ليقدم تجربة سياحية فريدة تضع الجزائر في صدارة السياحة الثقافية الرقمية  وتعزز مكانتها كوجهة ثقافية ذات إشعاع إقليمي ودولي.

 

   

كما يستمد المتحف مقتنياته الدائمة وفضاءاته الفنية المتجددة من الأعمال المتوّجة بالمراتب الأولى في المهرجانين الدوليين للخط العربي والزخرفة والمنمنمات اللذين ينظمان سنويا في الجزائر، إلى جانب الهبات والتبرعات الفنية التي يقدّمها فنانون وحرفيون من مختلف دول العالم ويضم القصر اليوم لوحات فنية ومخطوطات نادرة تمثل مدارس فنية متنوعة من العالم العربي والإسلامي وآسيا وأوروبا، بما يعكس تنوعا ثقافيا واسعا ويحوله إلى فضاء للحوار الحضاري.

 

تقنيات رقمية تفاعلية لإحياء الزخرفة التقليدية

  ً

 

وتزامنا مع إحياء شهر التراث الثقافي لعام 2026، الممتد من 18 أفريل إلى 18 ماي، احتضن المتحف معرضا متخصصا تحت عنوان "الزخرفة بين المعمار والحرفة"، قدم مجموعة من اللوحات والشروحات والقطع الأثرية التي تبرز تطور الزخرفة في المعمار التقليدي لحي القصبة، ويؤكد القائمون على المعرض أن الزخرفة في قصر مصطفى باشا ليست مجرد عنصر جمالي بل نظام بصري متكامل ينظم الفضاء ويمنحه إيقاعا فنيا ، كما تم اعتماد وسائط سمعية بصرية تفاعلية تتيح للزوار إعادة تركيب الأنماط الهندسية ورسمها رقميا على شاشات لمس في تجربة تعليمية تفاعلية موجهة خصوصا للأجيال الناشئة.

 

عودة رمزية إلى الأصل

  

 

 

 

في حديثها لـ"بركة نيوز" صرحت السيدة عباس رشيدة، القادمة من مدينة مونبلييه الفرنسية والمنحدرة من أصول جزائرية، أن زيارتها للمتحف أعادت لها الإحساس بالانتماء وربطت حاضرها بجذورها العائلية والتاريخية، قائلة:

"بمجرد دخولي إلى الفضاءات التاريخية للمتحف شعرت بـعودة رمزية إلى الأصل وأدركت أن الزيارة لم تكن مجرد جولة سياحية، بل تجربة وجدانية أعادت إحياء الذاكرة العائلية وربطتني بصورة الجزائر التي سمعت عنها من عائلتي في المهجر".

وأشارت إلى أن ما شد انتباهها بشكل خاص هو الحفاظ الدقيق على الطابع المعماري الأصيل للقصر وما يعكسه من ثراء حضاري وتنوع ثقافي، معتبرة أن هذا المعلم يشكل شاهد حيت على مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر، وهو ما يجعل هذه الفضاءات لا تكتفي بحفظ التاريخ فحسب بل تسهم أيضا في تعزيز الارتباط بالهوية ونقلها بين الأجيال داخل الوطن وخارجه.

 

يواصل المتحف اليوم ومع انفتاحه على التقنيات الحديثة وتبنيه لرهانات الرقمنة والتثمين الثقافي، أداء رسالته في حفظ التراث ونقله إلى الأجيال القادمة ليظل شاهدا حيا على عراقة الجزائر وثراء هويتها الثقافية. 

 

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services