14

0

المرأة الجزائرية في رمضان: أيقونة العطاء في محراب الصبر وسيدة الاقتصاد المنزلي

بقلم الأستاذ كريبع خذير نائب رئيس الاتحاد الوطني لحماية المستهلكين
 
 
في الأيام العادية، تمر أدوار المرأة مرور الكرام أحياناً، لكنه حين يحلّ شهر رمضان الفضيل، تتحول هذه الأدوار إلى لوحة فسيفسائية بديعة، تتكامل فيها خيوط العبادة مع نسيج الحياة اليومية.
 في شهر تتجه فيه القلوب إلى المساجد، وتنشد الأرواح معاني القرب والصبر والجود، تبقى هناك أيقونة لا تغيب عن المشهد الرمضاني رغم بقائها خلف الكواليس.
 امرأة تمشي على الأرض بهدوء، لكن خطاها تترك أثراً عميقاً في كل زاوية من البيت، وفي كل تفصيلة من تفاصيل هذا الشهر الفضيل.
 
إنها المرأة الجزائرية... تلك التي لا يُكتب عنها كثيراً في زحمة الأطباق والدعوات، لكن الحقيقة أن رمضان كله مكتوب بأناملها، ومذاقه الخاص مستمد من عبق تضحياتها.
 
مملكة من نار وإخلاص... وإدارة ذكية للموارد
 
في رحاب المطبخ، حيث تتصاعد البخارات وتحترق الساعات، تقف هي وحدها في معركة لا تهدد بين أصوات القدور لا تخيفها، ووهج النار لا يثنيها ولكن من منظور اقتصادي واجتماعي،
 فإن دورها يتجاوز بكثير مهمة الطهي. قبل أن يهل الهلال بأيام، تكون قد بدأت رحلة "المؤونة" المدروسة، فـالمرأة الجزائرية هي وزيرة الاقتصاد المنزلي بلا منازع.
 
هي من تخطط لميزانية الشهر بعناية، تخبئ لأهلها من طيبات الطعام ما يستقبلون به الشهر، لكنها تفعل ذلك بذكاء المستهلك الواعي. 
 
تعقد مقارنات بين الجودة والسعر، تبحث عن أفضل العروض للماكولات اللذيذة والمحبوبة لدى الأسرة وتدير عملية تخزين محكمة لضمان تموين العائلة طيلة ثلاثين يوماً دون إسراف أو تقتير. 
كل طبق تحضره هو خلاصة حسابات دقيقة وتخطيط مسبق. إنها تحول مطبخها إلى خلية عمل مصغرة للإنتاج والتدبير، حيث كل طبق يحكي قصة كفاح يومي مع غلاء الأسعار وتقلبات السوق، وكل لقمة تروي حكاية امرأة تجعل من المطبخ محراباً، ومن الطهي عبادة تؤجر عليها.
 
مهندسة الزمن المقلوب وحارسة التقاليد والعادات الاستهلاكية.
 
رمضان يقلب الموازين، النهار نوم وسكون، والليل حياة وحركة. وهي من تمسك بخيوط هذا الزمن المقلوب ببراعة. 
تنظم للصائمين أوقاتهم بين النوم واليقظة، وتعد للقاطنين بيوتهم برامج السهرات والزيارات العائلية. لكن الدور الأكبر لها يتجلى في الحفاظ على التراث. 
فالمرأة الجزائرية هي الحارس الأمين للعادة الرمضانية الأصيلة المتمثلة في تبادل "أطباق الرحمة" مع الجيران والأقارب.
هذا التقليد الجميل، الذي تقف هي خلفه، ليس مجرد تبادل للطعام، بل هو شبكة أمان اجتماعي مصغرة. 
إنها وقفة وفاء مع من لا صوت لهم، وإكراماً لشهر الكرم والإحسان، تعزز الروابط وتلم شمل العائلة والجيران حول مائدة واحدة افتراضية.
 من خلال هذه اللفتة البسيطة، ترسم المرأة الجزائرية خريطة للتماسك الاجتماعي، وتعلم أبناءها معنى المشاركة والعطاء، وتخلق توازناً في الاستهلاك يحول دون الهدر ويشيع البركة.
 
 
 
روح تصارع الجسد... (بحثاً عن السكينة وسط الزحام)
 
وبين كل هذا التدبير والتخطيط والطبخ والتنظيم، تظل للمرأة روح تتوق إلى السكينة والخلوة مع الله. هي تحن إلى وقت هادئ تتلو فيه القرآن، فتختلسه من دقائق ما قبل الفجر الذهبية، أو من لحظات القيلولة القصيرة. تريد صلاة التراويح بخشوعها في المسجد، لكن صغارها يحتاجون رعايتها حولها، وسحور غدها يتطلب تجهيزها.
إنها معركة صامتة بين جسد منهك يطالب بالراحة، وروح عطشى تطمح للعبادة.
 هنا يبرز جوهر "محراب الصبر". هي هناك ،حيث الصبر يرتدي ثوب العبادة، وحيث عبارتها المأثورة "نيتي" وحدها كفيلة بتحويل التعب إلى أجر، وإرهاق الجسد إلى راحة للروح. إنها لا تبحث عن التقدير، بل عن رضا الله في خدمة أهلها.
 
المرأة الجزائرية في رمضان... 
 
ليست فقط من تطبخ وتعد وتدبر ميزانية البيت وتضبط إيقاعها بل إنها هي من تجعل من هذا الشهر لوحة فنية متكاملة لا تكتمل إلا بوجودها. إنها الأيقونة التي لا تطلب التكريم، وهي تستحقه عن جدارة. هي العنوان الأبرز للاستهلاك المسؤول والعطاء اللامحدود.
 
 احترام وتكريم وتبجيل لهن : 
إليكِ أيها الأم، أيتها الأخت، أيتها الزوجة، أيتها البنت 
التي تتعب بصمت وتعطي بلا حدود وتدبر بذكاء، 
إليكِ كل الشكر وكل التقدير والتبجيل وكل الدعاء.
فأنتِ سر رمضان المضيء... ونبضه الذي لا يتوقف... وقائدته الاقتصادية والاجتماعية في زمن تتعاظم فيه التحديات.
 
كل عام وأنتِ للمنزل نور، وللعبادة روح، وللاقتصاد المنزلي عماد، وللعطاء عنوان.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services