20
0
المنيعة: "قراءة في احتفال" ترسّخ مكانة الثقافة كاستثمار في الأجيال الصاعدة
من المطالعة إلى صناعة الوعي..
الهوصاوي لحسن
في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بعزوف فئات من الشباب عن القراءة وتنامي تأثير الفضاءات الرقمية على السلوك الثقافي، تبرز المبادرات المحلية الهادفة إلى إعادة الاعتبار للكتاب والفعل الثقافي كرهان استراتيجي لصناعة الوعي وتعزيز الانتماء المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، جاءت الطبعة الثالثة من المهرجان الثقافي بالمنيعة "قراءة في احتفال" لتؤكد أن الثقافة لم تعد مجرد نشاط موسمي أو مناسبة احتفالية عابرة، بل أصبحت أداة للتربية والتكوين والاستثمار في الإنسان.

وأسدل الستار بالمركز الثقافي بحاسي القارة ـ المنيعة، على فعاليات هذه التظاهرة التي نظمتها مكتبة المطالعة العمومية لولاية المنيعة في إطار برنامج "7×7 ثقافتي"، بعد أسبوع كامل من الأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية التي استهدفت مختلف الفئات العمرية، مع تركيز خاص على فئة الأطفال والناشئة باعتبارهم النواة الأساسية لأي مشروع ثقافي مستدام.
ولم يكن نجاح التظاهرة مرتبطًا فقط بعدد الفعاليات المنظمة أو حجم المشاركة المسجلة، بل تجسد أساسًا في قدرتها على خلق فضاء تفاعلي جمع بين المطالعة والفن والعمل الجمعوي، ونجح في استقطاب العائلات وإشراكها في مشروع ثقافي محلي يقوم على ترسيخ قيم المعرفة والإبداع والتواصل.
وحمل حفل الاختتام رسائل تتجاوز الطابع الاحتفالي، حيث افتتحت فقراته بكلمة ترحيبية ألقتها المنشطة حورية الصياد، قبل أن تتعاقب العروض الفنية التي عكست التنوع الثقافي الذي ميز هذه الطبعة. وتمكن الفنان المسرحي أحمد دويدة من استقطاب اهتمام الجمهور من خلال عرض جمع بين البعد التربوي والرسالة الفنية الهادفة، فيما صنع المهرج نسوري عز الدين لحظات من البهجة والتفاعل، مؤكداً أهمية توظيف الفنون الترفيهية في تقريب الفعل الثقافي من الأطفال.
وفي مشهد يعكس ارتباط الثقافة بالقضايا الإنسانية، قدمت جمعية الفتح الثقافية أنشودة تناولت معاناة وصمود الشعب الفلسطيني، لتؤكد أن الفن والثقافة يظلان وسيلتين للتعبير عن قيم التضامن والوعي بالقضايا العادلة. كما ساهمت جمعية اقرأ وجمعية الأمل للنشاطات الثقافية والترفيهية في إثراء البرنامج بفقرات متنوعة عكست الحيوية التي باتت تميز النسيج الجمعوي المحلي ودوره المتنامي في تنشيط الحياة الثقافية.
وشكلت لحظة تكريم الأطفال المشاركين والمتوجين في المسابقات والورشات محطة ذات دلالة خاصة، إذ لم يكن التكريم مجرد توزيع لجوائز وشهادات تقديرية، بل رسالة تشجيع للأجيال الصاعدة على مواصلة مسار التعلّم والإبداع، وترسيخ قناعة مفادها أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من اكتشاف المواهب ومرافقتها.
كما عكس تكريم الجمعيات والشخصيات المساهمة في إنجاح التظاهرة روح الشراكة التي أصبحت أحد أهم عوامل نجاح المشاريع الثقافية المحلية. فالثقافة اليوم لم تعد مسؤولية المؤسسات المختصة وحدها، بل أصبحت مشروعًا جماعيًا تتقاسم أدواره مختلف الهيئات والجمعيات والفاعلين الاجتماعيين.

ويؤكد النجاح الذي حققته الطبعة الثالثة من "قراءة في احتفال" أن الفعل الثقافي المحلي قادر على صناعة الفارق متى توفرت الرؤية والتنسيق والإرادة، كما يبرز أهمية تعميم مثل هذه المبادرات التي تجعل من الكتاب والفن وسيلتين لبناء الإنسان وتعزيز مناعته الفكرية في مواجهة مختلف التحديات.
وباختتام هذه التظاهرة، تكون المنيعة قد قدمت نموذجًا ثقافيًا يعكس حيوية المجتمع المحلي وقدرته على تحويل الثقافة من نشاط موسمي إلى مشروع مجتمعي متكامل، يراهن على المعرفة والإبداع باعتبارهما أساس التنمية الحقيقية وضمانة بناء أجيال أكثر وعيًا وانفتاحًا على المستقبل.


