35
0
المنيعة: "أحسن تاجر" بوابة جديدة لتنظيم السوق في رمضان
في لحظة اقتصادية دقيقة تتقاطع فيها رهانات القدرة الشرائية مع تحديات استقرار السوق، تبرز مبادرة “أحسن تاجر” بولاية المنيعة كإشارة واضحة على تحوّل نوعي في أدوات ضبط النشاط التجاري.
لحسن الهوصاوي
لم تعد الرقابة، كما كان سائدا، قائمة فقط على المتابعة والعقوبة، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها التحفيز وبناء الثقة داخل النسيج التجاري. هذه المبادرة، التي أطلقتها مديرية التجارة تزامنا مع شهر رمضان، لا يمكن قراءتها كحدث ظرفي أو نشاط مناسباتي، بل كجزء من توجه أوسع يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإدارة والتاجر.
فالسوق من هذا المنظور، لم يعد ساحة للفوضى التي تُعالج بالمخالفات، بل منظومة تحتاج إلى توازن دقيق تصنعه سلوكيات مهنية مسؤولة. ما يميز هذه التجربة هو إعادة صياغة مفهوم “التفوق التجاري”.
لم يعد النجاح يقاس فقط بحجم المبيعات أو القدرة على استقطاب الزبائن، بل أصبح مرتبطا بمعايير أكثر عمقا، على غرار احترام الأسعار، جودة السلع، أخلاقيات التعامل، والمساهمة في الحد من الندرة والمضاربة.
وهي معايير تعكس انتقالا من اقتصاد الكمية إلى اقتصاد الثقة. الخرجات الميدانية التي قامت بها اللجنة المختصة يوم 7 أفريل 2026، كشفت عن وجود نماذج تجارية قادرة على التكيف مع هذه الرؤية الجديدة، حيث استطاع بعض التجار تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الربحية والانضباط.
غير أن الأهم من ذلك هو الرسالة الضمنية التي تبعثها هذه العملية: السوق يكافئ الملتزمين، ويُقصي تدريجيا الممارسات غير النزيهة.
ومن زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذه المبادرة تؤسس لما يشبه “الرقابة الذكية”، التي تعتمد على خلق ديناميكية تنافسية إيجابية بدل فرض الانضباط بالقوة. فحين يتحول التاجر نفسه إلى حريص على سمعته المهنية داخل محيطه، تصبح الحاجة إلى التدخل العقابي أقل حدة، وأكثر انتقائية.
لكن، ورغم هذا الطابع الواعد، يبقى التحدي الحقيقي في استدامة هذه التجربة، إذ لا يمكن لمثل هذه المبادرات أن تحقق أثرها الكامل دون آليات متابعة دقيقة، ومعايير تقييم شفافة، وإرادة لتعميمها عبر مختلف الولايات، فنجاحها في المنيعة قد يشكل قاعدة لانطلاق نموذج وطني جديد في تسيير الأسواق.
في المحصلة، تعكس مسابقة “أحسن تاجر” تحولا عميقا في فلسفة التنظيم الاقتصادي، يقوم على فكرة مركزية مفادها أن السوق لا يُضبط فقط بالقوانين، بل بثقافة مهنية تشجع النزاهة وتمنح الأفضلية لمن يضع مصلحة المستهلك في صميم نشاطه. إنها بداية انتقال من اقتصاد تُرهقه المخالفات، إلى اقتصاد تصنعه الثقة.

