43
0
"المهيبة" بين الحفاظ على التقاليد وانتقادات التبذير.. عادة جزائرية تأبى الاندثار

مريم بعيش
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تعود إلى الواجهة في العديد من المناطق الجزائرية، خاصة بالوسط والشرق الجزائري، عادة "المهيبة" أو "عيدية العروسة"، باعتبارها أحد أبرز الطقوس الاجتماعية المرتبطة بفترة الخطوبة.
وبين من يراها تجسيدا للمودة والتقدير بين العائلتين، ومن يعتبرها عبئا إضافيا يثقل كاهل الشباب المقبلين على الزواج، تواصل هذه العادة حضورها بقوة رغم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها الجزائر.
وتتمثل "المهيبة" في إرسال أهل الخاطب مجموعة من الهدايا إلى بيت المخطوبة بمناسبة عيد الأضحى، حيث تشمل جزءا من الأضحية إلى جانب تشكيلة متنوعة من الحلويات التقليدية والألبسة والعطور وأحيانا المصوغات الذهبية، وذلك بحسب الإمكانات المادية لكل عائلة، ويحرص أهل العريس على تقديم هذه الهدايا في صورة أنيقة ومنظمة تعكس الاحترام والتقدير للعروس وعائلتها.
ويرى المدافعون عن هذه العادة أنها تمثل رسالة محبة وتأكيداً على حسن النية بين العائلتين، كما تساهم في إدخال الفرحة على المخطوبة وإضفاء أجواء خاصة على فترة الخطوبة وتقدم خاصة في الأعياد والمناسبات الدينية مثل المولد النبوي الشريف وعيدي الفطر والأضحى.
في المقابل، ينتقد آخرون ما يشهده هذا التقليد من مبالغة في بعض الأحيان، معتبرين أن التنافس الاجتماعي حول قيمة الهدايا ومظهرها الخارجي قد يحول المناسبة إلى عبء مالي يرهق العريس وأسرته.
وفي الجزائر العاصمة، التي تعد من أبرز المناطق المحافظة على هذا التقليد، تنشط الحركة التجارية بشكل ملحوظ خلال هذه الفترة، ففي أزقة الأحياء التجارية، تعرف محلات العطور والألبسة التقليدية وحتى المجوهرات إقبالا متزايدا من العائلات الراغبة في اقتناء الهدايا الخاصة بالمهيبة وأحيانا تختارها العروس رفقة خطيبها أو عائلته.
ويؤكد أصحاب المحلات أن الطلب يزيد في فترة الأعياد على غرار محلات المجوهرات التي يكبر فيها الطلب على الأطقم الذهبية التقليدية والحلي التي تزين العروس ، رغم الارتفاع المستمر في أسعار المعدن الأصفر.
كما تشهد محلات الأقمشة والملابس التقليدية بدورها انتعاشا ملحوظا، خاصة تلك المتخصصة في بيع أقمشة "ملابس التصديرة" الموجهة لخياطة ما سترتديه العروس يوم زفافها التي لا تزال تحتفظ بمكانتها كأحد أهم مكونات جهاز العروس.
ولم يقتصر الإقبال على الألبسة والمجوهرات فحسب، بل امتد أيضا إلى محلات العطور التي تعرض مختلف الروائح الأوربية والشرقية الأصيلة، على غرار المسك والعنبر وماء الورد والبخور والعود، وهي منتجات تحظى بمكانة خاصة ضمن هدايا "المهيبة" لما تحمله من رمزية مرتبطة بالأناقة والاحتفاء بالمناسبة.
أما على المستوى الاجتماعي، فلا تزال العائلات الجزائرية متمسكة بهذا التقليد رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، وتؤكد العديد من الأسر أن "المهيبة" ليست مجرد هدايا مادية، بل مناسبة لتعزيز الروابط العائلية وتقوية علاقة المصاهرة بين الطرفين.
كما تبقى "السنيوة" المزينة بالحلويات التقليدية، مثل البقلاوة والمقروط والتشاراك، من أبرز الرموز التي ترافق هذه المناسبة، حيث تحرص النساء على إعدادها بعناية كبيرة لتقديمها في أبهى حلة.
"شباب بين احترام العادات وتحديات التكاليف"
ورغم تمسك العديد من العائلات بعادة "المهيبة"، إلا أن بعض الشباب المقبلين على الزواج يرون أنها أصبحت تشكل عبئاً إضافياً في ظل ارتفاع تكاليف الحياة ومتطلبات الزواج. وفي هذا السياق، صرح "لبركة نيوز" عماد (30 سنة) من الجزائر العاصمة، وهو مقبل على الزواج الصيف المقبل، أنه اقتنى "مهيبة" لخطيبته بمناسبة عيد الأضحى، تضمنت جزءاً من كبش العيد إلى جانب بعض الخضر ومواد الزينة والعطور.
وأوضح المتحدث أن التزامه بهذه العادة جاء بدافع احترام التقاليد والأعراف الاجتماعية السائدة بين العائلات، رغم قناعته الشخصية بأنها ليست أمراً ضرورياً.
وأضاف أن ما يرافق "المهيبة" من مصاريف إضافية قد يتحول في بعض الأحيان إلى نوع من التبذير الذي يزيد الأعباء المالية على الشباب المقبلين على تأسيس أسرهم، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية وارتفاع تكاليف الزواج.
ويعكس رأي عماد وجهة نظر شريحة من الشباب الذين يجدون أنفسهم بين ضرورة الحفاظ على الموروث الاجتماعي وإرضاء العائلتين من جهة، والرغبة في ترشيد النفقات وتجنب التكاليف غير الأساسية من جهة أخرى.
وبين الأصالة ومتطلبات العصر، تظل "المهيبة" واحدة من العادات الاجتماعية الراسخة التي تعكس خصوصية المجتمع الجزائري وتنوع موروثه الثقافي، غير أن استمرارها في أداء دورها الاجتماعي يظل رهينا بالموازنة بين الحفاظ على التقاليد وتجنب المبالغة التي قد تحول الفرحة إلى عبء على الشباب المقبلين على بناء أسر جديدة.

