21
0
المفكر عمار طالبي: كيف تصنع الأمة نهضتها؟

مع تسارع التحولات الحضارية، تبرز مسألة إصلاح المنظومة التربوية كأحد أهم الرهانات التي تعوّل عليها المجتمعات لبناء مستقبلها.
هاجر شرفي
وفي هذا السياق، كشف المفكر البروفيسور عمار طالبي لجريدة بركة نيوز، أن نهضة الأمم لا تتحقق دون منظومة تربوية حقيقية، قادرة على تكوين الإنسان المفكر والباحث والمنتج للأفكار والأعمال.
وأوضح أن التربية تلعب دورًا محوريًا في بناء العقول وتنمية المواهب، مؤكداً على أن الربط بين العلم والعمل يشكّل حجر الأساس للتقدم الحضاري.

استراتيجية تجاوز التخلف وبناء المستقبل
وأشار البروفيسور طالبي إلى أن المجتمعات التي تسعى إلى تجاوز حالة التخلف تحتاج إلى تبني استراتيجيات متعددة، لكن المنظومة التربوية تأتي في صدارة هذه الاستراتيجيات.
وأوضح أن النظام الحالي غالبًا لا يحقق الهدف الحقيقي من التربية، لأنه يقتصر على حصر الطفل داخل جدران المدرسة دون أن يعلم كيف يفكر أو يكتشف العالم من حوله.
كما لفت المفكر طالبي إلى أن التربية الحقيقية تبدأ بتنمية روح الملاحظة والمشاهدة لدى الطفل، باعتبارها الخطوة الأولى في مسار اكتساب المعرفة العلمية، مع التأكيد على أهمية ربط التعليم بالبيئة والطبيعة، حيث يتعلم الطفل من خلال التجربة المباشرة والتفاعل مع محيطه.
سبل المعرفة والتنمية الاجتماعية
أكد البرفيسور طالبي أن الإنسان يمتلك أدوات أساسية للمعرفة منحها الله له، وهي السمع والبصر والعقل، التي تعد منافذ إدراك العالم وفهمه، وإذا فقد الإنسان أحد هذه الأدوات، فإن قدرته على الفهم والتفاعل مع المحيط تتأثر بشكل كبير، أما فقدان العقل فيفقد الإنسان جوهر إنسانيته.
واستشهد بقوله تعالى: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم”، موضحًا أن هذا التقويم يشمل القدرات العقلية والمعرفية التي تمكّن الإنسان من التفكير والإبداع.
وأوضح أن المنظومة التربوية ليست مجرد تعليم تقليدي، بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى تنمية مختلف أبعاد شخصية الإنسان، فهي تكشف مواهب الطفل وتطورها، وتنمي الجوانب الجسمية والوجدانية والحسية والعقلية، وتشكل من خلال هذه العملية، التي تُعرف في العلوم الاجتماعية بمفهوم التنشئة الاجتماعية، أفراداً قادرين على التفكير والإبداع والإنتاج.
وأضاف أن المجتمع لا يحتاج إلى أفكار مجردة، بل إلى أفكار قابلة للتحول إلى أعمال ومنجزات ملموسة، حيث يكمّل العلم العمل، ويصبح التفكير مرتبطاً بالتطبيق العملي، وهو ما يجعل التنشئة الاجتماعية عنصراً حاسماً في بناء الأفراد القادرين على النهوض بالأمة.
وراء كل فكرة.. فعل
وشدد طالبي على أن التربية الحقيقية تقوم على الجمع بين العلم والعمل، مشيرًا إلى أن اللغة العربية تعكس هذا الترابط، إذ إن كلمتي علم وعمل تتكونان من نفس الحروف، ما يدل على العلاقة الوثيقة بينهما.
واستشهد بقول الإمام مالك بن أنس: “لا أحب إلا ما تحته عمل”, وبحديث البخاري: “باب العلم قبل القول والعمل”, لتأكيد أن أي قول أو فعل يجب أن يقوم على معرفة مسبقة.
وأوضح أن أي عمل بلا علم قد يؤدي إلى كوارث، مستشهداً بمثال شخص يدّعي أنه مهندس فيبني جسراً دون معرفة علمية، ما قد يؤدي إلى انهياره وحدوث مأساة.
كما أشار إلى الكوارث غير المادية الناتجة عن الجهل، والتي لا تقل خطورة عن الكوارث المادية.
وفي ختام حديثه، نوه المفكر عمار طالبي أن القرآن الكريم أعطى مكانة مركزية للعلم، مستشهداً بقول الله تعالى: “وقل رب زدني علما”، موضحًا أن طلب الزيادة في العلم هو الطريق لبناء الإنسان والمجتمع، وليس المال أو الجاه.
وأوضح أن هذا التوجيه يعكس أهمية العلم كأساس تقوم عليه نهضة الأمم وتقدم الحضارات، مؤكداً أن النهضة الحقيقية تتطلب ربط الفكر بالعمل، والتعليم بالتنشئة الاجتماعية، لبناء جيل قادر على التفكير والإبداع والإنتاج.

