16
0
المجتمع الجزائري والقيم الروحية محور منتدى بالمكتبة الوطنية للحامة

شهدت المكتبة الوطنية الجزائرية بالحامة، مساء اليوم ، تنظيم العدد الثالث من المنتدى الفكري الشهري الذي تشرف عليه مؤسسة أوكسجين للثقافة والفنون، في إطار شراكة ثقافية تهدف إلى تعزيز النقاشات الفكرية الجادة حول قضايا المجتمع.
هارون الرشيد بن حليمة
وجاء اللقاء تحت عنوان «المجتمع الجزائري والقيم الروحية: من التأصيل إلى الفاعلية»، بحضور نخبة من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن العام.
المنتدى الذي بات يشكل محطة دورية في الأجندة الثقافية، تناول إشكالية القيم الروحية في المجتمع الجزائري بين مرجعياتها النظرية وتجلياتها العملية، في ظل تحولات اجتماعية وفكرية متسارعة تفرض إعادة قراءة المنظومات القيمية محليا ودوليا. وقد تميزت الطبعة الثالثة بطرح عميق جمع بين التأصيل والتحليل النقدي للسياقات العالمية.
وفي تصريح خصّ به جريدة بركة نيوز، أكد الكاتب والإعلامي ومدير مؤسسة أوكسجين للثقافة والفنون يوسف شنيتي أن تنظيم هذا المنتدى يندرج ضمن رؤية استراتيجية تسعى إلى جعل الثقافة أداة لبناء الإنسان وترسيخ وعي قيمي متوازن. وأوضح أن التعاون مع المؤسسات الثقافية الوطنية يعكس قناعة بأن بناء المجتمع يبدأ من إعادة الاعتبار للنقاش الفكري الرصين، مضيفا أن القيم الروحية ليست خطابا نظريا، بل أساسا لإنتاج سلوك اجتماعي مسؤول ومتضامن.

وأضاف أن الانتقال من التأصيل إلى الفاعلية يمر عبر تفعيل دور مؤسسات التنشئة المختلفة وترسيخ الانسجام بين القول والممارسة.
من جهته، أوضح العقيد المتقاعد والباحث والكاتب وعضو مؤسسة أوكسجين سعيد محمد بوسعادية، أن فهم أزمة
القيم عالميا يقتضي قراءة موضوعية للسياق التاريخي والسياسي الذي تشكلت فيه المنظومات الغربية. وأكد أن الخطاب الغربي المعاصر يقدم نفسه بوصفه حاملا لقيم إنسانية كونية، غير أن الممارسة السياسية تكشف في أحيان كثيرة عن ازدواجية في المعايير، خاصة في التعاطي مع الأزمات الدولية، مستشهدا بالتفاوت الواضح في الخطاب الإعلامي والسياسي بين ما يحدث في غزة وما يجري في أوكرانيا.

كما تطرق المتحدث إلى قضية جيفري إبستين، معتبرا أنها شكلت فضيحة مدوية هزت صورة القيم الأخلاقية داخل الولايات المتحدة، بعدما كشفت عن شبكة علاقات مع شخصيات نافذة في السياسة والمال والإعلام.
وأوضح أن هذه القضية لم تكن مجرد ملف قضائي عابر، بل محطة كشفت عن خلل عميق في منظومة الرقابة والمساءلة، وأعادت طرح سؤال التناقض بين الخطاب الأخلاقي المعلن والواقع العملي داخل مراكز النفوذ، ما يجعل الحديث عن القيم الكونية بحاجة دائمة إلى اختبار في الممارسة.
بدوره أكد الكاتب و المفكر مويزري سعيد، أن مداخلته بعنوان «المجتمع الجزائري والقيم الروحية: من التأصيل إلى الفاعلية» سعت إلى الانتقال بالنقاش من مستوى التشخيص إلى مستوى الاقتراح العملي. وأوضح أن القيم الروحية في السياق الجزائري متجذرة في التاريخ الوطني والديني والاجتماعي، غير أن التحدي يكمن في تحويلها إلى قوة فاعلة في السلوك اليومي وفي مؤسسات الدولة والمجتمع.

وأشار مويزري إلى أن الانسجام بين الخطاب والممارسة يمثل شرطا أساسيا لبناء الثقة المجتمعية، لأن أي تناقض يولد حالة من الازدواجية تضعف الوعي الجماعي. وفي هذا السياق، تطرق هو الآخر إلى قضية إبستين بوصفها مثالا صارخا على أزمة أخلاقية داخل المجتمع الأمريكي، حيث كشفت الفضيحة عن تقاطعات معقدة بين السلطة والمال والإعلام، وهو ما يعمق الشكوك حول مصداقية الخطاب الذي يرفع شعار حماية القيم الإنسانية عالميا.
وأكد في ختام تصريحه لبركة نيوز أن استحضار مثل هذه القضايا لا يهدف إلى التعميم أو إطلاق أحكام مطلقة، بل إلى التأكيد على أن القيم تخضع دائما لاختبار الممارسة والشفافية والمساءلة، داعيا إلى بناء مشروع قيمي وطني يستند إلى المرجعية الجزائرية ويستفيد من التجارب الإنسانية مع الحفاظ على الاستقلالية الفكرية.
وقد شهدت الندوة نقاشا تفاعليا بين الحضور، تمحور حول دور النخب في إعادة توجيه البوصلة الفكرية ومكانة الجزائر في المشهد القيمي العالمي، في ظل أزمات دولية متلاحقة تعيد طرح أسئلة العدالة والإنسانية. وأجمع المشاركون على أن تعزيز الوعي النقدي وترسيخ القيم الروحية يظل مدخلا أساسيا لبناء مجتمع أكثر تماسكا وفاعلية.

