502

0

الحرب على إيران: استنزاف أمريكي في شرك الشرق الأوسط ومكاسب إستراتيجية لموسكو وبكين

قراءة موسعة في تحليل ماكس بوت ومآلات الصراع

بواسطة: بركة نيوز

 

بقلم: ضياء الدين سعداوي 

 

عندما أعلن الرئيس جيمي كارتر عقيدته الشهيرة عام 1980، كانت المعادلة مختلفة جذرياً. كانت أمريكا تعتمد على نفط الشرق الأوسط، وكان الخوف من التوسع السوفييتي يلوح في الأفق. أربعة عقود ونصف لاحقاً، وبينما تقصف الطائرات الأمريكية المواقع الإيرانية في "عملية الغضب الملحمي"، يبدو أن واشنطن لم تتعلم شيئاً من دروس التاريخ. فها هي ذا تغرق مجدداً في "رمال الشرق الأوسط المتحركة"، كما يصفها "الكاتب ماكس بوت" في تحليله بصحيفة "واشنطن بوست" ، بينما يراقب الخصمان الاستراتيجيان الحقيقيان – روسيا والصين – المشهد بابتسامة عريضة، ويجنيان أرباحاً إستراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوى العالمية لعقود قادمة.

 

حرب اللحظة الأخيرة: عندما يخلف العدوان على المفاوضات

 

منذ 28 فيفري 2026، تشن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسع النطاق على إيران أطلقت عليه واشنطن إسم "الغضب الملحمي" وتل أبيب "زئير الأسد" . لكن السياق الزمني لهذه الحرب يحمل دلالة بالغة الأهمية. فوفق تقديرات "المركز العربي للأبحاث"، سبق الهجوم ثلاث جولات تفاوضية في مسقط وجنيف، أبدت فيها إيران مرونة غير مسبوقة، شملت خفض مستويات التخصيب وزيادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية . بل إن وزير الخارجية العماني "بدر البوسعيدي" أعلن أن إيران وافقت على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج .

هذه المعطيات تشير إلى أن الحرب لم تكن خياراً أخيراً بعد فشل الدبلوماسية، بل كانت خياراً مفضلاً لفصائل داخل الإدارة الأمريكية وإسرائيل خشيت من تسوية سياسية تحرمها فرصة توجيه ضربة قاضية للنظام الإيراني. وقد اغتالت الضربة الإفتتاحية المرشد الأعلى علي خامنئي وعدداً كبيراً من القيادات العسكرية والأمنية ، في محاولة لقطع رأس الهرم ودفع النظام نحو الإنهيار.

 

الميدان العسكري: سيادة جوية جزئية وحرب استنزاف برية

 

على المستوى العسكري، حققت القوات الأمريكية وإسرائيل تقدماً ملحوظاً في الأيام الأولى. استهدفت الضربات منظومات الدفاع الجوي بصواريخ HARM وطائرات الحرب الإلكترونية EA-18G Growler، ثم انتقلت إلى القدرات البحرية في ميناء بندر عباس، فمنصات الصواريخ الباليستية المحصنة بإستخدام القاذفة الشبحية B-2 . وبعد 100 ساعة، أعلنت هيئة الأركان الأمريكية المشتركة تحقيق "سيادة جوية محلية فوق أجزاء من الساحل الإيراني" .

لكن هذا النجاح التكتيكي لا يترجم بالضرورة إلى نصر إستراتيجية. فإيران لم تنهار، وتحولت إلى أسلوب حرب استنزاف يعتمد على المسيرات الأقل كلفة . والأهم أنها وسعت نطاق الصراع إقليمياً، صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل، هجمات على دول خليجية، دخول حزب الله اللبناني على خط المواجهة، وفتح جبهة استنزاف داخلية عبر تسليح فصائل كردية إيرانية . بل إن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تقدم باعتذار رسمي لدول الخليج مع تعهد بوقف الهجمات "المشروط" بتحييد القواعد الأمريكية ، في إشارة إلى محاولة إيرانية لتفكيك التحالف المعادي.

 

المستفيد الأول: روسيا – النفط والاستنزاف المزدوج

 

في هذه الأثناء، تبتسم موسكو. إرتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل (مقابل 73 عشية الحرب) يدر عوائد ضخمة على الخزانة الروسية، في وقت تحتاج فيه لتمويل آلة الحرب في أوكرانيا . والأهم أن إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام معظم المشغلين  دفع أكبر مستوردي الطاقة في العالم – الهند والصين – إلى العودة إلى النفط الروسي.

الهند، التي كانت خفضت وارداتها من روسيا إستجابة للضغوط الأمريكية إلى أقل من 20% في جانفي ، بدأت بالفعل باستقبال ناقلات النفط الروسي. تشير بيانات تتبع السفن إلى وصول ناقلات تحمل نحو 2.1 مليون برميل من خام الأورال إلى الموانئ الهندية . نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أكد أن موسكو "تتلقى إشارات تدل على تجدد إهتمام الهند" .

الصين بدورها، التي كانت كبحت وارداتها من روسيا سياسياً ، رفعت شحنات النفط الخام الروسي بنحو 370 ألف برميل يومياً خلال فيفري مقارنة بالأشهر السابقة . ومع توقف الإمدادات الفنزويلية بعد تغيير النظام هناك، يبدو النفط الروسي المتاح عبر خطوط الأنابيب والناقلات الخاضعة لعقوبات غربية (والتي لا تستطيع أوروبا التعامل معها) خياراً استراتيجياً لا غنى عنه لبكين.

إضافة إلى ذلك، استنزاف صواريخ باتريوت الأمريكية في سماء إيران يعني نقصها في أوكرانيا. الرئيس زيلينسكي صرح أن عدد صواريخ باتريوت المستهلكة في ثلاثة أيام من القتال مع إيران يفوق ما استخدمته أوكرانيا منذ عام 2022 . روسيا إذاً تحقق مكاسب ثلاثية: إيرادات نفطية أعلى، عودة عملاقي آسيا إلى شراء نفطها، وتخفيف الضغط العسكري على جبهة أوكرانيا.

 

المستفيد الثاني: الصين – الإنشغال الأمريكي والسباق التكنولوجي

 

بينما تنشغل واشنطن بقصف إيران، تواصل بكين تقدمها في السباق التكنولوجي. تشير تقارير معهد السياسة الإستراتيجية الأسترالي إلى أن الصين تتفوق الآن على الولايات المتحدة في الأبحاث المتعلقة بـ 66 من أصل 74 تقنية رائدة، تشمل الذكاء الإصطناعي، والموصلات الفائقة، والحوسبة الكمومية، والإتصالات البصرية .

الأرقام صادمة: الصين تنتج 70% من المركبات الكهربائية في العالم، و80% من الهواتف الذكية، و80% من بطاريات الليثيوم أيون، و90% من الطائرات بدون طيار . وفي العام الماضي، كانت نصف المركبات المباعة في الصين كهربائية أو هجينة، بينما الرقم في أمريكا لا يتجاوز 22% .

على المستوى العسكري، يذكر البنتاغون أن بكين "تواصل إحراز تقدم مطرد" نحو هدف السيطرة على تايوان بحلول 2027 . الصين تمتلك أكبر بحرية في العالم، وتوسع بسرعة قواتها من الصواريخ الباليستية والقوات النووية، وتبني غواصات نووية قادرة على شن ضربات من قرب السواحل الأمريكية .

الحرب على إيران، إذاً، تشتت الإنتباه الأمريكي عن المحيط الهادئ، وتستهلك صواريخ موجهة مطلوبة للدفاع عن تايوان، وتؤخر الرد على "الصدمة الصينية الثانية" التي يحذر منها الإقتصاديون . الصين تراقب المشهد من مسافة آمنة، تجني مكاسب إقتصادية من النفط الروسي الرخيص، وتواصل بناء قدراتها.

 

مشهد الاستنزاف المتعدد: الخليج، أوروبا، والجبهات المفتوحة

 

الخاسر الأكبر في هذه الحرب هو الإستقرار الإقليمي والعالمي. مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً (20% من الإستهلاك العالمي) ، تحول إلى منطقة عمليات عسكرية. شركة قطر للطاقة أعلنت حالة القوة القاهرة وأوقفت إنتاج الغاز الطبيعي المسال . أسعار البنزين في أمريكا قفزت 14% في أسبوع ، في تطور يعيد "تضخم الحرب" إلى الواجهة قبيل الإنتخابات النصفية.

مراكز الأبحاث الإسرائيلية، رغم دعمها للحرب، تبدي قلقاً من مسارين: الأول، إحتمال أن تقرر أمريكا إنهاء الحرب بسرعة لأسباب داخلية، تاركة إسرائيل أمام مواجهة غير مكتملة . الثاني، أن إيران قد تنجح في تحويل المعركة إلى حرب استنزاف إقليمية متعددة الجبهات تستنزف الجميع .

معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب يشير إلى أن دول الخليج فوجئت بدرجة التصعيد، وتحاول تجنب الانخراط المباشر . الأردن وجد نفسه في موقع حساس تتساقط على أراضيه بقايا الصواريخ . حزب الله يدخل المواجهة بتردد واضح، عالقاً بين التزامه تجاه إيران والواقع اللبناني الداخلي .

 

مأزق الخصوم المباشرين: إيران وأمريكا وإسرائيل

 

أما أطراف المواجهة المباشرة، فمصيرهم غامض. إيران خسرت قيادتها وتعرضت بنيتها العسكرية لضربات قاسية، لكنها لم تنهر. البرنامج النووي قد تعطل، لكن النظام لا يزال متماسكاً، ويعتمد على حرب الاستنزاف عبر وكلائه .

أمريكا تحقق بعض الأهداف التكتيكية، لكنها تستهلك مخزوناتها الصاروخية بسرعة، وتواجه ارتفاعاً في الأسعار يهدد شعبية الإدارة، وتجد نفسها منشغلة عن أولوياتها الكبرى في آسيا وأوكرانيا .

إسرائيل قد تكون الأقرب إلى تحقيق مكاسب آنية بإضعاف قدرات حزب الله وإيران، لكنها تخشى من وقف أمريكي مفاجئ للحرب يترك المهمة غير مكتملة . كما أنها تدرك أن صواريخها الإعتراضية هي الأخرى تستنزف، وأن جبهة لبنان قد تتسع

 

من يربح حقاً؟

 

في هذه الحرب، الثمن يدفعه الإيرانيون بالأرواح والدمار، والأمريكيون بالاستنزاف المالي والعسكري والتشتت عن الأولويات الكبرى، والإسرائيليون بالقلق من مستقبل غير مضمون، والعالم بأسعار طاقة متقلبة وسلاسل إمداد مضطربة. أما الجائزة الكبرى، فتذهب إلى من يراقبون المشهد من بعيد.

روسيا تجني مليارات الدولارات من إرتفاع أسعار النفط، وتستعيد عملاءها الآسيويين، وتخفف الضغط عن جبهتها الأوكرانية. الصين تواصل سباقها التكنولوجي دون إلهاء، وتؤمن احتياجاتها النفطية بأسعار معقولة، وتراقب منافسها الأمريكي وهو يغرق في مستنقع الشرق الأوسط مجدداً.

ربما كان السؤال الأكثر إلحاحاً هو السؤال الذي طرحه ماكس بوت: لماذا تظل أمريكا أسيرة الشرق الأوسط رغم كل محاولات فك الارتباط؟ أوباما حاول "المحور نحو آسيا" عام 2011، وترامب تعهد بإنهاء "بناء الأمم وتغيير الأنظمة" عام 2016، ثم انشغل بنصف الكرة الغربي . والنتيجة؟ حرب جديدة في الشرق الأوسط تستنزف الدماء والثروات، وتقدم على طبق من ذهب أكبر المكاسب الإستراتيجية لمنافسي واشنطن الألداء: روسيا والصين

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services