400123
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 192

بقلم اسماعين تماووست
ما زلت إلى اليوم أجهل إن كنت أنا ورفاقي من رجال الشرطة الذين شكّلوا مجموعتي الوحيدة، قد سعينا فعلاً إلى مواجهة الموت بوعي، أم كنّا أشبه بمجاهدي الأمس وقد ورثنا عنهم الجرأة والصلابة، فاندفعنا لنفعل ما لا يجرؤ عليه غيرنا، لم يكن الأمر مجرد مواجهة عابرة، بل امتحانًا عسيرًا، وكان الثمن المُعلن منذ البداية هو الأرواح التي ستزهق، سواء من صفوفنا أو من صفوف الخصم الذي حمل راية الإرهاب.
لقد تعلمنا يومها أن الانتصار لا يتحقق بالتمني، بل بطمس فكرة الموت من عقولنا تمامًا، وكأننا آلات شرطية لا تهاب الخطر ولا تعرف التردد، كنا نردد في سرّنا أنّ هؤلاء الأعداء ليسوا بشرًا عاديين، بل وحوشًا متجردة من الإنسانية، كائنات لا تستحق الشفقة، لأن جرائمهم بلغت من الوحشية ما جعل دماء الأبرياء تجف قبل أن تصل الأرض، لقد أقنعنا أنفسنا أننا لا نقتل رجالًا، بل نمحو من الوجود وحوشًا زرعت الرعب في البلاد.
كل المخاطر التي عشناها خلال تلك السنوات الطويلة لم تكن ذات قيمة إذا ما قورنت بعظمة القضية المقدسة التي حملناها على عاتقنا، كانت الجزائر، وطننا الوحيد، تستحق أن نفديها بأعمارنا جميعًا، كنا نتقدّم بخطوات ثابتة، متوشحين بالشجاعة، مؤمنين أن النصر، وإن تأخر، لا بد أن يُكتب بدماء الشرفاء.
لكن العمل الأمني لم يكن مجرد مواجهة بالسلاح، بل كان معركة عقول أيضًا، كان علينا أن نجعل المعلومة تسري بين الناس كما تسري النار في الهشيم، ليصبح وجودنا في الجبال وفي القرى رسالة واضحة للسكان: الشرطة هنا، لن تتراجع، ولن تسمح للإرهاب أن يفرض منطقه، تلك الإشاعة المقصودة كانت جزءًا من خطتنا، خطة مدروسة جعلت الأهالي أنفسهم أدوات في رسم مسار التحقيق.
كنا ندرك أن أي خبر صغير قد يصل بسرعة إلى المجرمين المختبئين في أوكارهم، يجعلهم يفرّون قبل أن نقترب، لذلك حوّلنا هذه الحقيقة إلى سلاحٍ ضدهم: نشرنا حضورنا عمدًا، حتى يظنّوا أننا على مقربة منهم، فيتركون جحورهم، ويقعون في أفخاخنا، كانت تلك تكتيكات حرب لا تقل أهمية عن الطلقات.
لقد خضنا حربًا نفسية بقدر ما كانت جسدية، حربًا جعلتنا نلعب على حافة الخطر كل يوم، وندرك أن البقاء للأذكى لا للأقوى فقط، ومن رحم تلك الأيام الدامية وُلدت قناعتنا: أنّ الشرطي الحق ليس مجرد حامل سلاح، بل عقل يقظ وروح لا تنكسر أمام العواصف.
في تلك المرحلة العصيبة، وبسبب توالي التهديدات المتلاحقة التي كان يوجهها إلينا عدونا الدموي، أصبح من اللازم أن نواجه الحقيقة كما هي، لم يكن أمامنا خيار آخر سوى الاعتماد الكلي على تجاربنا السابقة في ميدان مكافحة الإرهاب، تلك التجارب التي صقلت أرواحنا كما تصقل النار الحديد.
وبعد نقاش قصير ومكثف جمعني مع زملائي المخلصين، توصّلنا إلى قرار حاسم يقضي بوضع خطة صادمة، خطة لا تقبل التراجع، هدفها تحقيق الغاية الكبرى مهما كانت العوائق.
كان المخطط يقوم على تبنّي ممارسات استراتيجية غير مألوفة، ولو اقتضى الأمر الخروج من المسار القضائي التقليدي، لأن الخطر الذي كان محدقًا بنا لم يكن خطرًا عادياً، بل تهديدًا وجودياً يهدد بقاء الوطن نفسه، لقد أخذنا على عاتقنا كامل المسؤولية لتنفيذ هذه الفكرة الجريئة، إذ أدركنا أنّ أيّ تهاون أو تأخير كان سيؤدي حتماً إلى فشل بعض المهام الحساسة.
إنّ القتال ضد مجرم متوحش يفرض على رجل الشرطة أن يتجاوز الحدود المرسومة سلفًا، تلك الحدود التي يتردد غيره في تعديها، كنّا ندرك تمام الإدراك أن طبيعة ساحة المواجهة تختلف عن قاعات المحاكم، لذلك كنا نطبّق قوانيننا الخاصة على الأرض.
وبذلك تحوّلنا، في لحظات، إلى قضاة وجلادين في آن واحد، نوزّع العدالة الفورية على خصم لا يعرف الرحمة،
كان من اللازم على كل فرد من فريقنا أن يستوعب حجم الظاهرة التي كنا نقارعها: ظاهرة التعصب الأعمى والفكر المتطرف، لهذا، اجتمعنا على رأي واحد وهو أن المعلومة يجب أن تنتشر بسرعة البرق.
لم يكن الهدف فقط الوصول إلى المجرمين مباشرة، بل الأهم كان زعزعة استقرارهم، وبث الرعب في قلوبهم، وجعلهم يدركون أنّ يد العدالة ستطولهم حيثما اختبؤوا.
قد لا نتمكن دائماً من إلقاء القبض عليهم في أوكارهم، لكنّ خطتنا كانت كفيلة بدفعهم إلى الفرار من مخابئهم، والخروج من جحورهم، بعد أن ندمر إحساسهم بالأمان الوهمي الذي يختبئون خلفه، وما إن يفقدوا هذا الشعور، حتى يصبحوا أشبه بطرائد تطاردها البنادق، تائهة في الجبال والغابات، بلا ملجأ ولا مأوى.
لقد اتفقنا على أن تكون عمليات التمشيط أشد صرامة، وأكثر طولاً من أي مطاردة عادية، مثل حملات الصيد التي ينظمها الصيادون لإسقاط فرائسهم، غير أن فرائسنا لم تكن حيوانات برية، بل وحوش بشرية ارتكبت جرائم لا توصف، كان علينا أن نتفوق عليهم بدهاء وصرامة، لنثبت لهم أن رجال الشرطة ليسوا مجرد موظفين، بل محاربون يحملون روح الوطن فوق أكتافهم، مستعدين للتضحية حتى آخر نفس.
كنتُ أُصغي بانتباهٍ بالغ إلى توصيات رؤسائي، أحبس أنفاسي كي لا يفوتني منها حرف واحد، إذ كنت أعي أنّ كل كلمة صادرة عنهم تحمل رائحة التجربة ووزن السنين، غير أنّ الميدان، ذاك العالم المليء بالظلال والمفاجآت، لم يكن يومًا نسخة طبق الأصل عن التعليمات المرسومة خلف المكاتب.، هناك، حيث يتقاطع الخطر مع الغموض، كانت المهام تتجاوز المألوف، فتفرض عليّ تعديل الخطط بما ينسجم مع قسوة اللحظة.
كنت أجرؤ على اتخاذ قرارات خاطفة، أحيانًا مخالفة للأوامر، مدفوعًا بحسّي الشرطي وبفراستي التي لم تخذلني قط،
وبعد إتمام بعض تلك المهمات، لم أكن أجد ضرورة للكشف عن تفاصيلها أمام المسؤولين، كنت أحتفظ بالصمت كسلاحٍ آخر، لأنّ النتيجة وحدها هي البرهان، وما وراءها تفاصيل لا تضيف شيئًا.
ما كنت أرفعه من تقارير وإنجازات كان يُعدّ ملموسًا وذا أثر، لكنه في نظرهم لا يفي بكل التزاماتهم المهنية، فيكتفون بعبارات شكر مقتضبة لي ولفريقي، أمّا أنا، فكنت أدرك يقينًا ما ينبغي فعله، وما يستحيل فعله، إذ كنت أرى وطني يتفحّم ببؤر النيران المتناثرة، كجسدٍ ينهشه الألم من كل صوب.
ولولا شجاعة رجال الشرطة، بمختلف رتبهم ومناصبهم، لانهارت البلاد في تلك الحقبة، لقد غدا شرف الانتماء إلى جهاز الأمن الوطني بمثابة وسامٍ نادر، إذ تحوّل بفضل تلك التضحيات إلى طليعةٍ عالمية في الحرب على الإرهاب، وإلى جدارٍ يقف في وجه العاصفة بلا تراجع.
كانت مطاردتنا للإرهابيين في الجبال الوعرة، والغابات الكثيفة، وأعماق الأودية، أشبه بصيد وحوشٍ متوحشة تتخفّى بين الصخور والأشجار، غير أنّ الحقيقة أشدّ وقعًا: فصيد الوحوش أهون من مطاردة أولئك الفارّين الذين لطّخوا أيديهم بالدماء، وتحولوا إلى مسوخٍ بشرية تجيد التخفي وتذوب في تضاريس المكان كالأشباح، تبقى غير مرئية لشهورٍ طويلة، وكأنها تخوض معنا حرب أعصاب باردة.
كنتُ أعي أنّ المواجهة معهم لم تكن عملية أمنية عابرة، بل معركة حياة أو موت، وأنّ أي تهاون يعني الانكسار، لذلك، في قلب النار، لم أكن مجرّد منفّذ للأوامر، بل قائد يصوغ مصيره ومصير رجاله بقرارات لحظية وجرأة لا تعرف التردد. ومن هنا، كان حضوري يتجاوز حدود الطاعة، لأصبح صانعًا للفارق، في زمنٍ كان الوطن فيه يتأرجح فوق حافة الهاوية.
يتبع ...
29

