98596
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر ...الحلقة 189

بقلم اسماعين تماووست
أود أن أؤكد وأشدّد على أنّ إقليم ولاية البليدة كان يُعدّ بالفعل مكانًا مفضّلاً ورحبًا لقائد التمرّد، المدعو ب/ م، فالأمر لم يكن اعتباطيًا، إذ إنّ طبيعة المنطقة الجغرافية بوعورتها، وتفرّع مسالكها، وغناها بالمخابئ الطبيعية، جعلت منها مرتعًا خصبًا له ولأتباعه.
أمّا تغييرهم المستمرّ لمخابئهم، فكان في حدّ ذاته سلاحًا ذا حدّين؛ ذلك أنّ كثرة التنقّل قد تتحوّل في أي لحظة إلى نقمة قاتلة عليهم، لولا دهاء حذرهم ومراوغتهم، وفي الحقيقة، لم يكن ذلك ليتحقق لولا أنّ خطّتنا الاستراتيجية آنذاك قد أصابها خلل كبير، إذ فقدنا السيطرة على عدّة نقاط حيوية، وزاد الطين بلّة غياب المعلومة الدقيقة، وضعف شبكاتنا الاستخباراتية.
هذا النقص في الرصيد المعلوماتي زرع في نفوسنا قلقًا دائمًا، وولّد في صفوفنا أوقاتًا عصيبة مليئة بالتوتّر والارتباك.ومع ذلك، ظلّ الأمل في التقدّم نحو الأمام يمدّنا بالقوة، كان كل شرطي يرى في مواصلة المهمة واجبًا مقدّسًا، فعل وفاء وإخلاص للوطن، وتضحية تتجاوز حدود الذات.
زملائي كثيرًا ما كانوا يعبّرون، بطرق مختلفة، عن جسامة ما نحمله على عاتقنا، أمّا أنا، فرغم أنّني لم أفصح لهم يومًا عمّا كنت أكنّه في داخلي، فقد كنت مدركًا أنّنا نواجه مخاطر مرعبة، واضحة للعيان، تُخيّم فوق رؤوسنا كظلّ ثقيل، كنت، في أعماقي، على يقين أنّ هذه المهمة لم تكن سوى معركة أخرى من معارك الوجود، صراعًا مثل غيره، تتشابك فيه القوى الأمنية كلّها، متأهّبة، ومشدودة العزم، تحارب ببطولة نادرة ضد آلة جهنمية تمارس أبشع صنوف البطش والإجرام.
هؤلاء المتمرّدون لم يكن في قلوبهم أي ذرة رحمة، ولا قيمة عندهم للحياة الإنسانية، كانوا مجرّد أدوات للخراب، غير واعين أو غير مبالين بما تخلفه أفعالهم من كوارث دامية، وكم أعادوا إلى الأذهان مشاهد المآسي القديمة، بما حملته من آلام لا توصف.
كل عملية لهم كانت تقترن باعتقالات عشوائية، ومداهمات همجية، تخلّف وراءها الرعب حيثما حلّوا، لم يسلم من بطشهم لا البشر ولا حتى الحيوانات؛ فالساكنة التي تصادف مرورهم كانت تعيش لحظات رعب لا تنسى، وحتّى الكلاب التي تعود لبعض العائلات لم تُعفَ من قسوتهم، إذ كانوا يقتلونها بوحشية بواسطة أسلحة بيضاء، فقط كي يضمنوا أنّ نباحها لن يفضح تحرّكاتهم.
كانوا يتسلّلون ليلًا مثل وحوش برية، يعبرون المناطق النائية والقرى المعزولة، مخلفين وراءهم أثر الخراب والخوف.وهكذا، كانت كل ليلة تمرّ علينا بمثابة اختبار جديد، يفرض علينا اليقظة المستمرة، ويذكّرنا بأنّنا في مواجهة عدوّ لا يعرف معنى للإنسانية.
لقد كنا من سلك الشرطة نواصل عملياتنا بثباتٍ لا يلين ضد أولئك الشياطين الإرهابيين، الذين لم يعرفوا في حياتهم سوى قانونٍ واحد هو قانون العنف الأعمى، كانوا يحيطون عائلاتهم بالحماية، بينما يذبحون عائلات الآخرين بلا رحمة، في صورةٍ معكوسة من الظلم والخيانة، صورة تنطق بالوحشية التي انعدمت منها كل مظاهر الإنسانية، لقد أدركنا نحن رجال الميدان أنّ كل خطوة في هذه المعركة لا بد أن تكون محسوبة بدقة، وكل قرار لا بد أن يُتخذ بوعيٍ كامل، حتى لا تُرتكب أي هفوة مهنية أو خطأ قاتل قد يكلّف أرواحاً بريئة، أو يفتح ثغرةً ينفذ منها الأعداء.
لقد علّمتنا التجارب أنّ الحرب أي حرب تحمل في طياتها عواقب وخيمة، مليئة بألوانٍ من العنف، بعضها واضح للعيان وبعضها يتخفى خلف ستارٍ من الغموض، فلا يُكشف إلا بعد فوات الأوان، وهذه العواقب المؤلمة، في كثير من الأحيان، كانت تثير في النفوس أعمق مشاعر الندم، ولكن ويا للأسف، لم يكن بوسعنا أن نصحح شيئاً بعد وقوعه، ولو كنا قادرين على ذلك لوجدنا أنفسنا في موضع ضعفٍ يفتح الباب واسعاً أمام المجرمين ليستغلوه أبشع استغلال، ويجعلوا منه ذريعة للتباهي بقوتهم الزائفة أمام الأبرياء العزّل، خاصة أولئك المستضعفين الذين لم يعرفوا نهايةً لمآسيهم ولا خلاصاً من دائرة معاناتهم.
وكان هؤلاء الأوغاد يتربصون في الخفاء، ينتظرون ببرودةٍ ولا مبالاة أن يقوم آخرون بإنجاز مهماتهم الدنيئة. وفي النهاية، فإنّ الجبناء، في تلك الحقبة الملعونة، لم يكونوا سوى كائنات سقطت إلى حضيضٍ لم تعرفه الكرامة من قبل، كانوا مسوخاً حقيرة، تقبل الهزيمة بسهولة، وترضى بالذل والمهانة، بل وحتى بعمليات التعذيب التي مورست ضدهم وضد ذويهم على يد أولئك الشياطين، الذين لم يزدهم انعدام الضمير إلا قسوةً وتجبّراً.
والأدهى من ذلك، أنّ بعض الموظفين – وللأسف الشديد – لم يكونوا في مستوى شرف مناصبهم ولا في مقام قداسة الوظيفة التي تقلدوها. فقد تخلوا عن واجباتهم، ولم يسعوا يوماً إلى الوفاء بما أُوكل إليهم من مسؤوليات لحماية الوطن والشعب والدفاع عن القضية العادلة التي من أجلها ضحى رجالٌ كثيرون بحياتهم.
لقد كانت تلك المرحلة امتحاناً عسيراً لرجال الأمن الأوفياء، امتحاناً يفرّق بين المخلص والخائن، بين من يرى في الواجب أمانةً لا تُمسّ وبين من باع ضميره بثمنٍ بخس. وقد علمتنا الحياة أنّ «الجبان يموت مرات عديدة قبل موته، أما الشجاع فلا يذوق الموت إلا مرة واحدة.»، وهي حكمة ظلّت ترنّ في آذاننا كلما اشتدت المحنة، فتشدّ من عزائمنا وتزرع فينا الثبات حين يترنّح البعض تحت ضربات الخوف واليأس.وكنا أيضاً نستلهم من كلام الله تعالى قوة الإيمان والصبر، فكنتُ أردد في نفسي قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
كانت هذه الآية بمثابة نورٍ يهدي خطانا في ظلامٍ كثيف، ويمنحنا عزيمةً لا تلين أمام قسوة الخيانة وجرائم الإرهاب. لقد كانت كلماتها كالسيف في قلوبنا، تقطع كل شعورٍ بالضعف، وتعيد إلينا إيماننا بأنّنا لسنا وحدنا، وأنّ الله معنا ما دمنا على الحق.
وهكذا ظلّت معركتنا قائمة، نواجه قسوة العنف بصلابة الإرادة، ونتحدى ظلام الغدر بنور الإيمان بالقضية. ومع كل يومٍ يمضي، ومع كل لحظة ألمٍ أو تضحية، كنا نزداد يقيناً بأنّ التضحية لا تُقاس بالدماء وحدها، بل بالعزيمة التي لا تنكسر، وبالإصرار على أن يبقى الوطن عزيزاً، مهما اشتدت العواصف وتكاثرت الجراح.
لقد كان الطريق صعباً، لكنّ صعوبة الطريق لم تكن إلا دليلاً على شرف الهدف، ومن سار على درب الشرف لا يضلّ أبداً.
لم تكن كفاءتنا في مجال الاستعلامات، وحدها ما ميز عملنا بل إخلاصنا وجرأتنا في مواجهة شتى ضروب المخاطر ومختلف صور الأخطار، الشجاعة دفعتنا إلى اقتحام المجهول بلا تردد، وإلى النظر في عيون الخطر بثبات، كمن يعرف أنّ الواجب لا يُنتظر منه سوى أن يكون أهلاً لحمل الأمانة، ولم يكن ذلك اندفاعاً أعمى أو تهوراً أخرق، بل كان ممزوجاً بصرامة العقل ودقة التدبير، والبحث بعنايةٍ فائقة عن كل وسيلة ممكنة أو حتى متخيَّلة، مهما بلغت غرابتها، كي نواجه بها ما قد يطرأ من أحداث مباغتة أو هجمات غير متوقعة قد تُعرضنا جميعاً لمخاطر جسيمة.
لقد كنتُ على يقينٍ أنّ تأمين مهمتنا لم يكن يشبه أبداً مهام الشرطة الاعتيادية، بل كان يخرج تماماً عن المألوف، ويتطلب استعداداً خاصاً وإرادة استثنائية، كانت مهمتنا أقرب إلى امتحان عسير تتشابك فيه العقول والإرادات، ولا ينجح فيه إلا من آمن بأنّ حماية الأرواح واجبٌ مقدس لا يقبل المساومة.
وفي كل خطوة كنتُ أُذكّر نفسي وزملائي بأنّ الثقة في ضميرنا المهني لم تكن ترفاً، بل كانت سلاحاً خفياً لا يقل أهمية عن الرصاص، فقد كنتُ بطبعي رجلاً شديد اليقظة، شديد الحذر، وهذه القيم كانت أشبه بدرعٍ واقٍ أضعه أمامي كلما تسللت إلى قلبي مشاعر الخوف أو القلق.
ولم يكن هذا الحذر ضرباً من المبالغة، بل كان ضرورة قصوى في بيئة يخيّم عليها الخطر من كل صوب. إنّ اتساع السلاسل الجبلية وكثافة الغابات، بل وحتى تلك المناطق البرية الوعرة التي تحتضن كل أشكال التهديد، كان يفرض علينا أن نتعامل مع كل شجرة وصخرة وكأنها كمين محتمل.
في تلك اللحظات، تعلمت أنّ النجاح لا يقوم على القوة وحدها، بل على الذكاء في التفكير، وعلى القدرة على أن تتقمص عقل عدوك وتخوض معركته من داخله.
لقد سعينا دائماً إلى تقليد طريقة تفكير الإرهابيين، نتساءل: لو كنا مكانهم، أي الدروب كنا سنسلك؟ وأي الملاذات كنا سنختار؟ فبذلك يمكننا أن نصل إلى مخابئهم ونُنهي رحلة فرارهم. وبعد تفكير عميق، وبالاتفاق مع زملائي في الفريق، توصلنا إلى قناعة أنّ هؤلاء الفارين، ومن باب الحيطة والحذر، سيجنحون حتماً إلى السير بخطواتٍ خفيفة بين الجبال والغابات، متجنبين المسالك الظاهرة التي قد تكشفهم وتترك وراءهم آثاراً تُفضح مسارهم وتجرّهم إلى نهايتهم.
وهكذا، بين يقظة العقل وصلابة العزيمة، كنتُ أشعر أنّني لا أمثّل مجرد رجل شرطة، بل رجل يواجه العنف بفلسفة تؤمن أنّ الشجاعة ليست في تجاهل الخوف، بل في ترويضه وتسخيره ليصبح دافعاً للانتصار.
يتبع....

