58877
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر...الحلقة 188

بقلم إسماعين تماووست
كان اليوم الموعود يقترب، يوم الجمعة الذي انتظرناه بفارغ الصبر، إذ كُلّفت بمهمة ملاحقة أولئك الجبناء المجرمين عند الفجر، قبل أن يشرق نور الشمس، كانت سنة 1986 تمضي نحو خريفها الأخير، وكانت الجزائر تعيش آنذاك لحظة فارقة بين الحياة والموت.
كنا وحدنا من يقرر، وحدنا من يحمل عبء الاختيار بين الحياة والشهادة، بين الإقدام أو التراجع. كل قرار اتخذناه كان يحدد مصير عشرات الأرواح، وكل خطأ كان يعني كارثة جديدة، ورغم ذلك، كنا نتحرك بعزيمة لا تلين، نعلم أننا لسنا مجرد أفراد، بل جنود في معركة مقدسة، رجال أقسموا أن يحموا الوطن حتى الرمق الأخير.
لم يكن من السهل مواجهة ذلك الشر المستشري، الذي تغذيه الخيانة وتدعمه أيادٍ جبانة باعت شرفها، كان الإرهاب يسعى إلى إسقاط الشرفاء واحدًا تلو الآخر، ظانًا أن دماءنا ستثنيه عن مواصلة القتال. لكنه لم يفهم أن دم الشرطي ليس مجرد دم، بل عهد وراية، وأن سقوط رجل أمن يعني ولادة مئات آخرين على درب التضحية.
لقد كنا ندرك أنّ العدو في الداخل أشد خطورة من أي خطر خارجي، لأنه يتسلل بين أبناء الوطن، ويغرس سُمَّه في القلوب الضعيفة، لذلك كان واجبنا أن نراقب، أن نتصدى، وأن نكشف هؤلاء المارقين الذين لا ينتمون إلا للخيانة، أمّا رجال الشرطة الصادقون، فكانوا رجالًا يضيئون الليل بشجاعتهم، يواجهون القدر بصدور عارية، يحمون الشعب وكأنهم يحمون أبناءهم.
لقد كان زملائي مثالًا في التضحية، رجالًا صادقين، مؤمنين بالله وبالوطن، مخلصين في واجبهم حتى النهاية. في المقابل، كان الإرهابيون لا يختلفون عن الخونة من الحركى، مجرد أدوات رخيصة تلطخها الخيانة والعار. وبين هؤلاء وهؤلاء، كان التاريخ يكتب صفحاته: صفحة بدماء طاهرة نقية رفعت الجزائر عاليًا، وصفحة أخرى ملطخة بالعار ستبقى وصمة أبدية في جبين أولئك المجرمون الضعفاء،، أشبه بالحركى الذين باعوا الوطن وارتموا في أحضان عدونا التاريخي: الجيش الفرنسي.
كانوا جميعًا، بلا استثناء، دمويين حقيقيين، غلاظ القلوب، متجردين من الرحمة. غير أنّ ظهورهم لم يكن في زمن واحد، بل على مراحل متفرقة؛ أعداء أشداء تتابعوا كالأمواج، يحمل كل واحدٍ منهم حقدًا لا ينطفئ. وعلى امتداد سنوات طويلة، أثخنوا جسد الوطن بجراح غائرة وخلفوا وراءهم دمارًا لم تسلم منه بيوت ولا أرواح بريئة.
ومنذ أن غادر زملائي الأعزاء هذه الدنيا، وقد اغتيلوا غدرًا في ميدان الواجب، ظللتُ أرفع يدي بالدعاء لله أن يتقبّل أرواحهم الطاهرة في جنات الخلد. لقد رحلوا مرفوعي الرأس، لكنهم تركوا في قلبي نارًا لا تنطفئ وإصرارًا لا يلين. نعم، أنا فخور بهم أيّما فخر، وراضٍ عن العطاء العظيم الذي قدّموه للوطن، ولو كان ذلك على حساب حياتهم. إن دماءهم لم تُهدر، بل صارت عهدًا يربطني بالواجب حتى آخر رمق.
ولم تتوقف مساعينا، بل واصلنا البحث في أعماق الجبال وبين شعاب الغابات الكثيفة، حيث كانت مهمتنا مطاردة المجرمين، التضييق عليهم، مطاردتهم بلا كلل، وإسقاطهم واحدًا تلو الآخر. كان هؤلاء المارقون هاجسًا دائمًا لنا، نطاردهم لأنهم مارسوا أبشع الجرائم عن قصد ضد شعب أعزل بريء.
لقد كان جنونهم مزيجًا من الجهل والظلام، وكانوا يجدون لذة مريضة في ارتكاب جرائمهم الوحشية، كانوا كالوحوش الكاسرة، يفتكون بالبشر بلا رحمة، بلا وازع ديني ولا احترام لحرمة القرآن الكريم. والأدهى من ذلك أنهم لم يوجّهوا سلاحهم إلى عدو خارجي، بل كانوا يقتلون أبناء جلدتهم، يذبح الأخ أخاه وكأن الأخوّة بينهم قد مُسحت من القلوب.
وأودّ أن أُشير هنا إلى أن هذه المهمة التي شرعنا فيها كانت بالغة الأهمية، إذ سعت لتحقيق أهداف عدّة. أولها كان البحث عن أي أثر، أي علامة مهما كانت صغيرة، لنستغلها فيما بعد لنصل إلى خيوط تقودنا نحو أوكار المجرمين الهاربين، أولئك الذين فرّوا من مواجهة رجال الأمن الأوفياء.
ولقد كان دوري كمفتش في تلك اللحظات أن أقود رجالي بثباتٍ وسط العتمة، أن أزرع في نفوسهم الثقة، وأذكّرهم أن كل خطوة لنا ليست مجرد مطاردة، بل هي دفاع عن كرامة وطن ينزف. كنتُ أدرك أنّ كل قرارٍ أتخذه قد يعني حياة أو موتًا لعشرات الأبرياء، ومع ذلك كنت أتقدم دائمًا الصفوف، أحمل نظرات زملائي كأمانة في عيني، وأسمع في صدى الجبال أصوات من رحلوا وكأنهم يقولون: واصل الطريق، لا تتراجع. وهكذا، لم تكن شجاعي نابعة من رغبتي في البطولة، بل من يقيني أنّ الصمت أمام الجريمة خيانة، وأنّ المفتش الحقيقي لا يُعرف إلا حين يقف في وجه الموت عاري الصدر، متحديًا الظلام .
كانت عمليتنا بمثابة مطاردة واسعة النطاق قامت على أهداف مزدوجة: كشف مواقع المجرمين ودفهم بعيدًا نحو أماكن أخرى، وفي الوقت نفسه منعهم من الاستقرار مجددًا داخل الجبال. كانت تلك المنطقة التي قمت بتقييمها على أنها شديدة التعقيد ومليئة بالمخاطر؛ امتداد جغرافي واسع، فمثل هذه البقاع الوعرة والخطرة تُعتبر مناسبة أكثر لتدخلات الجيش الوطني الشعبي. كنت أعلم يقينًا — وكنت مقتنعًا بذلك — أن الجيش مؤهل وقادر وقوي بما يكفي لسحق أي جهة تجرؤ على التحدي، وأن قواتنا المسلحة قادرة على قطع الطريق أمام الإرهاب وإخراسه.
مع ذلك، في فترة زمنية قصيرة حدثت أضرار جسيمة، إذ لم تكن هناك عملية مراقبة أو نشر عسكري فعال في البداية؛ ولو وُجدت تلك الأطر لما كانت فرصنا لأخذ المعلومات الاستخباراتية حول الأماكن التي ربما يختارونها ملجأً، لتكون أكبر بكثير. فقد كان النقص في الاستطلاع وقِلة الوسائل يعوقان الحصول على عناصر توفر دلائل دقيقة حول تحركاتهم.
كان الفعل الثالث الذي قمنا به يهدف إلى إحداث أثر إعلامي وعملي معًا. فخلاله سعينا إلى تضخيم الضوضاء المحيطة، ونشر إشاعات موجهة ومعلومات مرتبة عن وجودنا بين مرشدي الغابات، وحول المسالك المؤدية إلى الجبال. النية الوحيدة من ذلك كانت زرع قلق عميق في نفوس المجرمين الهاربين، الذين ربما كانوا يختبئون في أحشاء البريّة، لحثهم على التخلي عن مخابئهم التقليدية وتغيير أماكن اختبائهم. أردنا أن نجعل أماكن لجوئهم تبدو غير مستقرة، وكأنها مماثلة لمواطن الحيوانات المفترسة التي لا أمان فيها.
لقد رافقت هذه الخطة عزيمة صارمة واحتياطات مشددة: توزيع عناصر التحري على محاور محددة، التعاون مع أبناء المنطقة الذين يعرفون الدروب الخفية، وتنظيم دوريات دقيقة للتقصي بدل الاعتماد على نشر عشوائي. كنا ندرك أن نجاح مثل هذه العملية يتطلب تنسيقًا محكمًا بين الجهات المدنية والعسكرية، وسعيًا متواصلًا لتحويل الضوضاء إلى معلومات قابلة للتحقق، لا مجرد حكايات متداولة بين القرويين.
في النهاية، كان الهدف واضحًا: إضعاف قدرة المجرمين على البقاء في الميدان، وجعل الجبال التي تراها عيون السكان ملاذًا غير مُرحب به، إلى أن تستعيد الدولة السيطرة الكاملة على تلك المساحات.
لذلك عززنا الاتصالات بين الفرق الميدانية، وأنشأنا نقاط تجمع آمنة لتبادل المعلومات، واستخدمنا إشارات مرمزة بين المتعاونين المحليين لتفادي تسرب المعلومات الحساسة. كما ركزنا على الحفاظ على هدوء الأهالي وطمأنتهم، لأن ثقة السكان كانت ركيزة لا غنى عنها للحصول على دلائل دقيقة، فهم الذين يعرفون كل ممر وكل ملاح في تلك التضاريس القاسية، وفي كل مرة كنا نعيد تقييم النتائج لنعرف أي تكتيك أثبت فعاليته، وأي مسار يستوجب تغييرا سريعًا.
أحسسنا دومًا بثقل المسؤولية الملقاة على كاهلنا: حماية المدنيين، تقليل الخسائر، وإعادة الأمان إلى القرى المحاذية، هذه التفاصيل الصغيرة غالبًا ما تصنع الفرق بين نجاح الحملة وفشلها.
وبالرغم من الصعوبات، ظل هدفنا ساميًا وواضحًا: إعادة فرض القانون، إغلاق الممرات أمام العناصر الإجرامية، ومنح السكان فرصة لاستعادة حياتهم اليومية بعيدًا عن خوف الاضطراب والعنف. كان من الواضح أن الطريق طويل وشاق، لكن ثبات العزم والعمل المتواصل كانا حلمنا.
يتبع...

