18

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر..،الحلقة 181

بقلم إسماعين تماووست 
 وبينما كانت البلاد تلملم جراحها من آثار الإرهاب الغادر الذي أدمى قلوب العائلات، واغتال أرواح الأبرياء، كلّفت بمتابعة واحدة من أخطر القضايا التي شغلت الرأي العام، والمتعلقة بالمدعو ب/مصطفى، أحد أخطر العناصر المتطرفة في تاريخ منطقتنا خلال سنوات الدم والدموع.

كان هذا الرجل، على قدر ما كان متطرفًا متعنتًا، شديد الحرص على تفادي أي مواجهة مباشرة مع مؤسسات الدولة، خصوصًا مع عناصر الشرطة الوطنية وأجهزة الأمن. فقد أدرك منذ البداية أن الاصطدام سيكون نهايةً حتميةً له. ولهذا، ظل يعتمد سياسة التسلل والمراوغة، متجنبًا الاصطدام المباشر.

وقد اجتمع به الكثير من أعيان المنطقة، من شيوخ وأئمة ومجاهدين كبار، ونصحوه بإلحاح أن يتوب إلى الله، ويتخلى عن طريق الفتنة، ويعود إلى حضن الوطن، لكنه ظل سادرًا في غيه، غير مبالٍ بما قد تؤول إليه أفعاله، حتى سقط في مستنقع الخيانة والدم.

طوال سنوات فراره، اتخذ  من الشعاب والمرتفعات الوعرة أوكارًا له، لا سيما في أعالي بلدية حمام لوان بدائرة بوقرة، ولاية البليدة. تلك الجبال، التي طالما استغلها المجرمون والجبناء للهروب والاختباء، جعل منها  حصنًا حصينًا لمغامراته الإجرامية، وهو يتنقل بين الكهوف، متواريًا عن أعين وحدات الأمن التي كانت تلاحقه باستمرار.

لم يكن هدفه في البداية مجرّد عصيان، بل كان يحلم بتضخيم صفوف جماعته من خلال استقطاب أعداد كبيرة من الشباب المغرّر بهم من مختلف القرى والأحياء. كان يوهمهم بأنهم يعدّون لثورة شعبية كبرى تطيح بالنظام، وتأتي بمئات الآلاف من الثوار، لكنه في حقيقة الأمر كان يلهث وراء سراب وأوهام، غذّتها أحقاده وأطماعه الشخصية.

لقد كان  أسير خيالات مجنونة، وأفكار مسمومة رسمها في عقله عقل انتقامي مريض، حتى صدّق أنه قادر على إسقاط دولة وإشعال فتنة عارمة. ومع توالي السنوات، ومع انجرار العشرات من السذّج وراءه، صار يتوهم أن الحلم في متناول اليد، ناسفًا كل أعراف الدين والوطنية.

لقد جند العشرات من شباب المنطقة، وزجّ بهم في مستنقع الدم، وأوهمهم أنهم مجاهدون، بينما هم في الواقع مجرد أدوات لتحقيق نزواته.

وما زاد الطين بلة أن عددًا من الجهلة والبسطاء ظلوا يرددون أكاذيب عن ماضيه، زاعمين أنه من المجاهدين القدماء الذين شاركوا في ثورة التحرير الوطني، وأنه تقلد رتبة عسكرية في صفوف جيش التحرير. وكلما تحدثوا عنه، صنعوا حوله هالة كاذبة من البطولة، متناسين الجرائم الدموية التي ارتكبها، والدماء التي أرهقها ظلما.

ولأنني مؤمن بأن الحقيقة لا بد أن تُقال، قمت بأمر مباشر من نائب رئيس أمن ولاية البليدة بإجراء تحقيق ميداني شامل ودقيق. انطلقت إلى مختلف القرى والأحياء التابعة لدائرة بوفاريك، استمعت إلى شهادات الشيوخ، والتقيت بعائلات الضحايا، وجمعت الوثائق والأدلة.

وبعد تحقيق متواصل، استمر أسابيع طويلة، تبيّن أن كل ما يُروّج عن هذا المعتوه لا أساس له من الصحة. فقد أكدت الشهادات أن م/ مصطفى لم يكن له أي صلة بثورة التحرير، ولم يُعرف عنه سوى اللهو والتسكع في الأزقة الخلفية. وكان يعيش حياة بائسة هامشية، حتى انجرف نحو التطرف والتحق بعصابات الدم، ليصبح فيما بعد سفاحًا مجرمًا.

إن ما خلفه هذا الجبان من دماء وخراب سيظل وصمة عار في سجل تاريخ الإرهاب، وسيتذكره الناس بصفته خائنًا، لا يستحق سوى لعنة الله والتاريخ.

كمفتش مكلف بهذا الملف، أعتبر أن مهمتي كانت واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، إكرامًا لأرواح الأبرياء، وصونًا لذاكرة الشهداء، وإنصافًا للمجاهدين الأحرار الذين ضحوا من أجل الجزائر.

رحم الله من ماتوا دفاعًا عن الوطن، والخزي والعار للخونة..

وبينما كنت أواصل تقصي آثار سنوات الجمر وأقبض على خيوط الحكايات المخفية بين الجبال والوديان، تكشفت أمامي تفاصيل مرعبة عن واحد من أخطر الخونة في تاريخ هذه الأرض، المدعو م/ مصطفى. لم يكن مجرد إرهابي متمرد على الدولة، بل كان قبل عقود خائنًا للثورة ذاتها التي ادعى يومًا الانتماء إليها.

وأثناء جمعي للشهادات، استمعت إلى روايات عدة أجمعت على أن هذا الرجل كان يعيش في الظل، يختبئ حين تحتاجه الثورة، ويزعم الولاء حيث لا وجود له. كانت شهادات المجاهدين قاسية، إذ وصفوه بالجبن والخيانة، فقد خان الجميع، وترك رفاقه في أحلك الظروف، مختبئًا بعيدًا عن ميادين الشرف، بينما كانوا هم يقاتلون بدمائهم وأرواحهم من أجل الحرية والكرامة.

لقد أكدت لي التحقيقات الميدانية، والوثائق، وشهادات المجاهدين الأحياء، أن هذا المتعفن، قبل أشهر فقط من فجر الاستقلال، كان قد كُلف من طرف بعض قادة الثورة بمهمة وطنية تتمثل في تصفية ضابط من قوات البوليس الفرنسي بمدينة الشراڤة بالعاصمة. وهي مهمة تقليدية اعتُمدت في تلك الفترة للتخلص من أعوان الاحتلال الذين أذاقوا الشعب ويلات القهر.

سُلّم له مسدس لتنفيذ العملية، لكنه، كنا عرف بالجبن والارتباك، أصيب في قدمه بطلقة خرجت من سلاحه قبل أن يقترب حتى من هدفه. وعوض أن يواجه العدو بشجاعة تليق بالمجاهد، حمله رفاقه من المجاهدين وأخفوه في منطقة القليعة بولاية تيبازة، حيث ظل هناك حتى شُفيت جراحه، غير مكترث بمعاناة رفاقه الذين لم يفلحوا في استيعاب غيابه المفاجئ وتخليه عنهم في أصعب اللحظات.

لكن القصة لم تقف عند هذا الحد. إذ بعد استعادته لعافيته، أوكلت إليه مهمة بسيطة وهي مداواة الجرحى من رفاقه. غير أنه، كما تشهد كل الوثائق والشهادات، لم يشارك بعدها في أي مواجهة مباشرة، ولا ساهم في معارك الاستقلال. وظل مختبئًا بعيدًا عن ميادين الشرف حتى طلوع شمس الاستقلال، تاركًا زملاءه يتكبدون مشاق الحرب وحدهم، ولم يكن له أي بصمة في تاريخ النضال الحقيقي.

ومرت السنوات، وبدل أن يصون عهد الشهداء الذين رووا هذه الأرض بدمائهم، خانه. ففي مطلع الثمانينات، تحديدًا سنة 1984، وبعد أن تجمع حوله ثلة من المتعصبين والحمقى، بدأ يبث سموم الفتنة من خلال خطب تحريضية في مساجد الجزائر العاصمة وضواحيها، بدءًا من بلدية براقي  بن طلحة ولاية الجزائر ، و لاربعا ، سيدي موسى، الشبلي وبوينان ولاية البليدة وصولا  الى مساجد أخرى .

كان خطابه مرتجلًا، ضعيفًا ثقافيًا ودينيًا، مليئًا بالتحريف والتضليل، مستغلًا جهل بعض البسطاء وتأثرهم العاطفي بماضٍ صنعه كذبًا عن نفسه. ولأنني أؤمن أن الإسلام نور ورحمة، وأن القرآن فوق كل تعصب وفهم مغلوط، كنت حريصًا في تقريري الرسمي على الإشارة إلى مدى خطورة ما كان يبثه، وكيف أن أفكاره السوداء تشوه صورة الدين وتغذي الكراهية، فتفرق بين أبناء الوطن الواحد بدلاً من جمعهم في بوتقة الأخوة والوحدة.

كان يحرض المصلين على العصيان، ويدعو إلى الكراهية والتمرد ضد مؤسسات الدولة، بادعاء إقامة دولة وهمية على أنقاض الجمهورية الجزائرية. وقد استغل وقتها ظروف البلاد الصعبة، لينشر أفكاره السوداء التي أساءت للإسلام وشوهت صورته، مما أثر على استقرار البلاد وأشعل نار الفتنة في قلوب الأبرياء.

والأدهى من ذلك أن هذا الجبان، وخلال اختبائه في بيت المدعو م/ عبد العزيز ببلدية بوقرة ولاية البليدة، ارتكب فواحش لا تغتفر. فقد أكدت شهادات نساء وأهالي الحي أنه اعتدى على زوجات مستضيفيه مستغلًا غياب الرجال، ولم يسلم من أذاه حتى بعض النساء من الجيران. كان يتستر بعباءة الدين، بينما هو في حقيقته خائن فاجر، دنيء النفس، أظهر أشنع صور الخيانة والجبن، وخان كل الأمانة التي وُضعت في يده، مدمرًا بذلك سمعة الدين ومقدساته أمام أعين الجميع.

هذه الخيانة لم تكن مجرد خيانة لشخص ، بل كانت جرحًا عميقًا في قلب الشعب الذي نشأ على قيم التضحية والفداء. جرح لم يندمل، ذكرى موجعة لطالما كُتب لها أن تبقى شاهدة على عواقب الغدر ونكران الجميل.

وهكذا تبقى قصة ذاك المجرمالقادم من واد الرمان،  عبرة لكل من ظن أن الخيانة سبيله إلى المجد، بينما هي طريق الضياع والهلاك...

يتبع..،

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services