143

0

الجزائر تعيد ترتيب أولوياتها: سيادة اقتصادية، أمن إقليمي، وعدالة صحية

في كل مرة يترأس فيها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون إجتماعا لمجلس الوزراء، يكون فيه البيان الختامي أقرب إلى “وثيقة توجيه إستراتيجي” ترسم ملامح المرحلة المقبلة.

 

ضياء الدين سعداوي

 

الإجتماع الأخير لم يشذ عن هذه القاعدة، فقد جاء محملاً بثلاث رسائل كبرى تعكس إعادة ترتيب عميقة لأولويات الدولة: تثبيت الحضور الإقليمي، ترسيخ السيادة الإقتصادية، وبناء منظومة صحية ذات بعد إجتماعي شامل.

 

أول هذه الرسائل يتجلى في الدفع نحو تسريع تنفيذ اتفاقيات التعاون مع كل من النيجر وتشاد. في الظاهر، يتعلق الأمر بتعاون إقتصادي ثنائي، لكن في العمق، نحن أمام تحول في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية نحو عمقها الإفريقي. فالجزائر، التي لطالما تموقعت كفاعل سياسي وأمني في الساحل، تسعى اليوم إلى ترجمة هذا الحضور إلى نفوذ إقتصادي فعلي، قائم على الشراكات والبنى التحتية والتكامل الإقليمي. إنها مقاربة تتجاوز منطق “المساعدات” إلى منطق “المصالح المتبادلة”، وهو تحول يعكس إدراكاً بأن معارك النفوذ في إفريقيا لم تعد تحسم بالخطاب السياسي وحده، و قد ارتقت إلى الإستثمار والتنمية.

 

الرسالة الثانية، وربما الأكثر حساسية داخلياً، تتعلق بمسار استرجاع الأموال المنهوبة. إشادة الرئيس بالمجهودات المبذولة، لا سيما ما تحقق في ولايتي باتنة وتيسمسيلت في ملف صناعة السيارات هو إشارة سياسية قوية إلى أن ملف مكافحة الفساد لم يعد شعارا ظرفيا ، فهو جزء من معادلة إعادة بناء الإقتصاد الوطني. استرجاع هذه الأموال  و قراءتها كنجاح قضائي،انتقل نحو خطوة أهم تتمثل في إعادة توجيه الموارد نحو الإستثمار المنتج، واستعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. غير أن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه العمليات إلى ديناميكية مستدامة، لا ترتبط بالظرفية، و تؤسس لبيئة إقتصادية شفافة ومستقرة.

 

أما الرسالة الثالثة، فهي ذات بعد إجتماعي وإنساني عميق، وتتعلق بالاستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان وآفاقها إلى غاية 2035. الأمر الرئاسي بإعداد دراسة لإنجاز مستشفى متخصص في علاج السرطان في كل ولاية، يعكس تحولاً في فلسفة الدولة من منطق “التكفل المركزي” إلى “العدالة الصحية المجالية”. فمرض السرطان، الذي ظل لسنوات عبئا مضاعفاً على المرضى بسبب تكاليف العلاج والتنقل، يعاد اليوم إدراجه ضمن أولويات الأمن الصحي الوطني. هذا التوجه، إذا ما تجسد فعلياً ،قد يشكل أحد أهم الإصلاحات الإجتماعية في الجزائر، لأنه يمس مباشرة جودة حياة المواطنين ويعيد الإعتبار للخدمة العمومية في قطاع حساس.

 

ولا يقل ملف تنظيم وتأمين إقتناء الهواتف المحمولة أهمية عن سابقاته، رغم طابعه التقني الظاهر. فالدخول المتزايد للتكنولوجيا في الحياة اليومية، وتحول الهاتف إلى أداة اقتصادية ومعرفية، يفرض على الدولة ضبط السوق بما يضمن حماية المستهلك، ومحاربة التهريب، وتشجيع الإنتاج المحلي. هنا أيضاً تتقاطع السيادة الإقتصادية مع التحول الرقمي، في محاولة لبناء سوق وطنية منظمة وقادرة على المنافسة.

 

في حصيلة للٱجتماع، يكشف مجلس الوزراء عن خيط ناظم يربط بين مختلف هذه الملفات: السعي إلى بناء دولة قوية بمحيطها، عادلة في داخلها، ومتحكمة في أدواتها الإقتصادية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في صياغة هذه التوجهات، بل في قدرتها على التحول إلى سياسات ملموسة تقاس نتائجها في الميدان. فبين الطموح والتنفيذ، تكتب فعلياً خطوات التحولات الكبرى.

 

الجزائر، كما يبدو من هذا البيان، تعيد ترتيب أولوياتها، كما تعيد تعريف دورها: داخلياً كدولة راعية للعدالة الإجتماعية، وخارجياً كفاعل إقليمي يسعى إلى تثبيت نفوذه عبر الإقتصاد لا الشعارات. والسؤال الذي سيحسم المرحلة المقبلة ليس ماذا تريد الجزائر أن تفعل، بل كيف وبأي سرعة تستطيع أن تفعل ذلك.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services