37

0

الجيش الأبيض في الزمن الأسود

 

 

بقلم: فاطمة حرارة  غزة

 

في كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للتمريض12مايو ، تُكتب كلمات الشكر وتُرفع عبارات الامتنان لمن اختاروا أن تكون مهنتهم قائمة على الرحمة والعطاء.

 

 

لكن في غزة، يبدو الحديث مختلفًا تمامًا…فهنا لا نتحدث فقط عن مهنة، بل عن معركة يومية يخوضها الممرضون بأجسادهم وأعصابهم وقلوبهم، في مواجهة الموت والخوف والعجز، بينما يقفون ثابتين في الصفوف الأولى.



إنهم الجيش الأبيض

 

لكن بياضهم لم يكن لون الزي فقط، بل لون القلوب أيضًا قلوب بيضاء تشبه نواياهم الصافية، تمتلئ بالرحمة رغم كل ما يحيط بها من قسوة.

حتى زيّهم الأبيض بدا وكأنه يلامس حقيقة أرواحهم، أولئك الذين اختاروا أن يحملوا الألم عن الناس، ويواجهوا الموت بمحاولة إنقاذ حياة، لا بسلاح.

في غزة، لم يكن الممرض مجرد شخص يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان شاهدًا على الوجع الإنساني بكل تفاصيله.

كان أول من يستقبل الجرحى، وآخر من يغادر الممرات المزدحمة بالدم والصرخات.

كان يربت على كتف طفل فقد عائلته، ويحاول طمأنة أم تبحث بين الأسرة عن ابنها، ويخفي ارتجاف قلبه كي يمنح الآخرين شيئًا من الأمان.

عمل الممرضون في ظروف لا تشبه أي ظروف يمكن أن يتحملها البشر

ساعات طويلة بلا راحة، نقص حاد في المعدات والأدوية، اكتظاظ يفوق قدرة المستشفيات، وخطر دائم يحيط بهم من كل اتجاه.

ومع ذلك، كانوا يعودون كل يوم إلى أماكن عملهم، لأنهم يعرفون أن خلف كل سرير إنسانًا ينتظر فرصة للحياة.

وللأسف، بينما كان الجميع يرى الممرض بزيه الأبيض داخل المستشفى،قليلون فقط من التفتوا إلى حياته خارجها.

إلى ظروفه المادية القاسية، وبيته الذي قد يكون مهددًا، وعائلته التي تعيش الخوف والجوع والنزوح مثله تمامًا.

كثير من الممرضين كانوا يؤدون عملهم لساعات طويلة، بينما عائلاتهم تنتظر أي خبر يطمئنها عليهم، أو تنتظر لقمة تسد الجوع، أو مكانًا آمنًا يحمي الأطفال من برد الخيام وخوف القصف.

كانوا يواسون الناس رغم أنهم بأشد الحاجة لمن يواسيهم، ويمنحون القوة للآخرين بينما يستنزفهم التعب بصمت.

لم يكن القصف سببًا لتراجعهم،ولا الجوع أوقفهم،

ولا النزوح أبعدهم عن رسالتهم.

كثير منهم كان يخرج من خيمته أو من مكان نزوحه متعبًا ومثقلًا بالخوف على عائلته، ثم يقف لساعات طويلة يعالج الآخرين وكأن وجعه الشخصي مؤجل إلى أجل غير معلوم.

بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أحبّاءه، وآخرون لم يعرفوا أين ستنام عائلاتهم ليلًا، ومع ذلك كانوا يذهبون إلى المستشفيات والمراكز الطبية لأن هناك من يحتاجهم أكثر.

في أصعب اللحظات، كان بإمكانهم النجاة بأرواحهم والابتعاد عن أماكن الخطر،لكنهم اختاروا البقاء.

اختاروا ألا يتركوا المرضى وحدهم تحت القصف، وألا يتركوا الجرحى يصارعون الموت دون يد تمتد إليهم.

كانوا يعرفون أن كل دقيقة يتراجعون فيها قد تعني فقدان حياة إنسان، لذلك بقوا حيث يجب أن يكونوا، رغم الخوف والتعب والاستنزاف.

هؤلاء هم الجنود المجهولون الذين لم تلتقط الكاميرات تعبهم الحقيقي.

وجوه أنهكها السهر، وأرواح أثقلها مشهد الفقد اليومي، لكنهم استمروا لأن إنسانيتهم كانت أقوى من الخوف.

وفي قلب هذه المأساة، لم يسلم حتى العاملون في القطاع الصحي من الاعتقال والاستهداف.

ممرضون كانوا على رأس عملهم، يؤدون رسالتهم الإنسانية، فوجدوا أنفسهم معتقلين بدل أن يُكرَّموا.

اقتيد بعضهم بعيدًا عن مرضاهم وأسرهم، تاركين خلفهم أسرّة لم تكتمل فيها محاولات النجاة، وقلوبًا كانت تستمد القوة من وجودهم.

كما لا يمكن الحديث عن التمريض في غزة دون ذكر المتطوعين الذين اختاروا أن يكونوا جزءًا من هذه المعركة الإنسانية.

شباب وشابات دخلوا المستشفيات والمراكز الطبية مدفوعين بضميرهم فقط، يعملون تحت الضغط والخطر، يحملون المصابين، يساعدون الطواقم، ويقفون في الأماكن التي كان الجميع يخشى الاقتراب منها.

بعضهم دفع حريته ثمنًا لهذا الموقف الإنساني، وتعرض للاعتقال لأنه اختار أن يساعد الناس في أصعب اللحظات.

إن أعظم ما قدمه هؤلاء ليس فقط الجهد الجسدي، بل قدرتهم على الحفاظ على إنسانيتهم وسط كل هذا الخراب.

حين كان التعب كافيًا لإسقاطهم، كانوا يقفون من جديد.

وحين كان الخوف يحيط بكل شيء، كانوا يحاولون زرع الطمأنينة في قلوب الآخرين.

في اليوم العالمي للتمريض، لا تكفي الكلمات لتوفيهم حقهم.

فما قدمه الممرضون والمتطوعون في غزة لم يكن مجرد عمل، بل شكل من أشكال الصمود الإنساني النادر.

هم الذين حافظوا على نبض الحياة وسط الموت، وحملوا رسالة الرحمة في زمن القسوة، ودفعوا من أعصابهم وصحتهم وحريتهم ثمنًا للقيام بواجبهم.

كل التحية للجيش الأبيض في غزة

لأصحاب القلوب البيضاء التي لم يغيّرها الخراب،

وللأيادي التي ضمدت جراح الناس رغم نزفها الداخلي،

ولمن كانوا وما زالوا خط الدفاع الإنساني الأخير في وجه الألم.

نكتب لنحفظ الذاكرة من النسيان 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services