54
0
الفقد اللامتناهى ..
ملف صوت الأسير فى السجون والمعتقلات الصهيونية..

بقلم: فاطمة. حرارة - غزة
اسمحولي آخد مساحة من الصحيفة وأكون معكم دائما رح أبدأ معكم بقصتي وحتكون على أجزاء
من أنا ... وهل نجوت أم مازال ؟؟؟
كل انسان منا اله أصحاب والأصحاب نوعين منهم أصحاب الخير ومنهم أصحاب السوء وأنا زيكم الي أصحاب اعرفكم عليهم رفيقي الأمل ورفيقي الألم
الألم كان رفيقي منذ نعومة اظافري يعني رفيق الطفولة زي مابنحكي من لما استشهد والدي وأنا فتاة في الثالثة عشر من عمري وترك خلفه زوجة ذات الثلاثين من عمرها ومعها ثمانية أطفال أصغرهم مولودة حديثا وعمرها أيام كبرنا وكبر الألم معنا ألم الفقد الذي ترعرعت معه حتى قرر القدر أن يعفو عن قلبي الصغير ويعرفني على رفيقي الجديد وهو الأمل حيث ...
- النجاة من الموت ... (1)
في عام 2011 كنت فتاة يافعة في السادسة عشرة من عمري. تقدم لي شاب لم يكن لديه بيت ولا عمل ثابت. كان طالبًا جامعيًا يتخرج لتوه من دبلوم التمريض. لكن لحسن أخلاقه، وللمصير المقدر بيننا، تمت الخطبة وتزوجنا.
فتح الله عليه بالعمل، اجتهد وثابر حتى أكمل دراسته للبكالوريوس. اشترينا منزلنا الصغير الجميل. وضعت فيه كل طاقتي وجهدي، من عفش مميز وديكورات وما إلى ذلك.
لم أكن أعلم أن حيطانه التي اعتنيت بها ستغدرني وتطمرني تحتها أنا وعائلتي.
لم أعلم أنني سأكمل أقساط منزلي دون العيش فيه.
في نهار الثلاثاء العاشر من أكتوبر عام 2023، في وضح النهار، الساعة الخامسة وخمس وخمسون دقيقة، وفي وسط ضحكات تعلو على مائدة الغداء المتأخرة… فجأة، بدون سابق إنذار، أصبحت الدنيا ظلامًا، والحجارة تنهال علينا من كل حدب وصوب.
اختنقنا. لم نعد نتنفس.
الركام غمرنا. لم نعد نرى ولا نسمع سوى:
"أشهد أن لا إله إلا الله".
والله كأنه صوت رجل واحد بمئة شخص… يا له من شعور.
دقيقة واحدة، وذهبت كل الأصوات.
اختفت… واختفت معها أحلام الكثيرين وحياة الكثيرين. تركت فراغًا لعائلات بأكملها مُسحت.
تم استشهاد جميع من في البناية المكونة من 14 شقة، والتي كانت تضم نازحين بأعداد كبيرة.
100 شهيد على الأقل.
بقينا نحاول حتى خرجنا من تحت الركام. وهنا الصاعقة… عندما هدأ الغبار، لم نرَ حولنا سوى الجثث… الأرجل، الأيدي، الرؤوس المعلقة… أطفال بنصف جسد، نساء لم يبقَ منهن إلا العظام وشعر الرأس.
والله كأنها أهوال يوم القيامة.
ألتفت يمينًا وشمالًا لأبحث عن مخرج، وزوجي يلتفت يمينًا ويسارًا ليبحث عن أحد ينقذه. أمانته العلمية وإنسانيته لم تغب رغم ما هو فيه.
بعد قليل سمعنا صوت الناس:
"في حدا؟ في حدا عايش؟"
يبحثون عن بصيص أمل… عن أي ناجٍ.
نظرت إلى نفسي، وجدتني بحاجة إلى رداء يستر جسدي المتهالك، وشعري الذي لم تعد له معالم. جلست أبكي، وابتعدت عن المخرج الذي وجدته بقدرة إلهية، وصرت أدعو:
"اللهم استرنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض عليك."
وظللت أرددها إيمانًا مني بالله أنه لن يخيبني.
والله لن تصدقوا…
جلباب أركنته منذ زمن، لم ألبسه، وجدته أمامي، وبجواره الشالة التي ستغطي رأسي.
يا الله… ألم ينتهِ زمن المعجزات؟؟؟
أي خير تريد بي بعد حتى تهيئ لي الأسباب للخروج؟
يا الله… لو تعلمون كيف اقشعر جسدي وقتها.
ما إن سترت جسدي، وإذا بصوت ينادي:
"يخو ساعدني… ساعد بناتي!"
التفت زوجي، فإذا بها امرأة وابنتاها فوق ثلاجة بيتي، يغمرهن الركام. تركني أواجه مصير الخروج وحدي بعد أن اطمأن عليّ، وذهب لينقذ من هم بحاجة أكثر مني.
وجدهم مبتوري الأطراف، ينزفون الدم من كل مكان. أخرجهم أحياء، ولكن بسبب سياسة الاحتلال في قصف الإسعافات، تأخر الإسعاف… فلحقوا بالركب.
عاد لي هائمًا على وجهه، وأخرجني.
- البحث عن الامل ......(2)
خرجنا واذا بجبل كبير من الردم لانرى مابعده ولكن نسمع الناس تنادي هل من أحد هنااااا ظل زوجي ينادي لا احد يسمعه وجد جثة بنصف طفل صغير واذا به يرمي الجثة للأعلى ف يتهافت الناس علينا من هناك ....من هناك
عندما رأينا الناس والأطفال، تذكرنا أن لنا أطفالًا. أصبحنا ننوح ونبكي.
جثا على ركبتيه يبكي كالأطفال.
وأنا أصبحت أبحث بين الجثث، والناس تقول لي:
"العوض بسلامتكم… لحتى الآن ولا طفل نقلناه عايش."
كانوا يلعبون على باب البيت مع أصحابهم… نقلوهم معًا، ولكن كلهم إلى جنات الخلود.
بكيت حتى جفت دموعي.
لم أرد الذهاب. أردت أن أرى جثث أطفالي، أن أودعهم، أن أبكي وأسرد اعتنائي بهم.
ركبت مع الإسعاف كوني مصابة أنزف من رأسي، وزوجي لم يكن له دور سوى أن يصبر قلبي:
"لا تبكي… احتسبيهم في سبيل الله وابتغاء مرضاته."
ياااه… ما هذا الإيمان؟
تفقد طفليك الوحيدين بعد أن كبرا ورضا؟
كل هذا الرضا؟
.أعاتب زوجي على رضاه ويقينه بالله أي خير أي رضا وانت تفقد طفليك ألم ترى كيف تعبت فيهم بحملهم ميلادهم تربيتهم كنت اقيس طولهم بالسانتي ياااااااااارب المستحيلات والمعجزات أريدهم ....أبكي وأردد ياااااااااارب المستحيلات والمعجزات أريدهم. ابني طلب الشتوي واشتريتله وما أكله يااااارب
يا الله… كمية الوجع والحسرة
كان الإسعاف يحمل المصابين لمشفى الشفاء وذهبت معه لاصابتي في رأسي
– يتبع
حين تُستباح الطفولة وتبقى الإنسانية شاهدة بلا صوت

بقلم: ثورة ياسر عرفات
في المغير اليوم، لم تكن الشمس على ما يليق بالصباح… كانت كأنها تُطأطئ رأسها أمام ما يحدث.
المدرسة فتحت بابها كعادة الأيام، لكن الأيام لم تعد على عادتها.
ثم انكسر المعنى دفعة واحدة.
مستوطنون دخلوا المكان.
لا كعابرين، بل كفكرةٍ سوداء تعرف طريقها جيدًا إلى الطفولة، إلى الصفوف، إلى المقاعد الصغيرة التي لم تُكمل دفاترها بعد.
لم يكن اقتحامًا… كان نفيًا للحياة وهي في أضعف صورها.
كأن الوجود نفسه صار مباحًا لمن يحمل الرصاصة ويُفرغها دون سؤال.
أوس حمدي النعسان… طفل الصف التاسع، ابن شهيدٍ سبق، خرج من بيته كمن يخرج إلى مستقبلٍ بسيط… فعاد اسمه وحده، يتيماً حتى من عمره.
وجهاد مرزوق أبو نعيم (32 عامًا)… مرّ في مسافةٍ ضيقة بين الحياة واللاشيء، فابتلعته اللحظة.
رصاصٌ لا يُخطئ… لأنه لا يبحث عن شيء سوى أن يُسقط المعنى.
أيها العالم:
هل تُدرك أن المدرسة هنا لم تعد مكانًا للعلم، بل اختبارًا يوميًا لفكرة البقاء؟
هل تفهم أن الطفولة تُقاس هنا بعدد الرصاصات التي لم تُصِب بعد؟
هذا ليس حدثًا…
هذا نظامٌ من الفوضى المُنظمة، من الصمت المُدجَّج بالادعاء، من القوة التي تتخفّى باسم “اللا مسؤولية”.
المستوطن لا يأتي وحده.
يأتي معه تاريخٌ من التغاضي، وسماءٌ تتسع لكل شيء إلا للعدالة، وعالمٌ بارع في تحويل الدم إلى خبرٍ ثم إلى نسيان.
المغير اليوم ليست قرية…
هي سؤالٌ فلسفي قاسٍ يُلقى في وجه الإنسانية:
متى يصبح الطفل غير قابل للحماية؟ ومتى يصبح الموت أقلّ فداحة من الإدانة؟
لكن الأرض هنا لا تتقن الاستسلام.
القرى الفلسطينية لا تُهزم… لأنها لا تملك رفاهية السقوط النهائي.
هي فقط تعيد ترتيب وجعها، وتنهض منه كل مرة كما تنهض الحقيقة من تحت الركام.
إلى أهل المغير، وإلى كل القرى التي تقف في وجه الاستيطان كأنها تقف في وجه الزمن نفسه:
أنتم لستم ضحايا حكاية… أنتم من يكتب الحكاية حين يعجز العالم عن كتابتها.
أنتم الدليل على أن الأرض، مهما ضاقت، لا تتخلى عن أصحابها.
وهكذا يبقى المشهد مفتوحًا:
قرية تُحاصَر، طفل يُغتال، وعالمٌ يتعلم ببطء شديد كيف يكون شاهدًا… بلا ضمير.

نافذة لا ترى الشمس
بقلم ألاء أكرم العقاد
في يومٍ يُسمّى يوم الأسير، جلستُ أفكر في أولئك الذين نحبهم… أولئك الذين غابوا خلف القضبان. لم يكونوا مجرد أسماء، بل وجوهٌ ضاحكة كانت تملأ المكان حياة، ثم اختفت فجأة، وكأن الزمن ابتلعها.
تساءلتُ يومًا: كيف يعيش الأسير؟
تخيلتُه حين دخل زنزانته لأول مرة. بابٌ حديدي يُغلق بصوتٍ ثقيل، كأنه يعلن نهاية عالمٍ وبداية آخر. الغرفة ضيقة، بالكاد تتسع للأجساد، ومع ذلك يسكنها عشرون أسيرًا. عشرون روحًا تتقاسم هواءً قليلًا، وصمتًا ثقيلًا، وأيامًا لا تشبه الأيام.
لا شمس تدخل من النافذة، لأن النافذة بالكاد تُرى. مجرد فتحة صغيرة، أعلى الجدار، لا تمنحهم إلا خيطًا باهتًا من الضوء، كأنه يزورهم على استحياء… ثم يرحل سريعًا.
في تلك الزنزانة، يتعلم الإنسان أشياء لم يكن يتخيلها. كيف ينام وسط الضيق، كيف يقتسم المكان، كيف يخفي ألمه كي لا يزيد ألم الآخرين. حتى أبسط تفاصيل الحياة تصبح عبئًا؛ كيف يقضي حاجته؟ كيف يحافظ على كرامته وسط هذا الاكتظاظ؟ أسئلةٌ تبدو عادية خارج القضبان، لكنها هنا تتحول إلى معاناة يومية.
ومع ذلك، لم تنكسر أرواحهم.
كانوا يخلقون من الصمت حديثًا، ومن العتمة نورًا صغيرًا. يضحكون أحيانًا، يتذكرون بيوتهم، أمهاتهم، وأصدقاءهم. يحكون قصصًا عن الشارع، عن الشمس، عن رائحة الخبز… كأنهم يحاولون إعادة الحياة إلى الجدران الباردة.
كل واحدٍ منهم يحمل وطنًا في قلبه، وأملًا لا يُرى، لكنه حاضر. أملٌ بأن باب الزنزانة، الذي أُغلق يومًا، سيفتح يومًا آخر.
وعندها فقط… سيخرجون إلى الشمس، لا كغرباء عنها، بل كمن انتظرها طويلًا، وعرف قيمتها أكثر من أي أحد.
خلف القضبان
في يومِ الأسيرِ… لنا أحبابٌ غابوا
خلفَ القضبانِ، وما عادوا سرابوا
وجوهٌ تشتاقُ شمسًا لم تزرهم
وأعمارٌ على أبوابِ الصبرِ ذابوا
لم يرَ أحدُهم نورَ النهارِ طويلاً
ولا عانقَ الفجرَ، ولا سمعَ عندهُ البلابلُ غنّوا
فاسألْ قلبكَ يومًا، كيفَ يحيا
أسيرٌ في الزنازينِ إذا الليلُ أقبلوا؟
دخلوا غرفًا تضيقُ على أنفاسِهم
كأنَّ الجدرانَ من حولِهم تَقتربُ وتَغضبُ
عشرونَ روحًا في مكانٍ واحدٍ
يتقاسمونَ الصمتَ… والوجعَ المُتعبُ
كيفَ يقضونَ حاجاتِ الحياةِ؟
كيفَ يصبرُ فيهم جسدٌ يتعبُ؟
كيفَ ينامُ الحلمُ بين عيونِهم
والقيدُ في كفِّ الزمانِ مُركّبُ؟
لكنهم رغمَ الحديدِ تماسكوا
كالنخلِ… إن هبَّت رياحٌ لا يَنكبُ
في قلبِ كلِّ أسيرٍ قصةُ وطنٍ
وفي صدرِه وعدٌ بأنَّ الفجرَ يَقرُبُ

الحرية موعدنا… الأسير إبراهيم عبد الله غنيمات

بقلم: سامي إبراهيم فودة
الأسير: إبراهيم عبد الله غنيمات
الخليل – فلسطين
تاريخ الاعتقال: 11/10/2005
الحكم: مؤبد
في مدينة الخليل، حيث تتشابك الحجارة مع الحكاية، وتتشبث البيوت القديمة بذاكرة الصمود، وُلدت سيرة الأسير إبراهيم عبد الله غنيمات كواحدة من حكايات الأسر الممتدة التي لا يطويها الزمن.
في الحادي عشر من أكتوبر عام 2005، بدأت رحلة اعتقاله، ليُغلق خلفه باب الحرية، ويفتح أمامه زمنٌ آخر مختلف… زمنٌ تقاس فيه الأيام بالصبر، والسنوات بالانتظار، والأمل بالإرادة التي لا تنكسر.
صدر بحقه حكمٌ بالمؤبد، ليكون واحدًا من أولئك الذين دفعتهم الظروف إلى مواجهة قاسية مع واقع السجون، حيث يتحول العمر إلى ذاكرة معلّقة، والحلم إلى وعدٍ مؤجل، لكن الروح تبقى متشبثة بالحرية مهما طال الليل.
لم يكن إبراهيم غنيمات مجرد رقم في سجل الاعتقال، بل إنسانًا من أبناء الخليل الذين عرفوا معنى الثبات، وعاشوا تفاصيل الصمود اليومي في مواجهة القيد. خلف القضبان، تتبدل الأزمنة، لكن تبقى القناعة واحدة: أن الحرية حقٌ لا يسقط، وأن القيد مهما طال لا يمكن أن يُلغي الإرادة.
وفي كل يومٍ للأسير الفلسطيني، تتجدد حكاية إبراهيم، كغيره من الأسرى، لتذكّرنا بأن خلف كل اسمٍ قضية، وخلف كل حكمٍ مؤبد حياة كاملة توقفت، لكنها لم تنكسر.
إبراهيم عبد الله غنيمات…
ليس مجرد أسير،
بل حكاية صبرٍ من الخليل،
وعنوان ثباتٍ لا يعرف الانكسار،
وشاهدٌ حيّ على أن الحرية وإن تأخرت… لا تموت.

أربعة وعشرون عامًا خلف القضبان… ومقصلة القلق تلاحق عائلة الأسير المؤبد محمود عمرو
تقرير مكتب: إعلام الأسرى
تغادر الدموع عيني والدته، ويلازمها الدعاء شوقًا لانتظاره، والأمل—رغم كل ما حدث—لا يزال عنوان حياة ذويه.
زوجته تعيش صبر معركة هي جنديتها المجهولة، تنتظر وتحلم بلقاءٍ يمحو ما قبله من غيابٍ وانتظار، وتراقب بقلق بالغ أخبار الأسرى والتصريحات المتعلقة بقانون الإعدام. ورغم انقضاء معالم الصفقة، فإنها لم تُلغِ الأمل من قلبها، وتؤكد دائمًا أن باب الزنزانة لا يُغلق على أحد، مهما طال الزمن وكبر المصاب.
هي عائلة الأسير المؤبد محمود محمد محمود عمرو (50 عامًا) من الخليل، الغائب عن كل صفحات ذكريات عائلته منذ 24 عامًا. تزوج معظم أشقائه، وتوفي والده شوقًا للقائه، ولا يزال منزله يخلو من حضوره.
تعيش عائلته اليوم قلقًا بالغًا في ظل ما يجري حول ملف الأسرى. وقد زارهم بعض الهدوء حين لم يُدرج اسمه ضمن قوائم الأسرى المحررين في صفقات المقاومة، لكن سرعان ما داهمهم مرضٌ آخر: مرض الانتظار والترقب، الذي لا يعرف ثقله إلا أهالي الأسرى، خاصة أصحاب الأحكام المؤبدة.
فالكنيست أقرّ قانون الإعدام بحق أبنائهم، وفي كل يوم تلوّح حكومة الاحتلال بقرب تنفيذ القرار.
بدأت قصة اعتقال الأسير محمود عمرو بتاريخ 2/11/2002، بعد مسيرةٍ تشكّلت على مبادئ رفض فيها أن يرى بلاده ذليلة. وعند اعتقاله، صدر بحقه حكمٌ بالسجن المؤبد مكرر ثلاث مرات.
كما هدم الاحتلال منزل عائلته المكوّن من طابقين، قبل أن تعيد العائلة بناء طابق واحد لاحقًا.
أما داخل السجن، فقد تمكن محمود، بصبره وجلده، من إنهاء المرحلة الثانوية، ثم الحصول على درجة البكالوريوس، ليصبح سجن “ريمون” اليوم عنوان اعتقاله.
تؤكد عائلته أن أخباره منقطعة منذ عامين، عقب إعلان الاحتلال حالة طوارئ متجددة في السجون بعد حرب السابع من أكتوبر.
وكان المحامي قد أفاد، في آخر زيارة، بأنه فقد نحو 20 كغم من وزنه. وكباقي الأسرى، يعاني من سياسة التجويع وانعدام مقومات الحياة الإنسانية.
القلق بات ضيفًا دائمًا في بيت العائلة. تقول:
“حين سمعنا بإقرار قانون الإعدام، أصابنا الخوف والقلق. النوم أصبح حرامًا علينا، نتابع الأخبار بأعصابٍ منهكة. يلازمنا هاجس أنهم سينفذون القرار، وكيف سنسمع نطق الحكم بحقه. أعصابنا مدمرة، وأوضاعنا النفسية سيئة، والدموع لا تفارق أعيننا.”
تأمل العائلة، كغيرها من العائلات، أن يُلغى هذا القرار، وأن يُمحى من ذاكرتهم، وألا يتحقق ما يخشونه بحق أبنائهم.
وتقول زوجته:
“كنت أتوقع إدراج اسمه في الصفقة، فسافرت مع شقيقتي—وهي زوجة أسير مؤبد أيضًا—لنكون قريبتين في حال تحررهم. كنا نخشى أن يُمنع سفرنا أو نُحتجز، لكن أصابنا إحباط شديد، واسودّت الدنيا في وجوهنا. محنتنا صعبة، لكن أملنا لا يزال حيًا بأن الحرية ستزورنا يومًا ما.”
زوجة الأسير محمود عمرو واحدة من ثلاث شقيقات ارتبطن بأسرى مؤبدين.
إحداهن تحررت من هذا الانتظار، بعد الإفراج عن زوجها المحرر طالب عمرو وإبعاده إلى مصر عقب 24 عامًا من الاعتقال.
أما الشقيقتان الأخريان، فلا تزالان في انتظار الحرية، وهما زوجة الأسير محمود عمرو، وشقيقتهما زوجة الأسير جمال عمرو، المعتقل منذ 22 عامًا والمحكوم بالمؤبد.
تصف زوجته زوجها بأنه “الإنسان الحنون، الصديق، والحبيب الذي سرقه الاعتقال”، وتؤكد أن صبرها ازداد قوة بصبر شقيقاتها، اللواتي تقاسمن معها الألم ذاته.
فقد كنّ سندًا لبعضهن، لأن المصاب واحد، والوجع أكبر من أن يُروى.
جمال ومحمود وطالب أبناء عمومة، نال طالب حريته، بينما لا يزال محمود وجمال في دائرة الانتظار.
وتتمنى عائلاتهم أن يزور الفرح قلوبهم بحرية محمود وجمال، وأن يعود طالب إلى بلاده، متخلصًا من ثقل الغربة.
تعاني عائلة محمود عمرو، كسائر عائلات الأسرى، من سياسة قطع راتبه.
هذه العائلة التي قدّمت الكثير، تجد نفسها اليوم في مواجهة قانون يهدد حياة ابنها، ويثقل كاهل والدته وزوجته بالخوف والانتظار.
لكن إلى متى؟
فالقلق ينهش العائلة يومًا بعد يوم، وإن كان الأمل دواءهم، فإن الترقب مرضٌ يفتك بأرواحهم، ويتركهم أجسادًا تمشي بلا روح.

