104128
0
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة "186"

بقلم إسماعين تماووست
لقد اقترحت أماكن بعيدة ومعزولة، مثل الجبال، الغابات، أو المنازل المهجورة، حيث لا شجاعة ولا قوة تكفي لأي شخص يُجلب إلى تلك البقاع في الليل، ليواجه الحقيقة دون أن يلمس شعرة واحدة.
وكان لدي حيلة أخرى ممتازة لجمع المعلومات اللازمة في تلك المرحلة الحرجة، خصوصًا ضد الجهلة المتهورين الذين قد يشكلون تهديدًا مباشرًا للسكان، فكرت في تحويل وسيلة تنقل عادية إلى أداة مراقبة، فاستعملت سيارة مزوّدة لتبدو كخدمة عامة للنقل، وسرت بها كأنها مجرد وسيلة عادية، بينما كانت عينًا ساهرة ترصد كل تحركات المشتبه بهم.
ولضمان التنفيذ بسرعة وكفاءة، استخدمت سيارتي الخاصة، مع صديق وزميل من سيدي موسى ببلدية البليدة. غطينا السيارة بدهان أصفر، وأضفنا جهازًا يُظهر أنها سيارة خدمة مزيفة(طاكسي أجرة )، لتصبح بذلك أداة تخفي خلف واجهة بريئة، وقد مكنتني من تنفيذ مهمة فريدة من نوعها مقارنة بنشاطات الشرطة التقليدية.
على الفور، أصبحت سائقا لهذه السيارة، وارتديت زيًا مدنيًا بعناية، مع نظارات عالية الجودة ولحية مصطنعة، مرافقًا زميلي عبد القادر، الذي بدا كما لو أنه أحد التجار المتجولين، يرتدي ملابس بسيطة تخفي هويته الحقيقية.
كنا حاضرين في كل مكان: الوديان، القرى، الدواوير، الجبال، الغابات، البساتين، والأنهار، نراقب ونحمي، نتحرك بخفاء، نرصد ونستنتج، نكشف التهديد قبل أن يلتهم الأبرياء. كانت أعيننا متفحصة لكل حركة، كل همسة، وكل تفصيلة صغيرة قد تقود إلى كشف شبكة إرهابية أو مؤامرة خطيرة.
لقد أدركت تمامًا أن الليل كان حليفنا، والظل ملاذنا، وأن أي تردد أو إهمال قد يكلفنا الأرواح، لذلك كان دهائي وحذري متحدين، يوجهان كل حركة، كل تصرف، وكل مراقبة. لم يكن مجرد عمل، بل فن متقن من التخفي، الاستقصاء، واستخدام كل مورد متاح لتحقيق الهدف النهائي: حماية الناس وكشف الحقيقة دون أن يكتشفنا أحد.
كنت أراقب الوجوه، حركات الأيدي، وحتى أصغر تفصيل في تصرفات المشبوهين، وأقرأ ما بين السطور قبل أن ينطقوا بأي كلمة. كل مهمة كانت اختبارًا للمهارة، كل لحظة كانت معركة صامتة بين العقل والقوة، بين الخطر والدهاء، وبين الحقيقة والتهديد الذي يحيط بنا من كل جانب.
وهكذا، من خلال سيارة تبدو عادية واثنين من المفتشين متنكرين، انتشرنا في كل مكان، نغوص في الظلام، نرصد، نكشف، ونؤمن سلامة المجتمع من أيدي الجهلة والخطر الداهم، محافظين على مهمتنا بأقصى درجات التركيز والحذر، وكل خطوة محسوبة بدقة، بروح المحقق الذي يرى كل شيء ويفكر بخطوات عديدة قبل أن يتحرك.كانت مهامنا في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد أشبه بما يقوم به أناس تائهون في صحراء مترامية الأطراف، بلا بوصلة أو وجهة محددة، وكأننا نسير في متاهة بلا مخرج.
ومع ذلك، فإن هذا التيه البائس لم يكن عبثيًا أبدًا، بل كان ضروريًا وواجبًا، لأننا كنا نواجه عدوًا لا يتشكل إلا من جبناء مجرمين، يختبئون وراء ستار الدين زيفًا، وجميعهم قادرون على تهديد استقرارنا وزعزعة سلمنا الداخلي.
لقد استهدفوا بجرائمهم الوحشية تدمير عمق وطننا، فيما كان السكان الأبرياء يعيشون على أعصابهم، يترقبون في كل لحظة خبرًا عن اعتداء دموي أو حادثة اغتيال جديدة.
أما ساحات تحقيقاتي، فلم تكن محصورة في المكاتب المغلقة، بل كانت بين العائلات، وفي الدواوير، والمناطق الريفية بقرى الجزائر والبليدة، حيث يعيش الناس حياتهم اليومية في ظل الخوف. كنت أتردد كثيرًا على المساجد، وعلى الاحتفالات الوطنية، والأعراس، والمناسبات العامة.
وأحيانًا كثيرة كنت أُدعى لحضور تلك اللقاءات الكبيرة، حيث من الممكن أن يتواجد بين الحاضرين أشخاص غرباء أو ضيوف جاؤوا من مختلف بلديات الوطن، وهناك، وبلا قصد، قد تنفلت من ألسنتهم كلمات عابرة، جمل صغيرة ألتقطها فورًا، فأحوّلها إلى خيوط دقيقة تقودني نحو الحقيقة.
في الحقيقة، لم يكن هناك سبب واضح يبرر وجودي بينهم، لكن هذه هي طبيعة عمل الشرطة. أمر كهذا يتطلب من رجل الأمن فضيلة الذكاء، وموهبة الصبر، وقدرة عالية على الإصغاء والملاحظة، حتى يصل في النهاية إلى ما يطمح إليه، أي النجاح في مهامه التي تقوم أساسًا على جمع معلومات حقيقية، عبر صرف الانتباه أو الإيحاء، حول قضايا معقدة كان مكلّفًا بالتحقيق فيها بدقة متناهية.
وأعترف اليوم، بكل صدق، أنني خلال تلك الفترة المظلمة من الحرب الأهلية، اضطررت أحيانًا إلى اتباع إجراءات غير قانونية، بل ومخالفة تمامًا للنصوص التشريعية. لكنها كانت إجراءات ضرورية، بل حتمية، من أجل إنجاز تحقيقاتي والوصول إلى نتائج ملموسة، لأن مواجهة الإرهاب لم تكن كغيرها من المواجهات. لقد كنت أحمل على عاتقي مسؤولية كبرى بصفتي رجل شرطة، حاميًا لمجتمعي، أمام الله أولًا، ثم أمام وطني وشعبي.
كانت تلك المهمة الصعبة امتحانًا عسيرًا لقيمنا، لمدى صبرنا، ولقدرتنا على التضحية. لم نكن مجرد موظفين ننجز مهام إدارية، بل كنا رجالًا يعيشون في مواجهة دائمة مع الموت، رجالًا يُطلب منهم أن يظلوا أوفياء للواجب مهما كلف الثمن.
وكل كلمة سمعتها، وكل خيط جمعته، كان سلاحًا صغيرًا أُضيف إلى معركتنا الكبرى ضد أولئك الذين أرادوا نشر الفوضى.كنت على أتم الاستعداد للدفاع عن وطني، حتى لو كلفني ذلك حياتي الخاصة، أو حياة رجال الشرطة الذين كانوا معي في الفريق، أولئك الذين منحوني كامل ثقتهم ووقفوا إلى جانبي في أحلك اللحظات. لم يكن الأمر مجرد مهمة مهنية، بل كان عهدًا مقدسًا في أعماقي، حملته كما يحمل الجندي سلاحه، وكما يحمل المؤمن صلاته.
وحين أنظر اليوم إلى الماضي وأتأمله بعين هادئة، أجد أنني لم أكن في أي لحظة مستعدًا لقبول الهزيمة أو التراجع. لقد رفضت رفضًا قاطعًا أن نخسر المعارك التي خضناها مع أصدقائي الأعزاء من رجال الشرطة ضد أولئك الجهلة المتعصبين، الذين حاولوا بكل وحشية ودموية أن يُفْنوا وطني، وأن يطمسوا معالمه الجميلة. كانوا يسعون إلى زرع الرعب، وإلى فرض فكرهم المتطرف على مجتمع حرّ أبيّ.
وبالنسبة لي، ولجميع رجال الشرطة في مجموعتي، كان خوض تلك المعارك شرفًا عظيمًا، شرفًا يعلو فوق أي اعتبارات أخرى. لم يكن مجرد عمل أو وظيفة، بل كان تضحية خالصة في سبيل وطن يستحق كل قطرة دم. كنت حاضرًا دائمًا، بصفتي قائد الفريق، مستعدًا لإيقاف أعدائنا، بل وللقضاء عليهم بكل الوسائل الممكنة، من أجل حماية الأبرياء وصون كرامة الجزائر.
كنا ندرك تمامًا حجم الخطر الذي يحدق بنا. كنّا نعرف أن حياتنا مهددة في كل لحظة، وأن الموت قد يكون أقرب إلينا من أي شيء آخر. ومع ذلك، كان علينا أن نفعل ما يلزم لمنعهم من خرق التعليمات الأمنية، ومن نشر الخراب في القرى والمدن. ولهذا، لم تكن أفعالنا ولا أفكارنا كأفعال رجال شرطة عاديين، بل كنا نعيش على حافة الموت في كل ساعة، نتحرك بين الألغام والفخاخ، ونعلم أن أي خطأ بسيط قد يُكلفنا أرواحنا.
كانت الساعات قاسية، والليالي طويلة لا تُحتمل، تمر ببطء شديد وكأن الزمن تجمّد. ومع ذلك، واصلنا الوقوف في وجه الإرهابيين، نعتقل بعضًا من أسراهم، ونواجههم وجهًا لوجه. وكان وقع اللحظة عظيمًا حين ننجح في القبض على مجرم أو أكثر، سواء أحياءً أو أمواتًا؛ لأن ذلك كان يعني أننا وضعنا حدًا لجرائمهم الوحشية، وأننا أنقذنا أرواح مواطنين أبرياء من موت محقق.
أؤكد بصدق أن جميع العمليات الفعالة التي نفذناها لم تكن عبثًا أو انتقامًا، بل كانت موجهة ضد القتلة الذين اغتالوا الأبرياء بلا أي سبب وجيه، سوى تعطّش قادتهم المتمردين للدماء، وجهلهم التام بدينهم الحقّ، وتشويههم لمبادئ الأخلاق. لقد حوّلوا القيم إلى وحوش كاسرة تلتهم كل ما يعترض طريقها. ومن هنا، أعترف أنني، مع رجالي الذين كنت قائدًا وقدوة لهم، كنا دائمًا مستعدين للتضحية، وكنّا قد بلغنا مرحلة لم يعد فيها للخوف مكان في قلوبنا.
يتبع...

