ص دلومي
خلف أبواب قاعات الامتحان، لا يُختبر العلم وحده بل تُختبر الإرادة. فمترشحو البكالوريا من فئة الكبار، ممن تجاوزوا الأربعين والخمسين، يثبتون أن مقاعد الدراسة ليست حكراً على الشباب، وأن الأحلام لا ترتبط بعمر محدد. هؤلاء عادوا إلى الامتحان ليس فقط من أجل شهادة، بل لتأكيد أن الرغبة في التعلم لا تشيخ، وأن العودة بعد سنوات من الانقطاع تمثل رسالة قوية في التحدي وإعادة بناء الذات.
العمر مجرد رقم… مترشحون فوق الأربعين والخمسين يكتبون قصص تحدٍ ملهمة في البكالوريا
"العمر مجرد رقم، والعلم لا سقف له"، ليست مجرد كلماتٍ تُردد للتحفيز، بل هي عقيدةٌ آمن بها عشرات المترشحين الأحرار ممن تجاوزوا سن الأربعين والخمسين، وقرروا بكل شجاعة العودة إلى مقاعد الدراسة. هؤلاء الذين اختاروا مقايضة "الراحة" و"الرتابة" بضغوط الامتحانات، يثبتون اليوم أن الطموح لا يشيخ، وأن شغف المعرفة يظل متقداً ما دام في القلب نبضٌ بالحياة، ليكتبوا بفضل إرادتهم فصلاً جديداً من قصص النجاح التي تُلهم الأجيال.
لم يعد انتظار الأبناء عند أبواب المؤسسات التربوية واجبًا يقتصر على الآباء والأمهات، بل تحوّل المشهد إلى تبادلٍ للأدوار، حيث أصبحنا نرى الأبناء يقفون بفخرٍ في طوابير الانتظار لاستقبال آبائهم وأمهاتهم الخارجين من قاعات الامتحان.
إنها ظاهرة “المترشحين الأحرار من فئة الكبار”، عيّنة من المجتمع قرّرت طيّ صفحة الانقطاع الدراسي، واختارت خوض غمار التحدي لإثبات أن العلم لا يعترف بالتاريخ، وأن طموح الإنسان لا ينطفئ بتقدّم العمر.
أحضانُ الانتصار المشهد الذي أبكى الحاضرين أمام مراكز الامتحان
ما إن تُعلن صافرة الخروج عن نهاية "معركة البكالوريا"، وتفتح بوابات المراكز أبوابها، حتى تتحول الساحات الخارجية إلى مسرحٍ عاطفي فريد. المشهد هناك لا يشبه أي استقبالٍ تقليدي؛ إنه لحظةُ التقاء الأجيال عند نقطة الوفاء.
في تلك اللحظات، يبرز الأبناء وسط الحشود، لا بانتظار نتيجةٍ في ورقة، بل بانتظار رؤيةِ "بطلهم" يخرجُ منتصراً على تحدي الزمن. بمجرد أن تقع الأعين على الأب أو الأم المترشح، تتسارع الخطى، وتتلاشى كل مظاهر الرسمية والرهبة.
ترى الابن يهرع نحو والده، في مشهدٍ تقشعر له الأبدان، حيث يُلقي بنفسه بين ذراعي والديه في عناقٍ طويلٍ، يُخفي في طياته كل كلمات التشجيع التي طالما رددها في البيت طيلة ليالي المراجعة. ليست مجرد "حضنة" عابرة، بل هي لحظة اعترافٍ صامتة؛ يمسح فيها الأبناءُ بدموعهم آثار التعب عن وجوه آبائهم، ويضمونهم إلى صدورهم وكأنهم يحتضنون فيهم "حلم العائلة" الذي تحقق.
أما الأمهات، فتلك قصةٌ أخرى؛ حيث يحيط بهن الأبناء كطوقٍ من حنان، يهرعون لأخذ المحافظ والأدوات من أيديهن، وكأنهم يعلنون انتهاء "مهمة القتال" وبداية زمن الراحة والتقدير.
تُسمع كلماتٌ تهمس في أذن الأم: "رفعتِ رؤوسنا يا أمي" بينما يُجيب الأب بابتسامةِ كبرياءٍ تمسحُ كل عناء الامتحانات. هي لحظاتُ "تتويج" حقيقية، حيث لا ميداليات هناك، بل قلوبٌ تتلاحم في مشهدٍ إنساني مهيب، يعلنُ للعالم أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بدفء هذا الاستقبال، الذي حوّل قسوة الامتحانات إلى ذكرى حبٍّ لا تُنسى.
بركة نيوز ترصد قصص مترشحين عائدين للبكالوريا وإصرار على استعادة المسار التعليمي
تحدثت “بركة نيوز” خلال تغطيتها الميدانية لهذا الموسم مع عددٍ من المترشحين العائدين إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع، حيث رصدت قصصًا إنسانية مؤثرة تعكس إصرارًا لافتًا على استعادة المسار التعليمي رغم صعوبات الزمن وتراكم المسؤوليات.
وقد أجمع هؤلاء على أن قرار العودة لم يكن سهلًا، لكنه جاء نتيجة قناعة راسخة بأن التعلم لا تحدّه السنّ ولا توقفه الظروف، بل يعززه الإصرار والرغبة في تحقيق الذات.
كما لجأ العديد من هؤلاء المترشحين إلى الإنترنت ودروس الشرح عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت هذه الوسائل منصة أساسية للمراجعة والتحضير لامتحان البكالوريا، من خلال متابعة الفيديوهات التعليمية والدروس المبسطة التي يقدمها الأساتذة والمختصون. وقد ساعدهم هذا النمط من التعلم على استرجاع المعلومات وفهم الدروس بشكل أسرع، مع إمكانية إعادة المشاهدة في أي وقت، مما منحهم مرونة أكبر في تنظيم مراجعتهم ورفع جاهزيتهم للامتحان.
عشرون عاماً من الحلم المؤجَّل…
فاطمة، في العقد السادس من عمرها، قصة كفاحٍ تُوّجت بالتربية ثم بالتعلم، وأيقونةً حيّة للإرادة؛ فهي أم لأربعة أبناء تفرغت لتربيتهم لسنوات طويلة حتى أوصلتهم إلى مراكز مرموقة "طبيب، معلم، ومهندسة". وبعد أن أدّت رسالتها الأسرية بأمانة، شعرت بوجود فراغٍ معرفي في حياتها، فقررت العودة إلى مقاعد الدراسة.
صرحت لـ “بركة نيوز”: "لم تكن الغاية يوماً الحصول على وظيفة، فالحمد لله أبنائي بخير ومستقرون. كان هدفي استعادة حقٍ سُلب مني بسبب ظروف الحياة القاسية في شبابي. عندما دخلت قاعة الامتحان لأول مرة بعد عقود، لم أشعر بالخوف، بل شعرت بأنني أستردّ جزءاً من هويتي الضائعة. فخري الأكبر لم يكن في ورقة الامتحان، بل في نظرة الاحترام والاعتزاز التي رأيتها في عيون أبنائي وهم ينتظرونني أمام باب المركز، حاملين لي قارورة ماء وكلمات تشجيعٍ كنتُ أنا من يلقنهم إياها بالأمس."
إرادة تتحدى الزمن وتفتح باب الدراسة من جديد
حنان، أم لطفلين، خاضت معركتها مع البكالوريا مرتين؛ الأولى في شبابها بشعبة "تسيير واقتصاد" ولم يحالفها الحظ، والثانية بعد انقطاعٍ دام أكثر من عشرين سنة. تقول لـ "بركة نيوز": "العودة للدراسة بعد سن الأربعين كانت أشبه بالسباحة ضد التيار. كان علي التوفيق بين طبخ الطعام، رعاية الأطفال، والتنظيف، وبين حفظ دروس الآداب والفلسفة التي اخترتها هذه المرة لأنها تشبه شغفي الحقيقي بالحياة. في البداية، كنت أختبئ من نظرات الجيران، لكنني اكتشفت أن العلم ليس عيباً، بل هو شرف. اليوم، وأنا أجلس وسط قاعة الامتحان، أشعر أنني أصغر سناً من الفتيات الجالسات بجانبي، لأن حلمي هو الذي يمنحني هذه الطاقة."
استعادة حلم الدراسة بعد سنوات من التوقف
أحمد، موظف سابق، تحصل على شهادة البكالوريا منذ سنوات، غير أنه لم يتمكن من الالتحاق بالجامعة آنذاك بسبب ظروفٍ حالت دون مواصلة مشواره الدراسي. وبعد مرور سنوات طويلة، قرر اليوم العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، وفاءً لرغبة والدته التي كانت تتمنى رؤيته يواصل تعليمه العالي ويكمل مساره الجامعي.
يقول: "بعد خروجي من الحياة المهنية، شعرت أن حلماً قديماً عاد ليُطرق بابي من جديد. صحيح أنني نلت شهادة البكالوريا منذ سنوات، لكنني لم أتمكن حينها من دخول الجامعة. اليوم أعود إلى الكتب من جديد، ليس بحثاً عن منصب، بل لأحقق أمنية والدتي التي لطالما حلمت برؤيتي طالباً جامعياً. بين صفحات التاريخ والجغرافيا، أستعيد جزءاً من عمري، وأشعر أن هذه العودة ليست تأخراً، بل استكمال لمسارٍ كان مؤجلاً."
اما ليلى التي قررت العودة لمقاعد الدراسة وهي أم لثلاثة أبناء، وجدت في البكالوريا وسيلةً لتعزيز رابطتها بأبنائها. تحكي لـ "بركة نيوز": "بدأت الأمر كنوع من المساندة لأبنائي، فكنت أراجع دروسهم، ومع الوقت، وجدت نفسي أحفظ المناهج معهم. أصبحت دراستي جزءاً من روتين حياتنا اليومي. ابنتي الكبرى كانت هي من تقوم بتلخيص الدروس لي في بطاقات ملونة، وابني الأصغر كان يسألني عن الدروس وكأنني تلميذة مثلهم. لقد أذابت هذه التجربة كل الحواجز بيني وبينهم، وأصبحنا اليوم نتشارك نفس القلق قبل الامتحان، ونفس الفرحة بعد انتهائه.
فاسي: التعلم المستمر حق إنساني لا تحدّه السنّ
أكدت الخبيرة في تقويم النظام التربوي، زهرة فاسي، أن الأشخاص الذين تجاوزوا السن القانونية للتمدرس وتمكنوا رغم ذلك من مواصلة مسارهم العلمي، يجسدون نموذجًا راقيًا لفكرة “التعلم من المهد إلى اللحد”، باعتبار أن طلب المعرفة لا يرتبط بمرحلة عمرية محددة.
مشطوب: إصرار الأمهات على الدراسة مع أبنائهن ظاهرة إيجابية تعكس قوة الإرادة
أكدت الأخصائية النفسانية سلمى مشطوب أن عدداً من الأمهات قررن العودة إلى مقاعد الدراسة ومرافقة أبنائهن في مسارهم التعليمي، في خطوة تهدف إلى دعمهم نفسياً وتحفيزهم على التحصيل الدراسي، مشيرة إلى وجود نماذج عديدة تمكنت من مواصلة دراستها إلى جانب أبنائها وبلوغ مرحلة اجتياز امتحان شهادة البكالوريا.
واعتبرت المتحدثة أن هذه الظاهرة إيجابية وتعكس قوة الإرادة والطموح لدى هذه الفئة، مؤكدة أن العلم لا يرتبط بسن محدد وأن طلب المعرفة يظل مستمراً “من المهد إلى اللحد”.
وأضافت أن هذه الفئة تتميز بعزيمة قوية وإصرار على إعادة اجتياز الامتحانات إلى غاية تحقيق الهدف المنشود، في حين قد يعاني بعض الشباب من اضطراب وضغط نفسي أثناء خوضهم لامتحان البكالوريا.
وأضافت أن التعلم المستمر يمثل مسارًا لتطوير الذات واكتساب المعارف والمهارات، بما يخدم الفرد والمجتمع على حد سواء، مشيرة إلى أن مختلف المراحل العمرية تشهد تطورات علمية وتكنولوجية متسارعة تجعل من الضروري أن يظل الإنسان منفتحًا على التعلم دون توقف، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
جامع : العودة للبكالوريا ليست شهادة فقط بل تصالح مع الذات
الأخصائية النفسانية جامع سارة تؤكد لـ “بركة نيوز” أن الظاهرة المتزايدة لعودة مترشحين لاجتياز شهادة البكالوريا في سن متأخرة تعكس تحولات نفسية واجتماعية لافتة في المجتمع خلال السنوات الأخيرة، موضحة أن هذه العودة لا يمكن قراءتها فقط من زاوية تعليمية، بل تمتد إلى أبعاد أعمق مرتبطة بالذات والهوية الشخصية.
وتضيف المتحدثة أن عدداً من المعنيين يسعون إلى استكمال مسار دراسي تعطل في فترات سابقة نتيجة ظروف أسرية أو مهنية أو صحية، في حين يرى آخرون في البكالوريا فرصة لإعادة بناء مشاريعهم الشخصية والمهنية وتحقيق طموحات ظلت مؤجلة لسنوات طويلة، معتبرة أن التعلم يظل مساراً مفتوحاً لا تحدّه مرحلة عمرية معينة، بل يعكس رغبة مستمرة في التطور وتحسين جودة الحياة.
ومن الناحية النفسية، تشير الأخصائية إلى أن هذا التوجه يعكس حاجة داخلية لدى الفرد لإغلاق صفحات غير مكتملة في تاريخه الشخصي، واستعادة الشعور بالكفاءة والإنجاز الذي تأثر سابقاً بعوامل خارجية أو اختيارات فرضتها ظروف الحياة.
وتوضح الأخصائية، أن العودة لاجتياز البكالوريا لا ترتبط دائماً بهدف الحصول على شهادة فقط، بل قد تعبّر عن رغبة في التصالح مع الذات، وتعويض إحساس قديم بالحرمان أو الإخفاق، وإثبات أن فرص النجاح يمكن استعادتها مهما طال الزمن، لافتة إلى أن الكثير من المترشحين الأكبر سناً يخوضون هذه التجربة بدافعية وجدانية عميقة تتجاوز البعد الأكاديمي نحو أبعاد نفسية وشخصية أكثر عمقاً.
يحياوي : التعلم لا يرتبط بالعمر ومترشحو البكالوريا يقدمون نموذجًا في المثابرة
ومن جانبها، أكدت يحياوي إيمان، أخصائية نفسانية عيادية، أن ظاهرة إقبال الأشخاص المتقدمين في السن على اجتياز شهادة البكالوريا تُعد من الظواهر الإيجابية التي تحمل دلالات نفسية وتربوية عميقة، موضحة أن الأمر لا يرتبط فقط بالحصول على شهادة، بقدر ما يعكس رغبة قوية في تحقيق حلم ظل مؤجلاً لسنوات بسبب ظروف الحياة المختلفة، إلى جانب تأكيد فكرة أن التعلم والطموح لا يخضعان لعامل السن.
وأضافت المتحدثة أن من أبرز المشاهد المؤثرة خلال هذا الموسم، رؤية الأبناء وهم ينتظرون آباءهم وأمهاتهم أمام مراكز الامتحان من أجل الدعم والمرافقة النفسية، مشيرة إلى أن هذه اللحظات تعكس تبادلًا للأدوار داخل الأسرة، حيث كان الآباء في السابق يرافقون أبناءهم إلى الدراسة ويشجعونهم، ليصبح الأبناء اليوم سندًا لهم في مرحلة اجتياز الامتحان.
كما أبرزت أن هذه الفئة من المترشحين تقدم نموذجًا حيًا في المثابرة وعدم الاستسلام، وتبعث برسائل قوية لأبنائهم مفادها أن الاجتهاد والسعي المستمر كفيلان بتحقيق الأهداف رغم الصعوبات والضغوطات والمسؤوليات، مؤكدة أن هذه القيم تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة تحديات الحياة.
وفي السياق ذاته، اعتبرت يحياوي أن مشهد انتظار الأبناء لآبائهم أمام مراكز الامتحان يجسد صورة راقية للدعم الأسري والتماسك العائلي، ويعكس عمق العلاقات الأسرية القائمة على التقدير والاحترام المتبادل، وهو مؤشر إيجابي على متانة النسيج الاجتماعي.
وختمت بالقول إن أجمل ما تحمله هذه الظاهرة ليس فقط اجتياز الامتحان، بل الرسالة التي توجهها للمجتمع، مفادها أنه لا يوجد عمر للتعلم، ولا وقت متأخر لتحقيق الأحلام، وأن الدعم الأسري الصادق قادر على تحويل التحديات إلى قصص نجاح ملهمة.