36
0
الأسرى المحررون.. بين الوفاء للتضحيات وخيبة الإقصاء


بقلم: سامي إبراهيم فودة
في لحظةٍ سياسية وتنظيمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الذاكرة الوطنية مع ضرورات إعادة البناء الحركي، يعود ملف الأسرى المحررين ليطفو على سطح المشهد الفتحاوي بوصفه أحد أكثر الملفات وجعًا وتعقيدًا، ليس فقط لما يحمله هؤلاء من رمزية نضالية راسخة، بل لأنهم شكّلوا على مدار عقود ضمير الحركة الحي، وعنوانها الأكثر صدقًا في التضحية والانتماء والثبات.
فالأسرى المحررون لم يكونوا يومًا مجرد أرقامٍ في سجلات الاعتقال، ولا أسماءً عبرت زنازين الاحتلال ثم غادرت المشهد، بل كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من معركة الوعي والصمود الوطني. هم الذين دفعوا من أعمارهم وصحتهم وأحلامهم أثمانًا باهظة دفاعًا عن فلسطين وعن حركة فتح، وحملوا القضية فوق أكتافهم في أحلك الظروف، داخل السجون وخارجها، دون أن ينكسروا أو يساوموا.
والأهم من ذلك، أن كثيرًا من هؤلاء الأسرى المحررين لم يغادروا ميدان النضال بعد تحررهم، بل واصلوا الليل بالنهار دفاعًا عن قضية الأسرى الفلسطينيين، عبر الحضور الميداني والاحتكاك المباشر مع أهالي الأسرى، ومتابعة معاناتهم، ونقل صوتهم إلى وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة. كانوا في قلب الحدث، يحملون همّ الأسرى على أكتافهم أربعًا وعشرين ساعة، بينما حصد ثمار تعبهم وجهدهم آخرون ابتعدوا عن الميدان والجماهير، واكتفوا بالمكاتب المكيفة والعناوين البروتوكولية والظهور الموسمي.
وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فمئات من الأسرى المحررين وجدوا أنفسهم خارج معادلة عضوية المؤتمر الحركي الثامن، إمّا بالتهميش أو الإقصاء أو التجاهل، رغم حضورهم النضالي المتواصل، ورغم ما يمثلونه من قيمة أخلاقية وتنظيمية ووطنية داخل الحركة. وهو ما ولّد لدى كثيرين منهم شعورًا عميقًا بالخذلان، لا لأنهم يبحثون عن امتيازٍ أو موقع، بل لأنهم شعروا أن تاريخهم وتضحياتهم لم تجد ما يوازيها من إنصاف داخل البيت التنظيمي الذي أفنوا أعمارهم دفاعًا عنه.
إن القضية هنا لا تتعلق برفض النظام أو معايير الاستحقاق التنظيمي، فالحركات الوطنية لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تُبنى على المجاملة أو الرمزية الفارغة. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب التوازن بين مقتضيات التنظيم وواجب الوفاء للتجربة النضالية. فعندما تتحول العضوية إلى معادلات جامدة تحكمها الاصطفافات والتوازنات والمصالح الضيقة، ويُغيب أصحاب التجربة الحقيقية لصالح الوجاهة أو النفوذ أو الحضور الشكلي، يصبح الخطر قائمًا على العلاقة بين الحركة وذاكرتها الكفاحية.
لقد كانت السجون الفلسطينية، على مدار عقود، واحدةً من أهم المدارس الوطنية والتنظيمية لحركة فتح، ومنها خرج القادة والمناضلون وأصحاب التجارب العميقة. ولذلك فإن التعامل مع الأسرى المحررين بمنطقٍ إداري بحت، أو اختزال حضورهم في التكريم المعنوي والخطابات الاحتفالية، يُفقد الحركة جزءًا أصيلًا من روحها، ويزرع شعورًا مريرًا لدى من كانوا في طليعة المدافعين عنها في أصعب المراحل.
وفي المقابل، فإن الإنصاف الحقيقي لا يعني إلغاء معايير الكفاءة أو تحويل الرمزية إلى بديل عن العمل والتنظيم، بل يقتضي صياغة رؤية عادلة ومتوازنة، تحفظ للأسرى المحررين مكانتهم الطبيعية داخل الأطر الحركية، وتمنحهم ما يستحقونه من حضور وتمثيل، دون الإخلال بمبدأ العدالة التنظيمية أو حق الجميع في التنافس.
إن المؤتمر الحركي الثامن يقف اليوم أمام اختبارٍ أخلاقي وتنظيمي معًا؛ اختبار يتعلق بقدرة الحركة على الوفاء لمناضليها الحقيقيين، دون أن تفقد قدرتها على التجديد والبناء. فالحركة التي صاغت تاريخها في الميدان والسجون مطالبة اليوم بأن تحافظ على هذا الإرث، لا كشعارٍ عاطفي يُرفع في المناسبات، بل كجزءٍ أصيل من هويتها الوطنية والتنظيمية.
فالوفاء للأسرى المحررين لا يكون بالخطب الرنانة ولا بالشعارات الموسمية، بل بالاعتراف العملي بدورهم وتاريخهم، وفتح المجال أمامهم ليبقوا شركاء حقيقيين في صناعة القرار الوطني والتنظيمي، لا مجرد صور تُستدعى عند الحاجة أو أسماء تُذكر في المناسبات.
لأن من حمل القيد دفاعًا عن الحركة والقضية، ومن واجه السجان بصدره العاري، ومن استنزف عمره بين الزنازين والملاحقة والميدان، لا يجوز أن يشعر يومًا أنه أصبح غريبًا داخل بيته التنظيمي.
وبين الوفاء والاستحقاق، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الأسرى المحررين ليسوا عبئًا على الحركة، بل أحد أعمدتها الأخلاقية والنضالية، وأن إنصافهم ليس منّةً من أحد، بل استحقاقٌ وطني وتنظيمي وأخلاقي، وفاءً لتاريخٍ كُتب بالصبر والوجع والتضحيات.

