118

0

الأسرة الجزائرية رهان التماسك الاجتماعي محور يوم دراسي بالعاصمة

نسرين بوزيان

أجمع المشاركون، اليوم بالعاصمة، خلال يوم دراسي خصص لمناقشة واقع الأسرة الجزائرية والتحديات التي تواجهها، على ضرورة تعزيز التماسك الأسري والحفاظ على استقرار المجتمع في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة، باعتبار الأسرة الخلية الأساسية في بناء المجتمع وحماية توازنه القيمي والاجتماعي.

   

 

في كلمة افتتاحية خلال اللقاء المنظم من طرف الجمعية الوطنية للتضامن والتماسك الأسري، بمناسبة إحياء اليوم العالمي للأسرة، أكد المحامي الحقوقي والمنسق لأربع جمعيات تنشط في مجالات الطفولة والشيخوخة والأسرة، وممثل الجمعية الوطنية للتضامن والتماسك الأسري، حوشاتي حسان، أن هذه المناسبة تشكل فرصة لفتح نقاش جاد حول واقع الأسرة الجزائرية في ظل ما يشهده المجتمع من تحولات متسارعة فرضت تحديات جديدة مست مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.


كما أوضح حوشاتي أن تنظيم هذا اللقاء يتزامن مع مرور خمسة وعشرين سنة على إقرار اليوم العالمي للأسرة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1993، باعتباره مناسبة دولية للتأكيد على أهمية الأسرة كمكون محوري في استقرار المجتمعات لاسيما وأن الأسرة الجزائرية تبقى الركيزة الأساسية في بناء مجتمع متماسك ومتوازن، ما يستدعي تكثيف الجهود من أجل مرافقتها وتعزيز دورها التربوي والاجتماعي.

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر كانت من بين الدول التي صادقت على مختلف الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأسرة والطفولة والمرأة،  ما يعكس  التزام الدولة بتعزيز منظومة الحقوق الاجتماعية وترقية آليات الحماية والتكافل الأسري.

وفي سياق حديثه عن تطور الأسرة الجزائرية، أبرز حوشاتي أن هذه الأخيرة مرت عبر ثلاث مراحل تاريخية كبرى تركت بصمتها بشكل مباشر على بنيتها الاجتماعية وعلى مستوى التماسك داخلها، وتمثلت المرحلة الأولى في الحقبة الاستعمارية التي خلفت أوضاعا مأساوية اتسمت بالفقر والمجاعة والتفكك الاجتماعي، مشيرا إلى أن عدد سكان فرنسا خلال تلك الفترة بلغ نحو 20 مليون نسمة، مقابل ما يقارب 3 ملايين جزائري فقط بعد 130 سنة من الاحتلال، في صورة تعكس حجم المعاناة والخسائر البشرية والاجتماعية التي تكبدها الشعب الجزائري.
أما المرحلة الثانية، قد ارتبطت بفترة العشرية السوداء التي وصفها المتحدث بأنها من أصعب الفترات التي عاشتها الجزائر، بالنظر إلى ما خلفته من آثار نفسية واجتماعية لا تزال تنعكس إلى اليوم على استقرار الأسرة الجزائرية.
أما المرحلة الثالثة، قد أرجعها حوشاتي إلى التحولات الاجتماعية الحديثة التي شهدها المجتمع الجزائري خلال السنوات الأخيرة خاصة ما تعلق بتغير أنماط الحياة والعلاقات الأسرية، وتأثير وسائل الاتصال الحديثة والتغيرات الاقتصادية على طبيعة الروابط العائلية، الأمر الذي أدى إلى تراجع بعض مظاهر التضامن والتكافل الأسري التي كانت تميز الأسرة الجزائرية في السابق.
وأكد  حوشاتي في ختام كلمته على ضرورة تكثيف الجهود المشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني من أجل حماية الأسرة الجزائرية وتعزيز تماسكها، باعتبارها الدعامة الأساسية لاستقرار المجتمع والحفاظ على هويته وقيمه.

 

استحداث خلية يقظة اجتماعية

 

 

 

 

 

من جانبه، استعرض الوزير الأسبق ورئيس مؤسسة "صناعة الغد"، مصيطفى بشير، مجموعة من الأرقام والمؤشرات التي وصفها بـ"المقلقة والخطيرة"، معتبرا أنها تستدعي دق ناقوس الخطر بشأن واقع الأسرة الجزائرية وما يواجهه المجتمع من تحديات اجتماعية متزايدة تمسّ تماسكه واستقراره.

وأوضح مصيطفى أن الجزائر تسجل يوميا نحو 270 حالة طلاق، رقم يعكس تنامي هشاشة الروابط الأسرية وتراجع الاستقرار  ، مشيرا إلى الانتشار الواسع لعدد من الظواهر الاجتماعية، من بينها ما قدره بـ3.8 ملايين حالة تعاطي  أو إدمان على المخدرات، و400 ألف حالة توحد، إضافة إلى حوالي 1.2 مليون شخص من ذوي الإعاقة، بالإضافة إلى وجود 45 ألف طفل ضمن فئة الطفولة المسعفة.

وفي السياق ذاته، تطرق المتحدث إلى مؤشرات ديموغرافية واجتماعية أخرى من بينها تراجع وتيرة الزواج وتقلص عدد الأسر إلى نحو 5.9 ملايين أسرة، مقابل تسجيل قرابة مليون ولادة سنويا ، كما لفت إلى وجود حوالي 11 مليون امرأة غير متزوجة فوق سن 25 سنة، و3.6 ملايين امرأة فوق سن 30 سنة، إلى جانب ما يقارب 10 آلاف أم عازبة، محذرا من تنامي ظاهرة الشيخوخة التي اعتبر أنها بدأت تتوسع تدريجيا داخل المجتمع الجزائري.

وربط مصيطفى هذه الظواهر بمسألة الاستقرار الأسري، مؤكدا أن ضعف الدخل وتفاقم الفقر يعدان من أبرز العوامل المؤدية إلى الانحراف الاجتماعي وارتفاع نسب الطلاق وانتشار الإدمان والمشاكل الأسرية، داعيا إلى اعتماد مقاربة شاملة واستباقية لمعالجة هذه التحديات من خلال إنشاء خلية يقظة اجتماعية على مستوى وزارة التضامن الوطني و الأسرة و القضايا المرأة أو الوزارة الأولى ،تتولى متابعة قضايا الأسرة بشكل مستمر .

كما اقترح تعزيز العدالة الاجتماعية وتكريس البعد الروحي والديني، إلى جانب دعم البنية التحتية الثقافية عبر إنشاء مسارح ودور سينما ومراكز لعلاج الإدمان، بالإضافة إلى تكثيف الجهود للحد من ظاهرة التسرب المدرسي باعتبار أن حماية الأسرة تمثل الأساس المتين لحماية المجتمع ككل.

 

الأسرة الحصن الأساسي للمجتمع

   

 

 

 

من جهته، أكد الإمام بوكرة مسعود، أن الأسرة تمثل اللبنة الأساسية في بناء المجتمع باعتبارها الفضاء الأول للتربية والتنشئة وغرس القيم، مشددا على أن أي خلل يصيبها ينعكس بشكل مباشر على توازن المجتمع واستقراره لاسيما في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة التي أصبحت تفرض تحديات جديدة على العلاقات الأسرية.

وأوضح المتحدث أن الدين الإسلامي أولى عناية كبيرة بمكانة الأسرة من خلال الدعوة إلى بناء أسرة قائمة على السكينة والمودة والرحمة، باعتبارها الحصن الأساسي في مواجهة مختلف الظواهر والانحرافات الاجتماعية، مبرزا أن الحفاظ على تماسك الأسرة يعد من أهم عوامل حماية المجتمع وتعزيز استقراره.

 وأشار الإمام إلى أن من أبرز أسباب التفكك الأسري اليوم تفشي ظاهرتي الطلاق والخلع التعسفي وما ينجر عنهما من آثار نفسية واجتماعية تمس مختلف أفراد الأسرة، خاصة الأطفال، داعيا في هذا السياق إلى إعادة النظر في القضايا المتعلقة بالخلع والطلاق وآليات معالجتها داخل المحاكم، بما يضمن الحفاظ على استقرار الأسرة والحد من تفككها.

كما شدد المتحدث على ضرورة تكثيف الجهود لمكافحة آفة المخدرات التي اعتبرها من أخطر التحديات التي تهدد الأسرة والمجتمع وذلك من خلال تعزيز الوعي الديني والتربوي والاجتماعي، والعمل على ترسيخ ثقافة الحوار والتفاهم داخل الأسرة، بما يساهم في حماية النسيج الاجتماعي والحفاظ على تماسكه.

 

 

   

 

 

دعوات لتفعيل آليات التكفل بالمسنين وتعزيز المرافقة والرعاية المنزلية

بدوره، أبرز رئيس مصلحة الطب الداخلي بالمؤسسة العمومية الاستشفائية بالرويبة، بن عامر مصطفى ، أن النمط العائلي للأسرة الجزائرية عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة حيث كانت هذه الأخيرة في السابق تعتمد على الامتداد الأسري والتكافل بين أفراد العائلة الواحدة، قبل أن تتحول تدريجيا إلى النموذج النووي بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية وتغير نمط الحياة.

وأوضح المتحدث أن هذه التحولات أثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقات الأسرية وآليات التكفل بكبار السن لاسيما في ظل هجرة الأبناء نحو الخارج، ما أدى  إلى تراجع المرافقة اليومية للمسن داخل الأسرة.

وأشار الدكتور بن عامر إلى أنه خلال القيام بدراسات ميدانية بعدد من ولايات الوطن تم تسجيل وجود عدد من المسنين الذين يعيشون بمفردهم، وهو ما يطرح تحديات متزايدة تتعلق بالرعاية الصحية والاجتماعية لهذه الفئة خاصة بالنسبة للمصابين بالأمراض المزمنة، على غرار السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب، مؤكدا أن هذه الأمراض لا تعالج نهائيا من الناحية الطبية، وإنما تتطلب متابعة مستمرة ومرافقة صحية دائمة للحد من المضاعفات وتحسين نوعية الحياة.

ولفت المتحدث إلى ضرورة تعزيز ثقافة مرافقة المسن داخل المجتمع من خلال تكوين وتأهيل مرافقين مختصين في هذا المجال، بما يسمح بضمان التكفل الأمثل بكبار السن ومتابعتهم بشكل يومي خاصة بالنسبة للحالات التي تحتاج إلى مراقبة صحية مستمرة.

كما شدد الدكتور بن عامر على أهمية وضع آليات فعالة للتكفل بالمسنين داخل مختلف القطاعات، وتعزيز خدمات المرافقة والرعاية المنزلية، بالإضافة إلى تحديد إطار قانوني واضح لمرافق المسن من خلال تنظيم هذه المهنة وتأطيرها قانونيا، بما يضمن حماية حقوق المسن وتحسين جودة التكفل بهذه الفئة داخل المجتمع.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services