90

0

"الاحتراق الوظيفي"..بين معاناة العاملين وتشخيص المختصين

 

مريم بعيش 
في زمن تتسارع فيه وتيرة العمل وتتعاظم الضغوط المهنية، بات الاحتراق الوظيفي أو المهني من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في مختلف القطاعات، خاصة تلك التي تتطلب احتكاكا يوميا بالناس أو تحملا لمسؤوليات كبيرة. 


فبين ضغوط الأداء، وساعات العمل الطويلة، وقلة فترات الراحة، يجد الكثير من الموظفين أنفسهم أمام حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي والعاطفي قد تؤثر على مردودهم المهني وحياتهم الشخصية على حد سواء.

ولم يعد الاحتراق المهني مجرد شعور عابر بالتعب أو الإجهاد، بل أصبح ظاهرة تستدعي التوقف عندها ودراستها من مختلف الجوانب، لما لها من انعكاسات على صحة العاملين وجودة الخدمات المقدمة للمجتمع. 
وفي هذا التقرير نسلط الضوء على هذه الظاهرة من خلال آراء مختصين وشهادات ميدانية تكشف حجم المعاناة التي يعيشها بعض المهنيين وسبل الوقاية منها.



"يؤدون واجبهم كل يوم.. لكن من يداوي احتراقهم المهني؟"

حالات للاحتراق المهني تصرح لبركة نيوز:

   

 

زهيرة، 34 سنة – إطار شبه طبي بمؤسسة استشفائية:
"في بداية مساري المهني كنت أؤدي عملي بحماس كبير، لكن مع مرور السنوات وكثرة المناوبات الليلية ونقص فترات الراحة أصبحت أشعر بإرهاق دائم وفقدان الرغبة في العمل، أعود إلى المنزل منهكة جسديا ونفسيا، وأحيانا أشعر أنني عاجزة عن تقديم نفس المستوى من العطاء الذي كنت أقدمه سابقا."

محمد، 41 سنة – أستاذ تعليم متوسط:
"الضغوط اليومية داخل القسم، وكثرة المسؤوليات الإدارية، جعلتني أشعر بتوتر مستمر، في بعض الفترات فقدت الدافع للتدريس رغم حبي للمهنة، وأصبحت أعاني من صعوبة في التركيز واضطرابات في النوم."

ليلى ، 29 سنة – موظفة استقبال بإحدى المؤسسات الخاصة:
"التعامل اليومي مع عدد كبير من الزبائن ومتطلباتهم المختلفة يسبب ضغطا كبيرا. كنت أعتقد أن الأمر مجرد تعب مؤقت، لكنني لاحظت مع الوقت أنني أصبحت أكثر عصبية وأقل قدرة على تحمل ضغوط العمل."
وبين هذه الشهادات التي تعكس جانبا من الواقع المهني اليومي، يؤكد المختصون أن الاحتراق الوظيفي ليس قدرا محتوما، بل حالة يمكن الوقاية منها والتقليل من آثارها عبر تحسين ظروف العمل وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي داخل المؤسسات."

 

رئيسة مركز دار سيناء للعلوم والثقافة: "الاحتراق المهني خطر صامت يهدد العاملين في مختلف القطاعات"

 

 

 

في هذا السياق، أكدت  بديار سامية، مختصة بيولوجية ورئيسة مركز دار سينا للعلوم والثقافة أن ظاهرة الاحتراق المهني أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في مختلف المهن، خاصة في القطاعات التي تتطلب مجهودا ذهنيا ونفسيا متواصلا، على غرار قطاع الصحة.

وأوضحت المتحدثة أن الاحتراق المهني يعرف بأنه حالة من الإرهاق الجسدي والنفسي والعاطفي تنتج عن التعرض المستمر للضغوط المهنية، مشيرة إلى أن الأمر لا يتعلق بتعب عادي أو مؤقت يمكن تجاوزه ببعض الراحة، وإنما بحالة قد تتفاقم تدريجيا لتصبح مزمنة وتؤثر بشكل مباشر على حياة الفرد المهنية والشخصية والصحية.

وأضافت أن الموظف أو العامل الذي يعاني من الاحتراق المهني تظهر عليه مجموعة من المؤشرات والأعراض الواضحة، من بينها الشعور الدائم بالتعب والإرهاق حتى بعد فترات الراحة والعطل، وفقدان الحماس والرغبة في العمل، إضافة إلى الإحساس بالعجز عن تقديم المجهود المعتاد أو تحقيق نفس مستوى الأداء الذي كان يقدمه سابقا. كما قد يرافق ذلك توتر نفسي مستمر، واضطرابات في التركيز والانتباه، وانخفاض في الدافعية المهنية.

وأشارت إلى أن استمرار هذه الحالة دون تكفل أو مرافقة قد يؤدي إلى انعكاسات صحية خطيرة، مؤكدة أن بعض الدراسات العلمية تناولت التأثيرات المحتملة للاحتراق المهني على الدماغ والصحة النفسية للإنسان، ما يبرز خطورة هذه الظاهرة وضرورة التعامل معها بجدية وعدم الاستهانة بأعراضها.

وفي حديثها عن سبل الوقاية والعلاج، شددت المتحدثة على أهمية التدخل المبكر ومرافقة العاملين الذين تظهر عليهم علامات الاحتراق المهني، من خلال الاستعانة بالأخصائيين النفسانيين وتوفير فضاءات للاستماع والدعم النفسي، فضلا عن اعتماد أساليب حياة صحية ومتوازنة تشمل الراحة الكافية والنشاط البدني وإدارة الضغوط اليومية بطريقة سليمة.

وفي سياق الجهود الرامية إلى نشر الوعي حول هذا الموضوع، تعتزم دار سيناء للعلوم والثقافة تنظيم يوم تحسيسي وتكويني لفائدة عمال قطاع الصحة، بمشاركة عدد من إطارات الصحة العمومية وأخصائيين نفسانيين ومدربين في مجالات التطوير الشخصي واللياقة البدنية، سيتم خلاله التطرق إلى أسباب الاحتراق المهني ومظاهره وطرق الوقاية منه، إضافة إلى تقديم مجموعة من الإرشادات العملية والورشات التي تساعد العاملين على الحفاظ على توازنهم النفسي والمهني.

وأكدت رئيسة المركز أن تنظيم مثل هذه المبادرات يندرج ضمن الدور التوعوي والتكويني الذي تضطلع به دار سيناء للعلوم والثقافة، خاصة في ظل تزايد الضغوط المهنية التي يواجهها العاملون في مختلف القطاعات، داعية إلى تكثيف الأنشطة العلمية والتحسيسية التي تساهم في تعزيز الصحة النفسية وتحسين جودة الحياة المهنية.

كما وجهت دعوة إلى جميع عمال الصحة للاستفادة من مثل هذه البرامج التكوينية، لما لها من أهمية في رفع مستوى الوعي بمخاطر الاحتراق المهني وتمكين العاملين من الأدوات والمهارات اللازمة للتعامل مع الضغوط المهنية والحفاظ على مردودهم وصحتهم النفسية والجسدية.

 

الماستر كوتش نايت :" الاحتراق الوظيفي  قاتل صامت يستنزف الموظفين دون أن يشعروا "

 

 من جانبها ، أكدت الماستر كوتش فاطمة نايت مسعود ، المختصة في المرافقة النفسية والأسرية وإدارة التوتر، أن الاحتراق الوظيفي أو المهني أصبح من المشكلات النفسية والاجتماعية التي تتفاقم بصمت داخل مختلف بيئات العمل، مشيرة إلى أن العديد من الموظفين والعاملين يعيشون أعراض هذه المتلازمة دون إدراك حقيقتها أو خطورة تأثيرها على صحتهم الجسدية والنفسية وعلاقاتهم الاجتماعية والأسرية.

وأوضحت المتحدثة أن الاحتراق الوظيفي لا يقتصر على الشعور العابر بالتعب أو الإرهاق الناتج عن ضغط العمل، بل يمثل حالة مستمرة من الاستنزاف النفسي والعاطفي والجسدي. وأبرزت أن الفرق بين التعب العادي والاحتراق الوظيفي يكمن في أن الشخص المتعب يستعيد نشاطه بعد الحصول على قسط من الراحة أو النوم، بينما يظل المصاب بالاحتراق المهني يشعر بالإرهاق حتى بعد النوم لساعات طويلة، ويفتقد الرغبة في أداء واجباته المهنية أو الشخصية.

وأضافت أن هذه المتلازمة تتميز بالاستمرارية والشدة، حيث تترافق مع مجموعة من الأعراض والمؤشرات التي لا ينبغي تجاهلها، على غرار الصداع المتكرر، واضطرابات المعدة والجهاز الهضمي، والإجهاد المزمن، وتراجع الحافز للعمل، وصعوبة أداء المهام اليومية، فضلا عن التوتر المستمر وسرعة الانفعال والحساسية المفرطة تجاه المواقف البسيطة.

وأشارت المختصة إلى أن الاحتراق الوظيفي ينعكس بشكل مباشر على سلوك الفرد وعلاقاته الاجتماعية، إذ يصبح أكثر ميلا إلى العزلة والانطواء، وأقل قدرة على التحكم في انفعالاته، كما يشعر غالبا بعدم التقدير رغم حجم الجهود التي يبذلها. وقد يتطور الأمر إلى نشوء خلافات متكررة مع الزملاء أو المسؤولين في العمل، وحتى مع أفراد الأسرة، نتيجة حالة التوتر والضغط النفسي التي يعيشها.

وأكدت الماستر كوتش نايت أن الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالاحتراق الوظيفي هم أولئك الذين يتميزون بروح العطاء وتحمل المسؤولية، خاصة العاملين في قطاع الصحة والتربية والخدمات الاجتماعية، وكل من تفرض عليهم طبيعة عملهم رعاية الآخرين أو تقديم الدعم المستمر لهم. كما لفتت إلى أن الأمهات وربات البيوت قد يكن أيضا عرضة لهذه الحالة عندما يتحملن مسؤوليات متراكمة داخل الأسرة دون منح أنفسهن الوقت الكافي للراحة واستعادة التوازن.

وأوضحت أن الجسم يبعث إشارات تحذيرية متكررة قبل الوصول إلى مرحلة الاحتراق، غير أن الكثير من الأشخاص يتجاهلونها بسبب انشغالهم الدائم بالواجبات والمسؤوليات. وأضافت أن ثقافة العطاء المستمر دون توقف أو اهتمام بالحاجات النفسية والجسدية تدفع الفرد تدريجيا إلى مرحلة الإنهاك، حيث يصبح غير قادر على مواصلة الأداء بنفس الكفاءة التي اعتاد عليها.

وفي حديثها عن الحالات التي تستقبلها في مجال المرافقة النفسية، ذكرت أن العديد من السيدات يشتكين من فقدان الرغبة في النهوض صباحا والشعور بالتعب بمجرد الاستيقاظ، إضافة إلى فقدان الشغف بالعمل الذي كن يستمتعن به سابقا، وصعوبة أداء الواجبات المنزلية أو المهنية. كما تسجل بعض الحالات اضطرابات في الشهية، حيث تتجه فئة إلى الإفراط في الأكل، بينما تفقد فئة أخرى الرغبة فيه تماما، فضلا عن الرغبة المستمرة في النوم والانسحاب من مختلف الأنشطة اليومية.

وأضافت أن العديد من المصابين لا يدركون أنهم يعانون من الاحتراق الوظيفي إلا بعد تفاقم الأعراض وتأثيرها على حياتهم اليومية، وهو ما يستدعي نشر الوعي حول هذه الظاهرة والتعريف بمؤشراتها المبكرة قبل تحولها إلى مشكلات أكثر تعقيدا قد تصل إلى اضطرابات القلق والاكتئاب.

وحذرت المتحدثة من أن الاحتراق الوظيفي قد يكون وراء العديد من المشكلات الصحية والنفسية التي يعاني منها الأفراد اليوم، معتبرة إياه "قاتلا صامتا" يستهلك طاقة الإنسان تدريجيا. كما أشارت إلى أن غياب التقدير المعنوي والاعتراف بالجهود المبذولة داخل الأسرة أو بيئة العمل قد يفاقم الشعور بالاستنزاف والإحباط، خاصة لدى الأشخاص ذوي الحساسية العالية وروح العطاء.

وفيما يخص سبل الوقاية، شددت الماستر كوتش نايت على أهمية تعلم وضع الحدود الشخصية وعدم تحميل النفس ما يفوق طاقتها، مؤكدة أن التوقف للراحة عند الشعور بالإرهاق ليس تقصيرا بل ضرورة صحية. كما دعت إلى حسن تنظيم الوقت وترتيب الأولويات والتركيز على المهام الأساسية بدلا من السعي إلى إنجاز كل شيء دفعة واحدة.

كما أكدت على ضرورة الفصل بين ضغوط العمل والحياة الأسرية من خلال تخصيص فترة انتقالية للراحة واستعادة التوازن النفسي بعد العودة إلى المنزل، ولو لبضع دقائق يوميا، معتبرة أن هذه العادة البسيطة تساعد بشكل كبير على تخفيف التوتر واسترجاع الطاقة.

وختمت المختصة حديثها بالتأكيد على أهمية توزيع المسؤوليات داخل الأسرة وعدم تحميل شخص واحد جميع الأعباء، داعية إلى تعزيز ثقافة التعاون وتقاسم الأدوار بين أفراد الأسرة، بما يساهم في حماية الصحة النفسية والحد من مخاطر الاحتراق الوظيفي، وضمان حياة أكثر توازنا واستقرارا.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services