149
0
العائدون من الجحيم رسائل الأسرى الفلسطينيين

بقلم: أسامة سلامة – مصر – روز اليوسف
فى عام 1965 اعتقلت (إسرائيل) محمود بكر حجازى ليكون أول أسير فلسطينى فى سياق الصراع الحديث، وبعد عامين وعقب هزيمة 1967 اعتقلت فاطمة برناوى لتكون أول أسيرة فلسطينية فى السجون الإسرائيلية ومنذ هذين التاريخين أصبح الاعتقال سياسة ثابتة ومنهجية لإسرائيل حتى وصل اليوم نحو مليون حالة اعتقال على مدى 60 عاما شملت اعتقالات قصيرة تمتد لأيام أو أسابيع، واعتقالات طويلة الأمد لسنوات، واعتقالات إدارية دون تهمة أو محاكمة، وأحكام بالمؤبد، وذلك وفقا لإحصاءات نادى الأسير الفلسطيني وهيئة شئون الأسرى والمحررين».

هذا الرقم جاء فى كتاب «العائدون من الجحيم .. شهادات الأسرى العائدين من السجون الإسرائيلية» للكاتب الصحفى حسام السويفى والصادر عن دار «كنوز» منذ أيام . الكتاب كما يقول مؤلفه «وثيقة إدانة تكشف الوجه الحقيقى للاحتلال الاسرائيلى وأفعاله غير الإنسانية التى ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وفقًا لاتفاقية جنيف». خاض حسام هذا الملف المهم أملا منه فى توثيق البطولات الفلسطينية والجرائم الإسرائيلية لتكون أمامنا وأمام الأجيال القادمة، وعلى مدى شهور طارد المعلومات من خلال لقائه وحواراته مع عدد كبير من الأسرى المحررين، ومستعينا بمعلومات المؤسسات الفلسطينية المعنية بملف الأسرى مثل هيئة شئون الأسرى المحررين ونادى الأسير الفلسطيني ومؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان ومركز المعلومات الوطني الفلسطيني، وأيضًا بتقارير عدد من المنظمات الدولية التى تابعت هذا الملف.
ومن خلال هذه التقارير تم توثيق الجرائم المرتكبة بحق الأسرى بداية من التعذيب الممنهج والإهمال الطبى والعزل الانفرادى والاكتظاظ فى زنازين بلا تهوية، والنور الذى لا ينطفئ بها لأيام، والظلام الدائم فى أيام أخرى، وترك الأمراض المزمنة بلا علاج، وإهمال الإصابات عمدًا، وترك المعتقلين فريسة للألم حتى الموت، حتى أن كثيرًا من الأسرى وصفوا هذه السجون بأنها «مقابر للأحياء وأنها أبشع من سجون جوانتانامو أبو غريب « .يكشف الكتاب أن حركة الأسرى مرت بخمسة منعطفات، الأول من 1965 إلى 1975 وفيها كان الاعتقال فرديا وخلاله واجه الأسرى سياسات قمعية قاسية شملت التعذيب والعزل وعدم الاعتراف بهم كأسرى سياسيين، وفى هذه المرحلة كان الأسير يترك لمصيره دون أدوت جماعية للمقاومة أو الحد الأدنى للدفاع عنه، المنعطف الثانى من 1975 إلى 1991 وخلاله ظهرت الحركة الأسيرة المنظمة وبدأ تشكيل الأطر التنظيمية واللجان القيادية داخل السجون وتحولت الزنازين إلى ساحات نضال جماعى لانتزاع الحقوق، وخاض المعتقلون معارك مستخدمين عدة أسلحة أهمها الإضرابات المفتوحة عن الطعام والتى أسست وعيا ورسخت مفهوم الأسير المناضل، المنعطف الثالث من 1991 إلى 2000 وكانت مرحلة ازدهار فى تاريخ الحركة الأسيرة حيث بلغت التنظيمات داخل السجون ذروة قوتها وانضباطها وتوسعت المكتسبات المعيشية والثقافية والتعليمية ونجح الأسرى فى فرض توازن نسبى مع إدارة السجون واستطاعوا تحويل المعتقل إلى فضاء مقاومة منظم لا مجرد مكان للاحتجاز، المنعطف الرابع من 2000 إلى 2023 وجاء فى سياق الانتفاضة الثانية وما تلاها لتشهد السجون تراجعا قسريا فى المكتسبات وانتهج الاحتلال سياسات انتقامية ممنهجة بغرض تفكيك البُنى التنظيمية ما أعاد الحركة إلى مربع المواجهة المفتوحة دفاعا عن الحقوق الأساسية، المنعطف الخامس منذ 2023 وحتى الآن وهو الأخطر ويمكن وصفه بطوفان السجون حيث شن الاحتلال هجوما واسعا على الأسرى مستهدفا وجودهم الإنسانى والتنظيمى معا عبر سياسات الإذلال والتجويع والعزل، غير أن هذه الجرائم أعادت التأكيد على أن السجون أحد أكثر ميادين المقاومة اشتعالا».
ويكشف حسام من خلال شهادات الأسرى وتقارير الهيئات المعنية بالملف أن السجون الإسرائيلية منظومة متكاملة لنزع الإنسانية حيث يبدأ التعامل مع الأسير منذ اللحظة الأولى لاعتقاله بوصفه خطرًا يجب تحطيمه ومحو هويته، ولكن رغم القسوة المفرطة فإن الاحتلال فشل فى كسر روح المقاومة، ويظهر ذلك من خلال كلمات الأسرى المحررين وحواراتهم وبعضهم قضوا ما لا يقل عن 23 عاما فى الحد الأدنى و40 عاما فى الحد الأقصى داخل سجون الاحتلال، ومع ذلك خرجوا أكثر صلابة ووعيا وإيمانا بالحرية وبوطنهم، لذا جاءت كلماتهم بمثابة رسائل للعالم «لن نتخلى عن وطننا مهما كان الثمن» .وتشير الإحصاءات الواردة بالكتاب أن الأطفال والنساء من أكثر الفئات تضررا من سياسة الاعتقال فقد تم اعتقال 60 ألف طفل فلسطينى و20 ألف فلسطينية منذ عام 1965 وحتى 2025، ووثقت المؤسسات الحقوقية حالات اعتقال لأطفال دون سن 12 عاما واعتقال نساء حوامل وولادات داخل السجون دون إشراف طبى».
ويكشف حسام أن أحداث 7 أكتوبر 2023 شكلت نقطة تحول حادة فى سياسة الاعتقال حيث تم تسجيل وجود 19 ألف أسير بينهم 53 أسيرة و450 طفلا و3600 معتقل إدارى، ومع الهدنة وصفقات التبادل انخفض العدد تدريجيا إلى 9300 أسير، ولكن خلف هذه الأرقام تختبئ مأساة إنسانية إذ حصد مرض الجرب أرواح 75 فلسطينيا كما أصيب700 أسير بأورام خطيرة ويعانى 200 أسير من أمراض مزمنة.
الأرقام تكشف عن وحشية الاحتلال وأن لديه منظومة لإذلال المحبوسين تتضمن 13 آلية للتعذيب مثل وضع كيس أسود على الوجه لأيام والإجبار على الوقوف أو الجلوس فى أوضاع لا تحتمل لساعات طويلة وتكبيل اليدين إلى الخلف والإجبار على الجلوس على كرسى صغير للغاية وارتفاعه لا يسمح بالاستقرار مع عدم إمكانية تغيير الوضعية ما يجعل الجسد يتحول إلى كتلة من الألم ويدمر المفاصل ويكسر العمود الفقرى ويترك آثارا ترافق الأسير لسنوات طويلة حتى بعد تحرره، بجانب الحرمان من النوم لأيام متواصلة بهدف وضع الأسير على حافة الانهيار، بالإضافة إلى الضرب والصفع والركل والخنق والحرق بأعقاب السجائر والصدمات الكهربائية والاغتصاب وتحويل الزنزانات إلى ما يشبه القبور. الكتاب ملئ بالمعلومات المهمة وتعجز المساحة عن الإلمام بها كلها، خاصة أنه يضم حوارات مهمة وكاشفة لما حدث لعدد كبير من الأسرى المحررين، كما أن به جهد توثيقى كبير، من المؤكد أننا سنحتاجه يوما ما عندما نحاكم إسرائيل على جرائمها التى لا تسقط بالتقادم.

