391434
1
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 179

بقلم إسماعين تماووست
كان قدر الموت يُطارد بعض العائلات الجزائرية خلال سنوات الحرب والدمار، فيحصد أرواح أفرادها واحدًا تلو الآخر، وأحيانًا يُفني عائلةً بأكملها في رمشة عين، دون رحمة أو شفقة. إذ كان مصير البعض أن يُعاقبوا بالموت عقابًا جماعيًا، فتُصبح الزوجة بين ليلةٍ وضحاها أرملةً تتجرع مرارة الوحدة والفقد، ويُصبح أطفالها أيتامًا في عمر الزهور، تستقبلهم حياة قاسية بوجهها المتجهم، فتُلقي بهم في غياهب المجهول.
حياةٌ كل يوم فيها أصعب من الذي قبله، حتى لم يعد فيها متسعٌ لأملٍ أو بصيص ضوء، وصار من المستحيل أن يحيا الإنسان بكرامته وسط عالم تحكمه شريعة الغاب، وقانون البقاء للأقوى.
لقد كانت هذه الكوارث واحدة من نتائج حرب دامية، أشعل شرارتها قادة متمردون، باعوا ضمائرهم، وسفكوا دماء الأبرياء بأبشع الطرق، في فعلٍ لا يدل إلا على الجهل والانحطاط. كانت الجزائر حينها ما تزال تحمل في ذاكرتها الجماعية صورًا مرعبةً ومشاهد مروعة تركها الاستعمار الفرنسي. وكأن الزمان لم يطوِ صفحتها بعد، فظلت حاضرةً في الأذهان، كأنها حدثت بالأمس.
تلك المشاهد التي شهدها الجزائريون كانت أشبه بالكابوس. جثث مشوهة، رؤوس مفصولة عن الأجساد، أعناق مذبوحة بالسكاكين، جثامين أُحرقت بالنار، بعضها أُلقي به في البحر بلا شفقة، وأخرى وُضعت في أقفاص حديدية، حيث افترستها وحوش ضارية جائعة لا تعرف الرحمة. وكم من جزائري طُرد من أرضه، أو عُلّق من قدميه، أو شُوي جسده بالنار. وكانت الساحات تشهد عمليات شنق جماعية، والأنهار تستقبل أجساد الشهداء الذين سقطوا برصاص الغدر والخيانة.
بل إن بعض الجزائريين في فرنسا نفسها، لم ينجوا من بطش الاستعمار، فقد ألقي بهم في نهر السين بباريس ذات ليلة دامية من عام 1961، ودماؤهم الطاهرة ما تزال شاهدةً على تلك المجازر.
كان الإرهاب الذي عرفته الجزائر لاحقًا مجرد امتداد لذلك الإجرام، بنفس البشاعة والدموية. فالقتل ظل هو القتل، والظلم هو الظلم، مهما تبدلت الأسماء وتغيرت الوجوه. وكان لزامًا على الجزائر أن تحارب هذا الوباء في كل مكان، وألا تسمح له بالتغلغل في جسد الأمة. إذ لا يمكن للأوطان أن تعرف طعم الأمان ما دام بين ظهرانيها إرهابيون يزرعون الخوف والدمار.
وما من عدل يتحقق، ما لم يُجتثّ هؤلاء المجرمون من جذورهم، ويُحاسب كل قاتل، وكل خائن، على جرائمه البشعة، فالخيانة في الجزائر ليست ظاهرة حديثة، بل عرفها التاريخ الوطني منذ زمن بعيد. فالحركى الخونة، باعوا وطنهم للمستعمر، وساعدوا العدو على تعذيب وقتل أبناء شعبهم، وهم لا يختلفون في شيء عن من حملوا السلاح لاحقًا ضد الدولة والشعب، تحت مسميات دينية أو شعارات كاذبة.
ومن أبشع النماذج التي عرفت بالخيانة والتمرد، كانت عائلة تلك العائلة الغجرية الأصل، سكنت في حي قصديري يُعرف بـ"غورياس الحراش" بالجزائر العاصمة، سنة 1983. حينها، قررت السلطات الجزائرية آنذاك إزالة ذلك الحيّ العشوائي لِما يشكله من خطر اجتماعي وأمني. فاستجابت أغلب العائلات للقرار، وعادت إلى أماكنها الأصلية، لا سيما دوار عمرة التابع لبلدية عين الحجل بولاية المسيلة.
غير أن عائلة " م" — التي كانت تتكوّن من أربعة إخوة، معروفين بتمرّدهم وسلوكهم الإجرامي — رفضت الخضوع للأوامر، وتحدّت القانون. وعوض العودة إلى منطقتهم، ظلّوا يتنقلون في ضواحي العاصمة والبليدة، حتى التحقوا تدريجيًا بصفوف المجموعات الإرهابية المسلحة، تحت قيادة مجرم واد الرومان، الذي كان عدوًا صريحًا للوطن والدين.
هؤلاء الإخوة الأربعة، عُرفوا بدمويتهم، وعدم ترددهم في تنفيذ عمليات غادرة ضد المدنيين ورجال الأمن. وكانوا من أخطر العناصر التي أرهبت الناس، وساهموا في نشر الفوضى. ضاربين عرض الحائط بكل القوانين والأعراف، متجاوزين كل الخطوط الحمراء، حتى أصبحوا من رموز التمرد والإجرام، إلى أن قُضي عليهم.
ذلك كان مشهدًا من مشاهد سنوات الجمر، حيث تداخلت الخيانة بالإرهاب، والموت بالغدر، ولم تعد الحياة تعني شيئًا. فالجزائر دفعت ثمنًا باهظًا لتسترجع سيادتها، وتحمي أرضها وأبناءها من أعداء الداخل والخارج على حد سواء.
كنتُ دائمًا أعتقد أن الأشرار لا يولدون صدفة، بل تصنعهم البيئة العفنة التي ينشأون فيها. وقد أكدت لي الأحداث، من خلال تتبعي الدقيق لمسارات بعض العصابات الإجرامية، أن العفن حين يتراكم في مكانٍ واحد، يُفرز قيحًا لا علاج له إلا بالاجتثاث.
تلك العائلة الغجرية التي أرّقت الأجهزة الأمنية، لم تعرف يومًا معنى الشرف ولا ذاقت طعم الطهارة. كنتُ قد علمت من خلال تقارير موثوقة وشهادات متقاطعة، أن أحدهم، المدعو عبد العزيز ، كان قد اشترى قطعة أرض واسعة في دوّار العَبّازيز التابع لبلدية بوقارة بولاية البليدة. هناك شيّد مسكنًا فسيحًا على طراز فوضوي، كأنما كان يستعد منذ البداية لتحصين نفسه وأهله من مساءلات الدولة.
لم يلبث أخوه الثاني "م"، أن سار على نفس الخطى، فاقتنى قطعة أرضٍ أخرى بمكانٍ جبلي يُدعى شرايفية، تابع لبلدية الصومعة، في ذات الولاية. شيد فوقها كوخًا بائسًا بسقف من القرميد الأحمر، وكأنهم جميعًا كانوا يتخذون من المرتفعات أوكارًا آمنة لتفادي القبضة الأمنية.
أما الثالث، ويدعى "ر"، فقد آثر الاختباء بين جدران العاصمة، فحصل على شقة سكنية داخل حي 2004 مسكن بـبراقي. وقد ظل يتنقل بهدوء وحذر بين العاصمة وضواحيها، متفاديًا كل ما من شأنه أن يجذب انتباهنا إليه.
أما أصغرهم وأحقرهم، قد اختار أن يظل لصيقًا بأخيه الأكبر بدوّار العبازيز. كان الاثنان يشكلان معًا نواة شبكة مظلمة، لا تعرف الرحمة ولا تحترم قانونًا.
من خلال تحرياتي ومتابعتي الحثيثة، علمتُ أن هذه العائلة لم تكن تؤمن بشيء سوى الفوضى، وأن أفرادها مارسوا طيلة حياتهم كل صنوف الرذيلة. لقد عاشوا حياة العربدة والفجور، وتفشّت بينهم عادة زنا المحارم دون رادعٍ من دينٍ أو ضمير.
ولم يكن لعب القمار وتعاطي الخمور حكرًا عليهم في الخفاء، بل كانوا يجاهرون بها حتى في ليالي شهر رمضان، وكأنهم يتحدّون بذلك الخالق والخلق على حد سواء. كانت ولائم الشراب والقمار تُقام يوميًا، وتتحول مع كل مساء إلى جلسات عربدة صاخبة تنتهي غالبًا بعراك دموي.
سكان الأحياء المجاورة كانوا يتجنّبونهم، فهم معروفون بشراستهم وتقلب مزاجهم الممزوج دائمًا بإفراطهم في احتساء الكحول. والمفارقة أن هذا السلوك لم يكن حديث عهد بهم، فقد لازموه منذ أيامهم البائسة في الحي القصديري غورياس الحراش بالعاصمة، حيث كان الشجار ديدنهم اليومي. لم يكن يمضي يوم دون أن تُرفع بينهم العصي والسكاكين، وغالبًا ما ينتهي النزاع بنقل أحدهم إلى المستشفى مخضبًا بالدماء.
وتؤكد الوثائق الأمنية المحفوظة في أرشيف مديرية الأمن الولائي، أن تلك العائلة ظلت لعقودٍ بؤرةً للفتن، وأصلًا لكل مصيبة تقع في محيطها. كانوا يتشاجرون مع الجيران، مع بعضهم البعض، ومع الغرباء، لا يفرقون بين قريب وبعيد، وكانت أغلب المعارك تُشعلها حالة سُكر طافح، أو تصفية حسابات بسبب أموال قمار لم تُسدّد.
أما الأدهى، فهو التحاقهم، واحدًا تلو الآخر، بتنظيم العصابات المسلحة بقيادة المجرم القادم من واد الرومان، ومن بين الأربعة، برز" م"، الذي نُصّب نائبًا لهذا السفّاح، وصار سائقًا شخصيًا له، ويده اليمنى في تنفيذ المجازر.
كان أشبه بمريض نفسي متعطش للدماء، يخوض معارك الإعدام الجماعي بدمٍ بارد. وقد أثبتت التحريات أنه تورّط في قتل عددٍ هائلٍ من الأبرياء، أغلبهم من الشيوخ والأطفال والنساء. لم يكن يتردد في حرق القرى، وذبح العائلات كاملة، ثم التباهي بما ارتكبه من مجازر.
كنتُ أتابع تحركاتهم خطوة بخطوة، متخفيًا في شكل تاجر بسيط، ومراتٍ أخرى في هيئة عاملٍ متجول. فقد علمت أن اختراق هذه العصابة يتطلب دهاءً مضاعفًا وحذرًا شديدًا. وكانت الخطة تقتضي جمع أكبر قدر من المعلومات الدقيقة عن أوكارهم، طرق تنقلهم، شركائهم، والمخابئ التي يلوذون بها عند اشتداد الحصار.
لم يكن التحدي سهلاً، لكنه كان واجبًا. ففي مثل هاته المعارك، لا مجال للتراجع أو الخطأ، لأن حياة المئات كانت معلقة بخيط رفيع.
...يتبع...

