44
0
آفاق التعاون بين الجزائر وفرنسا: تجاوز آثار الماضي الكولونيالي
وبناء مستقبل يرتكز على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة

إعداد: البروفيسور عبد الرحمان مبتول
ترجمة: الصحفي سعيد بن عياد
بداية، أود أن أعرب عن خالص الامتنان للمصالح الاقتصادية لسفارة فرنسا بالجزائر عبر المديرية العامة للخزينة الفرنسية لتقديمها لي البيانات الاقتصادية والمالية لمعالجتها في هذه المساهمة، آملا أن يكون هناك نقاشا آخر في نفس الاطار حول العلاقات بين الجزائر والصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا وايطاليا التي لدي مع مسؤولي سفاراتها بالجزائر علاقات جيدة بصفتي خبيرا دوليا مستقل.
بخصوص العلاقات الجزائرية الفرنسية فإنها يمكن أن تكون بين بلدينا جيدة أو سيئة لكن أبدا لن تكون مبتذلة كما سبق أن أشار إليه الراحل الرئيس الجزائري هُواري بومدين. بهذه الصفة فان السيد ستيفان روماني سفير فرنسا بالجزائر الذي استدعي من باريس في 15 أريل 2025 التحق بمنصبه يوم الجمعة 8 ماي 2026 وكإشارة على الدفء بين الجزائر وباريس فقد تنقلت الوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش وقدماء المحاربين أليس ريف والى مدينة سطيف للمشاركة في إحياء الأحداث المأساوية (مجازر 8 ماي 1945) بسطيف. كما قام وزير العدل الفرنسي بزيارة الى الجزائر يومي 18/19 ماي 2026 فيما يرتقب أن يزور وزير الداخلية الجزائري باريس مع التذكير بزيارة الحديثة لوفد هام من الباترونا الفرنسي (ميداف). وقبل سنة من الانتخابات الرئاسية في فرنسا هل تدشن هذه اللقاءات المختلفة بداية علاقات هادئة؟. سوف اقسم عرضي التوضيحي الى جزئين الأول يتناول حالة التعاون الاقتصادي بين الجزائر وفرنسا 2024/2025 والثاني يناقش مراجعة اتفاق سنة 1968 وأوامر مغادرة التراب الفرنسي والتعاون القضائي تجاه معالجة استرجاع الأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة من بعض مسؤولين جزائريين هربوها إلى فرنسا.
حالة العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وفرنسا 2024/2025
وفقا لمسؤولين فرنسيين يكتسي السوق الجزائري أهمية للشركات الفرنسية باعتباره ثاني سوق للصادرات الفرنسية نحو إفريقيا في سنة 2025 بمبلغ 4,2 مليار يورو من إجمالي صادرات بلغ 614,7 مليار يورو. في الاتجاه الآخر تستوعب فرنسا 12,1 بالمائة من إجمالي الصادرات الجزائرية في سنة 2025 (5,5 من 43 مليار اورو) وتتمثل أساسا في المحروقات (74,4 بالمائة من إجمالي الصادرات ما يعادل 3,8 مليار يورو في 2025). تعد فرنسا ثاني ممون للجزائر على الصعيد العالمي في سنة 2025 وراء الصين (12,9 مليار يورو صادرات وقد تضاعفت الصادرات ثماني مرات بين 2006 و2025 أمام ايطاليا (3,2 مليار يورو بزيادة 13,8 بالمائة) وتركيا (2,3 مليار يورو ما يعادل 14,6 بالمائة)، البرازيل (2,2 مليار يورو -9,2 بالمائة) واسبانيا (2,13 مليار يورو أي + 159 بالمائة مقارنة بسنة 2024 وهذا بعد إعادة فتح التدفقات من اسبانيا في نوفمبر 2024). فرنسا هي أول ممون للجزائر على الصعيد الأوروبي في 2025 غير أن المبيعات الفرنسية نحو الجزائر تواجه زيادة منافسة من ايطاليا (3,2 مليار يورو +13,8 بالمائة) ومن اسبانيا (2,13 مليار يورو +159 بالمائة) في 2025 بحيث ترى هاتان الدولتان مبيعاتهما نحو الجزائر في ارتفاع بينما مبيعات فرنسا تتراجع (4,2 مليار يورو صادرات -11,8 بالمائة).
هكذا فان المبادلات التجارية بين الجزائر وفرنسا (صادرات +واردات) تسجل تراجعا بفعل انقباض الواردات الفرنسية القادمة من الجزائر في الفترة 2023 و2024 ثم بين 2024 و2025 مرتبطة بشكل خاص بانخفاض أسعار المحروقات خلال هذه الفترة. بالموازاة فان الصادرات الفرنسية نحو الجزائر التي ارتفعت بين 2023 و2024 (4,8 مليار يورو +6,6 بالمائة) قد عرفت انخفاضا بين 2024 و2025 (4,2 مليار يورو -11,8 بالمائة) ويفسر هذا الانخفاض بانخفاض حاد لمبيعات فرنسا من المنتجات الزراعية وتربية الماشية ابتداء من شهر أوت 2024 وبانخفاض لمبيعات منتجات الصناعات الغذائية. غير أن صناعة السيارات والطيران (تسليم طائرات إيرباص أ300) تسجل ارتفاعا مما يحد من آثار تلك الانخفاضات على أرقام التجارة الثنائية. عموما فان العجز التجاري لفرنسا مع الجزائر ينحسر بنسبة – 34,9 بالمائة بين 2024 و2025 لينتقل من 1,4 مليار الى 924,7 مليون يورو مع رصيد تجاري أصبح ايجابيا مرة أخرى في الثلاثي الأول 2026 (967 مليون يورو صادرات فرنسية مقابل 937 مليون يورو واردات وبالتالي إظهار فائض تجاري بـ 29,5 مليون يورو). وحسب المديرية العامة للجمارك والحقوق غير المباشرة الفرنسية في دراسة تتعلق بمبادلات السلع والخدمات بين فرنسا والجزائر في 2023 و2024 وحول خصائص المتعاملين الاقتصاديين الفرنسيين المصدرين إلى الجزائر فان 5300 مؤسسة فرنسية قامت بالتصدير الى الجزائر سنة 2023 معتبرا أن الصادرات إلى الجزائر تُوًلّد رسميا أكثر من 27000 منصب عمل مباشر في فرنسا لكن حسب جريدة "ليزيكو" الفرنسية فان الصادرات الفرنسية إلى الجزائر تراجعت بنسبة 12 بالمائة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024 وحوالي 10 بالمائة من 6000 مؤسسة صغيرة ومتوسطة فرنسية تصدّر إلى الجزائر لم تنج من الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.
وفي ما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية المباشرة فحسب صندوق النقد الدولي وبنك فرنسا فان فرنسا تصنف ثالث مستثمر في الجزائر وفقا لمخزون الاستثمارات الأجنبية المباشرة سنة 2024 (3,09 مليار يورو وهي واحدة من أوائل المستثمرين في القطاعات خارج المحروقات). وكون الاستثمارات الأجنبية المباشرة الفرنسية متنوعة غير أنها تتركز في المقام الأول على ثلاثة قطاعات: الخدمات المالية، الصناعة التحويلية والصناعة الإستخراجية. للتذكير فان الاستثمارات الأجنبية المباشرة لا تشمل سوى الكيانات الموجودة في الجزائر التي تربطها صلة بكيان موجود في فرنسا. كما إن جميع الكيانات التي تم إنشاؤها محليا من طرف أشخاص طبيعيين يحملون الجنسية الفرنسية غير مدرجة في الأرقام السابقة. هذا يمثل ايضا في الممارسة العملية حجما كبيرا من المؤسسات المحلية لها ارتباط كثيف مع فرنسا فهذه المؤسسات المحلية هي أيضا صاحب عمل محلي كبير (حتى وان ليس بحوزتنا بيانات إحصائية حول هذه المجموعة من الشركات ورواد الأعمال المتعاملين). الجزائر هي سادس متلقي للاستثمارات الفرنسية في إفريقيا أمام مصر أو السنغال (3 مليار يورو) وأول بلد من حيث عدد الشركات التابعة (الفروع) التي تقدر بالمعنى الدقيق للكلمة بـ 175 بمعنى أن رأس المال المحتفظ به يزيد عن 10 بالمائة ملوك من كيان فرنسي. هذه الكيانات أو الفروع تمثل رقم أعمال تراكمي بحوالي 3,1 مليار يورو وتشغل مباشرة 22688 شخص في 2022 (اخر رقم متوفر). وفي ما يتعلق بالاستثمارات الجزائرية في فرنسا فان مخزوناتها متواضعة تقدر بـ 359 مليون يورو في 2024 مقابل 398 مليون يورو في 2023 (-9,8 بالمائة). وشهدت سنة 2025 وصول بنك الجزائر الخارجي للنشاط على مستوى مجمل التراب الأوروبي وقام باستثمار 150 مليون يورو لدعم تواجده وعملياته في 2025 ومن شان تواجد هذا البنك العمومي الكبير في فرنسا المساهمة في تعزيز المبادلات الاقتصادية بين البلدين بحيث تأمل أوساط الأعمال في علاقات هادئة على المستوى السياسي من أجل مواصلة نشاطاتها في أفضل الظروف.
2-التعاون في مختلف المجالات الأخرى التي تحدد التعاون الاقتصادي
حتى وإن كان التعاون الأمني المرتبط بالساحل مشمولا بختم سرية الدفاع فان التطورات الأخيرة للأحداث في مالي تعكس قلقا معيّنا وبالنسبة لباريس فان الجزائر لاعب رئيسي بشان هذا الملف ذلك أنها تتقاسم 1400 كلم من الحدود مع مالي، البلد الذي دخل في أزمة مع الجزائر بينما البلدان الآخران (النيجر وبوركينا فاسو) اللّذان يشكلان تحالف دول الساحل يحتفظان بعلاقات ودية مع الجزائر. يلخص رضا الياموني، باحث بالمعهد الهولندي للعلاقات الدولية (كلينغندايل) الموقف الجزائري: "على الرغم من أن الجزائريين، من وجهة نظر أمنية، ليسوا ظاهرين بشكل كبير ولا منخرطين بشكل كبير، إلا أنهم بحاجة إلى أن يكونوا على دراية بكل ما يحدث هناك، من أجل سلامتهم". التعاون الأمني بين باريس والجزائر يتوسع في ليبيا والخطوط العريضة بالمتوسط حيث في 6 مارس 2026 شاركت فرنسا والجزائر إلى جانب تركيا والسودان ومالطا والنيجر واليونان واسبانيا وايطاليا وتونس في اجتماع مسؤولي الاستعلامات العسكرية للساحل والمتوسط بالجزائر وتم اقتراح شراكة لتنسيق امني في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. بهذا الخصوص ذكر وزير العدل الفرنسي تناول خلال محادثاته مع السلطات الجزائرية مكافحة الجريمة المنظمة خاصة مكافحة عصابات المافيا المتاجرة بالمخدرات بفرنسا سواء الكوكايين أو المهلوسات مؤكدا تقاسم مع الطرف الجزائري تنسيقا قضائيا من خلال وزارتي الداخلية وكذا في التعاون القضائي.
مشكل الاتفاق الثنائي لسنة 1968، ملفات الطرد من التراب الفرنسي واسترجاع الاموال المنهوبة المهربة الى فرنسا
يرسخ الاتفاق الفرنسي الجزائري لـ 27 ديسمبر 1968 نظاما اعفائيا من القانون العام للمواطنين الجزائريين في ما يخص التنقل والإقامة والعمل في فرنسا بحيث يسمح بـ - إعفاء الجزائريين من النظام الكلاسيكي لتصاريح الإقامة الفرنسية لصالح وثيقة محددة تسمى بطاقة إقامة جزائرية. – ضمان الحصول بسرعة على بطاقة الإقامة لـ10 سنوات غابا ما يتم الموافقة عليها بعد 3 سنوات فقط من التواجد المنتظم (مقابل 5 سنوات لبقية الأجانب). – تسهيل لم شمل الأسرة بمنح مباشر لبطاقة الإقامة لـ10 سنوات للزوج الذي يلتحق بحامل البطاقة.
وعند سؤاله بعد عودته من الجزائر حول الاتفاق الثنائي لـ 1968 حول الهجرة الذي يريد اليمين إلغاءه أكد وزير العدل الفرنسي انه يجب "تجاوز" هذا الاتفاق والتوجه إلى "اتفاق صداقة يحترم البلدين" مذكرا أن مشروع اتفاق الصداقة الجزائر-فرنسا تم إطلاقه في سنة 200 لكن المشروع طواه النسيان مع ظروف جد مختلفة. وتقترح فرنسا إعادة التفاوض حول هذا الاتفاق وتجاوزه في إطار الاحترام ومصالح الجانبين.
بخصوص مسألة الأوامر بإلزامية مغادرة التراب الفرنسي لجميع الجنسيات فانه من حوالي 900.000 أمر (هذا الإجراء يشمل كافة القرارات التي يتخذها الوالي في مجال الإبعاد) فان معدل التنفيذ في فرنسا بقي تحت سقف 10 بالمائة وحوالي 40 بالمائة من الأجانب المتواجدين في مراكز الاحتجاز الإدارية بفرنسا من جنسية جزائرية ويتعلق الأمر بأشخاص لم يتم بشأنهم استكمال عملية الطرد ضمن الآجال القانونية ويوضعون أحيانا تحت نظام الإقامة الجبرية. وأعلن وزير الداخلية الفرنسي يوم 7 ماي 2026 استئناف علمية عودة 150 جزائري يوجدون وضع غير نظامي بموافقة من الجزائر فيما يبقى 700 حالة بمراكز الاحتجاز الإدارية. وبالفعل وفقا لحصائل رسمية قامت فرنسا بطرد أكثر من 150 مواطن جزائري يوجدون في وضع غير قانوني فيما تشير تقديرات إلى أن حوالي 20 ألف جزائري مشمولون بإجراء إلزامية مغادرة الأراضي الفرنسية.
أما بخصوص استرجاع الأموال المهربة فان وزير العدل الفرنسي علق على اللقاء الذي تم بين المدعي العام الوطني الفرنسي والقضاة الجزائريين بسان حوالي مائة طلب قدمتها السلطات القضائية الجزائرية إلى الطرف الفرنسي ووجه المدعي العام الفرنسي دعوة إلى نظرائه الجزائريين للقدوم إلى فرنسا في بداية شهر جوان 2026 لتعميق المحادثات حول هذه الملفات من اجل تمكين العدالة الفرنسية في إطار القانون الفرنسي من معالجة وضبط ومصادرة متعلقة بمسؤولين جزائريين سابقين.
تدفقات الهجرة وأهمية الجالية الجزائرية في العالم
مع واجب توخي الحذر في جمع البيانات فحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي فان فرنسا يبلغ عدد الأجانب المقيمين في فرنسا حوالي 6 ملايين شخص مما يمثل 8,8 بالمائة من إجمالي عدد السكان. من بين هؤلاء الأشخاص الذين لا يحملون الجنسية الفرنسية يجب إضافة عدد السكان الذين يحملون جنسية مزدوجة (أشخاص لديهم الجنسية الفرنسية) المقدر عددهم بأكثر من 3 ملايين شخص أي ما مجموعه 9 ملايين أي أكثر من 13 بالمائة من عدد السكان الفرنسيين وهم يساهمون في القيمة المضافة لفرنسا. إن عدد الأشخاص من أصل جزائري يقيمون في فرنسا بحسب المعايير الديموغرافية المعتمدة فان المهاجرين من الجيل الأول يقدر عددهم بحوالي 900 ألف مغترب مولودين في الجزائر ويقيمون في فرنسا وتوسعت الجالية لتشمل الأبناء والأحفاد لتقدر الجالية من أصل جزائري بين 2,5 و3 ملايين شخص.
مع تقديرات متناقضة أحيانا فان الجالية الجزائرية عبر العالم تقدر بين 4 و5 ملايين (بما فيهم مزدوجي الجنسية من الجيلين الثاني والثالث) حيث فرنسا هي الدولة الرائدة بفارق كبير. بالنسبة للبلدان الأخرى فانه مع بيانات متباينة تفسر بصعوبة الحصول على رقم رسمي وحيد يدمج كلية مزدوجي الجنسية من الجيلين الثاني والثالث فان كندا تعدّ حوالي 100 ألف إلى 120 ألف شخص من أصل جزائري، اسبانيا بين 100 ألف و200 ألف شخص، ايطاليا مع مزدوجي الجنسية حوالي 50 ألف شخص، بلجيكا 70 ألف شخص، الولايات المتحدة الأمريكية بمن فيهم مزدوجي الجنسية بين 30 ألف و50 ألف شخص، ألمانيا حوالي 46 ألف شخص، بريطانيا العظمى (المملكة المتحدة) حوالي 30 ألف شخص بمن فيهم مزدوجي الجنسية وبالنسبة لروسيا لدينا بين 2000 و4000 مواطن بمن فيهم مزدوجي الجنسية وهي أرقام تقديرية والصين أقل من 1000 شخص وفي كل هذه البلدان يتميز الجزائريون بمؤهلات عالية.
في هذا الإطار تتعارض دراسة نشرت في 21 ماي 2026 مع أفكار اليمين المتطرف بخصوص الهجرة وذلك بعد إجراء استطلاع رأي على عينة من السكان شمل 27 ألف شخص يشكلون 32 بالمائة من المهاجرين من أصل مغاربي و28 بالمائة من أوروبا و19 بالمائة من إفريقيا جنوب الصحراء و16 بالمائة من آسيا و5 بالمائة من بقية العالم وذلك من طرف 35 خبيرا فرنسيا مختصا في البحث في العلوم الإنسانية بالمعهد الوطني للدراسات الديموغرافية والمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية تحت إشراف ماتيو ايشو وكريس بوشمان وباتريك سيمون توصلوا الى العديد من الاستنتاجات: أولا- الهجرة ابعد ما تكون ظاهرة هامشية أو ظرفية (مؤقتة) وجزء كبير من السكان الفرنسيين تحديدا فرنسي من ثلاثة لديهم خلفية مهاجرة ومن ليسوا مهاجرين بأنفسهم لديهم على الأقل أب أو جد أجنبي. ثانيا- شخص من خمسة صرح انه كان "بدون وثائق" الجنسية الفرنسية في مرحلة ما بفرنسا قبل أن تتم تسوية وضعيته والحصول على الجنسية الفرنسية. ثالثا- غالبا ما يكون المهاجرون إلى فرنسا من أصحاب الشهادات التعليمية فقد ارتفعت نسبة الوافدين إلى فرنسا من 29 بالمائة في 1989 إلى 53 بالمائة في 2009 وكانت نسبة المهاجرين من أصحاب شهادة بكالوريا + 3 أو مؤهل أعلى من نسبتهم في عموم السكان الذين ليس لديهم خلفية مهاجرة. رابعا- تلاحظ الدراسة زيادة خطر البطالة لدى الجيل الثاني من المهاجرين للمنطقة المغاربية وإفريقيا جنوب الصحراء مع خطر البطالة بنسبة +6,2 نقاط للرجال المهاجرين من المنطقة المغاربية مقارنة ببقية السكان لكن عموما ترصد اندماجا ايجابيا نسبيا ويعتقد أصحاب الدراسة أن مشاكل الاندماج لا يمكن إرجاعها للمهاجرين أنفسهم ولكن للمؤسسات وسوق العمل.
واجب الذاكرة
دخل القانون رقم 26-10 المؤرخ في 12 ماي 2026 المتعلق بتجريم الاحتلال الفرنسي للجزائر حيز التنفيذ رسميا بعد صدوره في الجريدة الرسمية رقم 37 يوم 21 ماي 2026 وينص على:
- اعتراف فرنسا بالماضي الاستعماري- وقد فعلت ذلك العديد من الدول الأخرى حيث صرح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بأنه بفضل الاعتراف الأخلاقي والتاريخي بالجرائم الاستعمارية من جانب فرنسا على التعويض المالي وهي بنود تم حذفها.
- التجارب النووية الفرنسية في الجزائر جرت بين 1960 و1966 وقامت فرنسا خلال هذه الفترة بـ17 تفجيرا نوويا في الصحراء الجزائرية توزعت على مرحلتين أساسيتين هما الاختبارات الجوية (1960-1961) عبر 4 تفجيرات تمت في منطقة رقان أولها كان في 13 فيفري 1960 باسم "اليربوع الأزرق" والتفجيرات الباطنية تحت الأرض (1961-1966) مع 13 تفجيرا جرت في جبال "تان افلا" بمنطقة "إن ايكر". وتطالب الجزائر بتطهير المواقع التي تمت فيها تلك التفجيرات النووية وتسليم الخرائط لتلك المواقع والخرائط الخاصة بالتجارب الكيماوية والألغام البرية المزروعة وتعويض الضحايا وذوي حقوقهم عن الأضرار التي تسببت فيها التفجيرات النووية والألغام البرية.
- استعادة أصول (الأموال) الخزينة المسروقة وكافة القيم المادية والمعنوية المنهوبة أو التي تم تحويلها إلى خارج التراب الجزائري بما في ذلك كافة مكونات الأرشيف الوطني واسترجاع رُفات ورُموز المقاومة والحركة الوطنية وثورة التحرير من أجل دفنها في التراب الجزائري البلد الأم.
ما هي آفاق تحسين العلاقات بين الجزائر وفرنسا؟
فيما يخص حالة كريتوف غليز صرح دارمنان أنه يأمل "الإفراج عنه لاحقا بإعفاء رئاسي" وخلال لقاء رسمي مع الوزيرة الفرنسية المنتدبة لقدماء المحاربين أشار الفريق أول سعيد شنقريحة الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي إلى ضرورة العمل بشكل مشترك لتجاوز مخلفات الماضي الاستعماري الأليم دون نسيانه والتطلع نحو مستقبل يسوده الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
كما ذكرت مرارا في العديد من المساهمات الوطنية والدولية فان إقامة علاقات هادئة بين الجزائر وفرنسا أمر مرغوب بعيدا عن أي نزعة هيمنة وذلك على أساس شراكة رابح رابح. التاريخ نسج علاقات إنسانية وثقافية واقتصادية ذات كثافة فريدة مع جالية كبيرة وديناميكية يمكن أن تكون محركا قويا للتقارب لفائدة البلدين. في هذا العالم المضطرب وفي حالة تغير دائم، فان حوار الحضارات يشكل وعينا المشترك ويعزز التسامح بعيدا تماما عن ثقافة الكراهية. ذلك أن عصر المواجهات استمر طيلة قرون لأن التطرف ساد في بيئة من الشك والإقصاء بينما معرفة الآخر يعني التوجه نحوه لفهمه بشكل أفضل معرفته بهدف تشجيع الحوار المثمر لفائدة شعبينا. إن الهدف الاستراتيجي سيكون مكافحة كافة أشكال التطرف في عالم مضطرب وغير مستقر وذلك من خلال حوار الحضارات والتسامح بعيدا عن ثقافة الكراهية التي تعيق رفاهيتنا المشتركة. اليوم في مواجهة تحولات العالم والتحديات المشتركة فان الأمر يتعلق بتسليط الضوء على نقاط قوة هذه العلاقة والآفاق التي تفتحها في وقت ينبغي مراعاة واجب الذاكرة بين فرنسا والجزائر، مع ترك الأمر لمؤرخين البلدين لوضع تقييم، والتحضير للمستقبل بالأخذ في الحسبان الحضور القوي للجالية الجزائرية في فرنسا مما يجعل العلاقات أكثر حساسية وتعقيدا لكنها قد تشكل جسرا للتنمية في البلدين. يتعلق الأمر بتفضيل الحوار المثمر من أجل تفادي أي زعزعة للاستقرار الإقليمي وما يترتب عنه من عواقب مدمرة تشمل كل الفضاء الأورومتوسطي والإفريقي بما في ذلك منطقة الساحل والصحراء التي يتوقع أن تشهد اضطرابات عميقة. وفي إطار تعزيز اندماج بلدان المنطقة المغاربية وشمال إفريقيا عامة وهو ما أتعلق به بشدة ينبغي إدراج العلاقات بين فرنسا والجزائر في إطار التعاون بين المنطقة المغاربية وأوروبا التي تعتبر الشريك الاقتصادي الرئيسي للجزائر بحيث يكون كل بلد سيد في علاقاته الدبلوماسية وبالتالي معالجة الخلافات ذات الصلة باتفاق الشراكة والتبادل الحر بين الجزائر وأوروبا- الموقع في سبتمبر 2005 والذي لجأت أوروبا بشأنه إلى التحكيم الدولي- بغرض الوصول إلى حل مقبول من الجانبين استنادا رؤية إلى سيادية بقصد تكثيف هذا التعاون. وبخصوص ملف الصحراء الغربية فان للجزائر- التي تحافظ على علاقات متميزة مع اسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وعدد كبير من بلدان الخليج - موقف مبدئي يتضمن حل هذا المشكل في إطار الأمم المتحدة ومجلس الأمن وفقا للقانون الدولي والشرعية الدولية. إن عملية التقييم لاتفاق الشراكة التي طالبت بها الجزائر لا تهدف إطلاقا إلى التشكيك في الإطار الشامل للاتفاق وإنما لاستعمالها بهدف تفسير ايجابي يسمح بإعادة التوازن من أجل إعطاء هذا الاتفاق كل أهميته واستعمال كل إمكاناته الهائلة والاستفادة منها في مجالاته الثلاثة السياسية والاقتصادية والإنسانية. (بإشراف البروفيسور عبد الرحمان مبتول والدكتور كميل ساري من السوربون تم إعداد دراسة بعنوان الرهانات الجيواستراتيجية لبناء المغرب الكبير بمشاركة ولأول مرة من 36 خبيرا من المنطقة وأوروبا صدرت في جزئين من 1050 صفحة بباريس 2015/2016). لدلك نأمل في علاقات هادئة بين الجزائر وفرنسا مع تعاون مثمر في إطار الاتحاد الأوروبي كعامل في تحقيق الرخاء المشترك واستقرار المنطقة المتوسطية والأوروافريقية.
بطاقة فنية:
البروفيسور الجامعي عبد الرحمان مبتول يجمع بين الدراسات الأكاديمية العليا والممارسة في حقل البحث بشأن قضايا اقتصادية وطاقوية وجيوسياسية. هو اقتصادي جزائري مخضرم وخبير دولي لأعماله صدى في عواصم غربية وعربية. صاحب مسار ثري بدأه مديرا للدراسات بشركة المحروقات "سوناطراك" ووزارة الطاقة من 1974 إلى 2015 ثم قاض سام ومديرا عاما لمجلس المحاسبة في الفترة 1980 إلى 1983 كما ترأس مجلس الخوصصة برتبة وزير منتدب خلال الفترة 1996 إلى 1999 ليتوج مساره أستاذا جامعيا وخبيرا دوليا له إنتاج ثري في مجال الدراسات والتحاليل الجيويسياسية والإستشرافية مع البحث في العلاقات الاقتصادية تقود إلى رؤى إستراتيجية حول واقع ومستقبل العلاقات الأورومتوسطية والإفريقية والمغاربية مع إبراز يقل الجزائر في هذا المشهد الإقليمي كقوة استقرار وضامن للأمن والسلم والتنمية مشجعا للحوار ضمن إطار الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة

