114

0

إبادة خلف الجدران… حين يتحول التعذيب إلى سياسة ممنهجة

بقلم: ثامر سباعنه

مركز كن بلسما للتدريب والأبحاث – فلسطين

 

في ظل انشغال العالم بما يجري فوق الأرض في قطاع غزة، تتكشف روايات أشد قسوة خلف الجدران، داخل السجون ومراكز الاعتقال الإسرائيلية، حيث لا صوت يُسمع ولا كاميرات توثق، إلا ما ينجح الناجون في حمله من شهادات مثقلة بالألم. التقرير الأخير الصادر عن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان يضعنا أمام واقع صادم، يتجاوز حدود الانتهاك الفردي ليصل إلى مستوى السياسة الممنهجة التي تستهدف الإنسان الفلسطيني في كرامته وجسده ونفسيته.

الشهادات التي وثقها التقرير لا تتحدث عن ممارسات عابرة، بل عن أنماط متكررة من العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب والاعتداء بالأدوات والتعذيب الموجه للأعضاء التناسلية. الأخطر من ذلك أن هذه الأفعال لم تكن خفية أو فردية، بل ارتبطت بمظاهر استعراضية منظمة، كالتصوير والحضور الجماعي لعناصر الأمن أثناء ارتكابها، ما يعزز الطابع المؤسسي لهذه الجرائم، ويؤكد أنها ليست تجاوزات معزولة، بل جزء من منظومة متكاملة للإخضاع والتدمير.

إن استهداف الرجال والفتيان بهذا الشكل الوحشي، وتحطيم كرامتهم الإنسانية عبر الاعتداء على أجسادهم، يكشف عن نية تتجاوز العقاب أو التحقيق، لتصل إلى كسر الإرادة الفردية والجماعية. بعض الشهادات تحدثت عن إصابات دائمة، كفقدان الوظائف التناسلية أو الإخراجية، بل وحتى استئصال الخصيتين، وانتهاء بعض الحالات بالوفاة تحت التعذيب. هذه ليست مجرد انتهاكات، بل جرائم مكتملة الأركان بحق الإنسانية.

من زاوية القانون الدولي الإنساني، فإن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، التي تحظر بشكل قاطع التعذيب والمعاملة القاسية واللاإنسانية، وتحمي الأسرى والمعتقلين من أي اعتداء على كرامتهم. كما أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنف الاغتصاب والعنف الجنسي كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل ويمكن أن يرقى، في سياق معين، إلى جريمة إبادة جماعية إذا ثبت أنه يُستخدم بقصد تدمير جماعة معينة كليًا أو جزئيًا.

وفي الحالة الفلسطينية، فإن تكرار هذه الأنماط، واتساع نطاقها، وارتباطها بسياق أوسع من الهجوم على غزة، يعزز فرضية وجود نية ممنهجة لإلحاق أذى جسدي ونفسي جسيم بالجماعة الفلسطينية. وهو ما يجعل من هذه الجرائم ليس فقط انتهاكًا للقانون، بل تهديدًا لمنظومة العدالة الدولية برمتها، خاصة في ظل غياب أي مسار حقيقي للمحاسبة داخل “منظومة العدالة” الإسرائيلية، التي يبدو أنها تُستخدم لترسيخ الإفلات من العقاب بدلًا من مواجهته.

أمام هذا الواقع، لا يكفي التنديد أو التوثيق، بل لا بد من خطوات عملية وجادة لوقف هذه الجرائم، من أبرزها:

أولًا، الضغط الدولي الفعلي على المحكمة الجنائية الدولية لإعطاء ملف التعذيب والعنف الجنسي في السجون أولوية عاجلة، وفتح تحقيقات مستقلة تستند إلى الشهادات الموثقة.

ثانيًا، تشكيل لجان تحقيق دولية خاصة، بإشراف الأمم المتحدة، تتمتع بصلاحيات الوصول إلى أماكن الاحتجاز وتوثيق الانتهاكات بشكل مباشر.

ثالثًا، فرض عقوبات دولية على المسؤولين عن هذه الجرائم، سواء كانوا أفرادًا أو مؤسسات، بما يشمل حظر السفر وتجميد الأصول.

رابعًا، دعم الضحايا نفسيًا وقانونيًا، وتوفير منصات آمنة لعرض شهاداتهم، بما يضمن عدم إسكاتهم أو طمس معاناتهم.

خامسًا، تفعيل دور الإعلام والمؤسسات الحقوقية في إبقاء هذا الملف حيًا، وعدم السماح بتحويله إلى مجرد أرقام أو تقارير تُنسى مع الوقت.

إن ما يجري خلف الجدران ليس أقل خطورة مما يحدث فوقها، بل ربما أشد قسوة لأنه يُرتكب في الظل، بعيدًا عن أعين العالم. لذلك، فإن مسؤولية كشفه ومواجهته لا تقع على الضحايا وحدهم، بل على كل من يؤمن بالعدالة والكرامة الإنسانية. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل شراكة غير مباشرة في استمرار الجريمة.

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services