77
0
عباس السيد… خمسةٌ وعشرون عامًا خلف القضبان ولم تنكسر الروح

.jpg)
بقلم: ثامر سباعنه / مركز كن بلسما للتدريب والأبحاث فلسطين
خمسةٌ وعشرون عامًا تمرّ ثقيلةً على جسد الأسير الفلسطيني، لكنها لم تستطع يومًا أن تهزم الروح أو تُطفئ جذوة الإيمان بالقضية.
خمسةٌ وعشرون عامًا يدخلها الأسير القائد عباس السيد داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، وما زال حاضرًا في الذاكرة الفلسطينية بوصفه أحد أبرز رموز الصمود والثبات والإرادة التي لا تنحني.
ليس عباس السيد مجرد اسم في سجل الأسرى، ولا رقمًا يُضاف إلى قوائم المعتقلين الطويلة، بل هو حكاية وطنٍ كامل، ورجلٌ حمل همّ القضية الفلسطينية بعقله وقلبه وروحه، ودفع ثمن ذلك عمرًا يُستهلك خلف القضبان.
وُلد عباس السيد في مدينة طولكرم عام 1966، ونشأ في أسرة متدينة غرست فيه القيم الوطنية والإسلامية منذ طفولته. عُرف منذ سنواته الأولى بالتفوق الدراسي والذكاء اللافت، فأنهى الثانوية العامة بمعدل مرتفع أهّله لدراسة هندسة الميكانيكا في جامعة اليرموك، قبل أن يعود إلى فلسطين محمّلًا بالعلم والطموح والإيمان بدوره تجاه شعبه.
لكن الرجل الذي اختار طريق المقاومة لم يكن يدرك أن حياته ستتحول لاحقًا إلى واحدة من أطول حكايات الأسر الفلسطيني. فمنذ اعتقاله عام 2002، بعد مطاردة طويلة ومحاولات اغتيال متكررة، أصدرت محاكم الاحتلال بحقه حكمًا قاسيًا بالسجن خمسةً وثلاثين مؤبدًا إضافة إلى مئة عام أخرى، في محاولة واضحة لدفنه حيًا داخل الزنازين.
ورغم قسوة السجن، ظل عباس السيد نموذجًا نادرًا للأسير الذي لم تهزمه العتمة. عُرف بين الأسرى بثباته الأسطوري خلال التحقيق، حتى إن أجهزة المخابرات الإسرائيلية فشلت في انتزاع اعترافٍ واحدٍ منه رغم التعذيب القاسي الذي تعرض له. كان يؤمن أن الاعتراف هزيمة للروح قبل أن يكون هزيمة للجسد، ولذلك بقي صلبًا في وجه المحققين، حتى تحول إلى رمز للصمود داخل السجون وخارجها.
وعلى مدار ربع قرن، لم يسمح عباس للسجن أن يقتل الإنسان داخله. فبين الجدران الضيقة، واصل تعليمه وحصل على درجتي ماجستير، إحداهما في الدراسات الإقليمية، والأخرى في الدراسات الإسلامية، متحديًا سياسة الاحتلال التي حاولت حرمان الأسرى من حقهم في التعليم والمعرفة. لقد أدرك أن المعركة مع الاحتلال ليست فقط بالبندقية، بل أيضًا بالوعي والعلم والثقافة.
ولم يكن عباس السيد قائدًا عسكريًا فقط، بل كان صاحب فكر ورؤية. حرص دائمًا على الحديث عن الوحدة الوطنية الفلسطينية، وعن ضرورة التمسك بالمقاومة باعتبارها حقًا مشروعًا للشعب الفلسطيني. ولذلك حظي باحترام واسع بين أبناء شعبه، حتى من أولئك الذين اختلفوا معه سياسيًا، لأنهم رأوا فيه رجلًا صادقًا لم يبحث عن مجد شخصي، بل عن كرامة شعب بأكمله.
خمسة وعشرون عامًا مرت على زوجته وأبنائه وهم ينتظرون عودته. خمسة وعشرون عامًا من الحرمان والفقد والاشتياق. خلالها فقد والدته وشقيقته وهو خلف القضبان، وعاشت عائلته تفاصيل الغياب القاسي بكل ما فيه من ألم. ومع ذلك بقيت زوجته وأبناؤه يحملون صورته باعتزاز، بوصفه رمزًا للتضحية والصبر والثبات.
إن دخول عباس السيد عامه الخامس والعشرين في سجون الاحتلال ليس مجرد مناسبة عابرة، بل محطة تستدعي من الجميع إعادة التذكير بمعاناة آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين يواجهون القهر والعزل والإهمال الطبي وسياسات التنكيل اليومي. فالأسرى ليسوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل أرواحًا معلقة بين الأمل والوجع، وأبطالًا يدفعون أعمارهم دفاعًا عن وطنهم.
وربما كان أكثر ما يُوجع أن كثيرًا من الأسرى يُتركون وحدهم في مواجهة الزمن، بينما ينشغل العالم عن معاناتهم. لكن الحقيقة التي لا يستطيع الاحتلال تغييرها أن السجون لم تستطع يومًا كسر إرادة الفلسطيني، ولم تتمكن من انتزاع الإيمان بالحرية من قلوب الأسرى.
سيبقى عباس السيد شاهدًا حيًا على مرحلة كاملة من تاريخ النضال الفلسطيني، وسيبقى اسمه حاضرًا بوصفه رجلًا دفع عمره ثمنًا لقناعاته، لكنه لم يبعها ولم يتراجع عنها.
خمسة وعشرون عامًا من الأسر… لكن الروح ما زالت حرة.

