16599

0

مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 183

 

بقلم إسماعين تماووست 

في الحقيقة،  خلال مطاردة المجرمين الذين فرّوا بعد أن نصبوا كمينًا قاتلًا لعناصر من الشرطة – وهو فعل خسيس يهدف إلى زعزعة الأمن وبثّ الرعب في النفوس – تلقيتُ أوامر عاجلة. من بين هذه الأوامر كانت هناك مهمة محددة: القيام بعمليات تمشيط واسعة في القرى الكبرى والصغرى، لإشراك المواطنين في المعركة ضد الإرهاب.
غير أنّ الظروف القاسية لهذه المهمة الجديدة في محيط واسع وغامض جعلت البحث بالغ الصعوبة. لقد كانت مطاردة يومية، جُعلت حياتي خلالها كأنها معركة لا تنتهي. فعمليات البحث التي كنا نخوضها كانت شبه عقيمة، لا تسفر إلا عن الخيبة. وهكذا تحوّلت مهمتنا إلى تجربة مرهقة ومؤلمة، تُثقل أعصابنا كل يوم.
لكنّ عجزنا عن تحقيق النتائج المرجوّة لم يُثنينا عن الإصرار على التوغّل أكثر في بعض المناطق، كالممرات الجبلية والغابات الكثيفة. كان علينا أن نكتسب سرعة إضافية، نضاعف من حركاتنا وقدراتنا، لنتمكن من مواجهة خطر دائم يحدق بنا. فكل تقدّم، مهما كان ضئيلًا، يعني بالنسبة للسكان حياة تُنقذ من براثن آلة القتل.
فالعدو لم يكن مجرّد خصمٍ عابر، بل كان أشبه بآلة حصادٍ دموية، تقتلع الأرواح كما تقتلع آلة الحصاد سنابل القمح في حقلٍ واحد. كان قادرًا على تحويل قريةٍ آمنة إلى مأساة في لحظة واحدة. لذا كان علينا حشد كل الوسائل الممكنة التي من شأنها أن تجعل عملية البحث أكثر سرعة وفاعلية.
ومع ذلك، فقد ظلّ الإرهابيون في حالة فرار دائم، يتفنّنون في الخداع والمراوغة. كانوا يتقنون التمويه إلى حد جعل ملاحقتهم أمرًا يكاد يكون مستحيلًا. وهو ما فرض علينا يقظة دائمة، نهارًا وليلًا، فلا مجال لأي غفلة أو تراخٍ. فالتحدي كان رهيبًا، والخصم بارعًا في الاختفاء، سريعًا في التنقل، يختفي كما لو ابتلعته الأرض.
لقد وجدنا أنفسنا إذن في مواجهة مستمرة مع خطرٍ غير مرئي تقريبًا، خطر يتربّص بنا عند كل خطوة. ولذا، باتت يقظتنا اليومية، رغم ما يرافقها من تعبٍ وسهر، درعنا الوحيد في هذا الصراع غير المتكافئ.
لقد كانت معاناة الناس في القرى والمداشر فادحة، فقد كانوا أوّل الضحايا وأكثرهم عرضةً للتنكيل والاعتداء من قِبل الإرهابيين.
كانت الوضعية تنذر بمصاعب جمة، ومع ذلك فإن قسوة الظروف لم تزدنا إلا صلابة. أنا وزملائي في الفريق كنا نشعر أنّنا مدفوعون بقوة خفية، وأنّ كل محنةٍ تزيدنا عزمًا. لقد ارتبط اسمنا بالشجاعة والتضحية، إذ كان الجميع يعرف أنّنا وهبنا حياتنا في سبيل الوطن. إنّ الحب العميق للأرض الأم كان هو قوتنا الدافعة.
لهذا كنّا على أتم الاستعداد لمواجهة أي ظرفٍ قد يُربك خطواتنا أو يُظهر ضعفًا أمام العدو. بالفعل، كنّا ليلًا ونهارًا في حالة تأهب قصوى، نقترب من المجرمين إلى درجة إخافتهم، وهو ما جعل من كل مهمة جديدة تحديًا حقيقيًا.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه المبادرة الجريئة المبادرة كانت فكرة المسؤولين اللذين اختاروني لإنجاز هذه المهمة، مهمة خطرة لكنها ضرورية. كانت بالنسبة لنا تحديًا شاقًا، لكن في الوقت نفسه فرصة لإثبات جدوى وجودنا. فمهمتنا الجوهرية تمثلت في إظهار حضور الشرطة في تلك المناطق، حتى يشعر العدو بالمطاردة الدائمة، ويُدرك أنّ قبضتنا تلاحقه بلا هوادة.
غير أنّ الإخفاق المتكرر جعلنا نصطدم بخيبة مضاعفة، فقد كان الحصول على أدلة أو مؤشرات من المخبرين حول مخابئ الإرهابيين الفارين أمرًا عسيرًا. كان الأمر أشبه بسرّ غامض يراوغنا في كل مرة. ومع تزايد الانتظار صار العبء أثقل من أن يُحتمل.
لقد وجدنا أنفسنا في وضعية مؤلمة، وضعية لم تسمح لنا بالسكوت أو التراجع، بل أجبرتنا على البحث عن خطوة غير عادية، عملٍ نوعي غير مسبوق، حتى ولو اقتضى الأمر تجاوز حدود المألوف، وتحمّل تبعات قرار جريء لا رجعة فيه.
و من أجل قلب الموازين، التي كانت تزداد خطورة وإثقالًا بمرور الأيام، بفعل النتائج السلبية المتراكمة، كان لزامًا علينا أن نبحث عن سبيل يبدّد ذلك الإحباط المتنامي. في الحقيقة، غياب المعلومات الاستخباراتية خلّف آثارًا وخيمة علينا، لكنني كنت على يقين راسخ أنّه في بعض المواقف يكفي أن نتحلّى بمزيد من الجرأة والإقدام حتى نتمكّن من الانتصار.
غير أنّ المعضلة الكبرى برزت حين تعلّق الأمر بالسيادة الوطنية. هناك، لم يكن مسموحًا لنا أن نستسلم لليأس، بل كان علينا أن نُبقي جذوة العزم متقدة. ولهذا السبب تحديدًا، بذل زملائي كل طاقتهم وكل شجاعتهم ليحموا أنفسهم من نيران العدو القاتلة، وفي الوقت نفسه ليصونوا أرواح السكان الذين وقعوا في شركٍ خانق. لقد كانت حالة هؤلاء الأهالي بالغة القسوة: قلق، رعب، ورهبة من خطرٍ ملموس يهددهم في كل لحظة.

في تلك الحقبة، زمن الصراع الحاد، غمرتني مشاعر شفقة عميقة تجاه سكان الدواوير والقرى الجبلية والنجوع المعزولة. لقد تُركت العائلات هناك لتواجه مصيرها وحدها، كأنها متروكة لقدرٍ مظلم. كنّا نُدرك تمام الإدراك أنّنا لسنا مجرد شرطيين عاديين، بل رجال استثنائيون، حملوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن السلم في البلاد. كنا عازمين على أن تبقى القوة خاضعة فقط وللأبد لسلطة القانون، لا لأي يد أخرى.
وعلى هذا الأساس، وُلدت الفكرة التي تمّ التعمق فيها مليًا: الشروع في عمليات تمشيط واسعة النطاق. كانت هذه المبادرة قرارًا مصيريًا اتخذه قادتنا، الذين اعتادوا، بعد كل فشل، أن يعيدوا صياغة الخطة بطريقة مختلفة لمواجهة المجرمين الجبناء،  كانت حرب استنزاف طويلة الأمد، أشبه بمبارزة لا يخوضها إلا رجال استثنائيون، قُدِّر لهم أن يواجهوا كل العوائق مهما عظمت.
لقد كانت مهمتنا الأساسية واضحة: أن نستخلص من هذه العمليات المكثفة تقارير دقيقة وموثوقة، تحمل في طياتها أفضل المعطيات، حتى نتمكن من تضييق الخناق على خصمٍ عنيد، مراوغٍ، لا يلين. كنا ندرك أنّ نجاحنا في هذا الجانب يعني بداية النهاية لعدوٍ نشر الفوضى وزرع الرعب في كل مكان مرّ به.
لقد كانت تلك المرحلة امتحانًا عسيرًا للإرادة، إذ كنا نخوضها بين نارين: نار الواجب ونار الخطر. ومع ذلك، ظلّ الأمل يرافقنا في كل خطوة، لأننا كنّا نؤمن أنّ الظلام مهما طال، لا بد أن ينجلي.

يتبع...

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services