34
0
17 عاماً خلف القضبان.. منتدى الذاكرة يُكرم المجاهد الراحل محمد السعيد معزوزي.

نظّمت جمعية مشعل الشهيد، بالتنسيق مع جريدة «المجاهد»، منتدى الذاكرة، وذلك بمناسبة إحياء الذكرى الـ81 لمجازر 8 ماي 1945، وتزامنًا مع اليوم الوطني للذاكرة.
هاجر شرفي
وتناول المنتدى محور “من ذاكرة السجون والمعتقلات خلال الثورة التحريرية”، حيث خُصّص لتكريم المجاهد ورمز النضال داخل السجون، الراحل محمد السعيد معزوزي، الذي امتدت فترة سجنه من أحداث ماي 1945 إلى غاية 6 ماي 1962.
كما عرف اللقاء عرض شريط وثائقي يوثّق مسار المجاهد الراحل، مستعرضًا محطات من نضاله وتجربته داخل السجون، إلى جانب شهادات حيّة ومداخلات لمجاهدين، بحضور شخصيات وطنية وإعلاميين.

لم تنسَ من ضمّد جراحها… شهادة تختصر إنسانية مناضل
وفي سياق استحضار شهادات حية عن مسيرة المجاهد الراحل، أكدت المجاهدة ياسمينة قاسمي أن الراحل كان مثالًا في الأخلاق والإنسانية، مستحضرةً حادثة تعرّضها لإصابة جراء انفجار قنبلة خلال الثورة، حيث أشارت إلى أنه كان، إلى جانب طبيب، يتكفّل بتغيير ضماداتها ومتابعة حالتها، مؤكدة أنها لم تنسَ إنسانيته وحسن تعامله

من السجن إلى المسؤولية… سيرة مناضل كتب التاريخ ولم يدّعِه
افتتح المجاهد عيسى قاسمي كلمته باستحضار المسار النضالي للمجاهد الراحل، الذي كان يُلقّب بـ«سي موح ساع…»، بوصفه نموذجًا للبساطة والتواضع والرصانة، سواء خلال مسيرته النضالية بين الجزائر وفرنسا أو بعد الاستقلال، حيث تقلّد عدة مناصب سامية، من بينها والي ولاية تيزي وزو، ووزير العمل والشؤون الاجتماعية (1968–1977)، ثم وزير المجاهدين (1977–1978)، إضافة إلى مسؤوليات سياسية أخرى.
وأوضح المتحدث أن مقدمة مذكراته، التي دوّنها الدبلوماسي لحسن موساوي خصال الفقيد، حيث جاء فيها أنه كان مثالًا للمناضل الملتزم، المتشبع بروح الخدمة العمومية والتواضع والانضباط.
كما استعرض في مقدمة تمتد إلى عشرين صفحة الدوافع التي دفعته إلى تدوين مذكراته بعد سنوات من التأمل منذ سبعينيات القرن الماضي، تحت عنوان “لماذا هذه المذكرات؟”، مؤكداً فيها تواضعه العميق ورفضه تمجيد الذات، حيث تساءل: “ماذا فعلتُ أنا أكثر من ملايين الجزائريين؟”، معتبراً الثورة الجزائرية نهرًا جارفًا يصعب فيه التمييز بين الأفراد.
وأضاف في شهادته: “لم أكن بطلاً ولا أدّعي ذلك، كنت مناضلاً وسُجنت سبعة عشر عامًا، ثم توليت مسؤوليات في الجزائر المستقلة وفق ما يمليه عليّ ضميري، لم أصنع التاريخ بل أنا شاهد عليه”.
كما شدّد في مذكراته على أهمية نقل الذاكرة التاريخية إلى الأجيال الصاعدة، معتبرًا أن الرسالة الأهم لجيله هي تبليغ الشباب بما عاشه الشعب الجزائري في كفاحه الجماعي من أجل بقاء الوطن واستمراره.
وتوقف عند محطات بارزة من نضاله داخل السجون الفرنسية، مذكّرًا بلقائه مع عبان رمضان في سجن الحراش قبل الإفراج عنه يوم 18 جانفي 1955، كما استحضر مقولة المفكر مصطفى الأشرف: “من أراد أن يبني وطنه، يجب أن يحبّه، ولكي يحبّه، يجب أن يعرفه”.
وفي ختام كلمته، أشار إلى أن المجاهد كان من بين الذين ساهموا في إقناع كاتب ياسين بلقاء الرئيس هواري بومدين، في إطار مسار ثقافي وفكري وطني يعكس عمق ارتباط النخب بالثورة والذاكرة الوطنية.

وبدوره، أكد المجاهد بوعلام شريفي، الذي تقاسم مع الراحل تجربة السجن، أن هذا الأخير كان شخصية استثنائية من وجوه تاريخ الثورة الجزائرية، قائلاً إن الجلوس إليه يمنح شعورًا بالهيبة والاحترام، حيث يفرض تقديره حتى دون قصد، لما كان يتمتع به من مكانة أخلاقية ونضالية رفيعة.
وأوضح المتحدث أن المجاهد سُجن سنة 1945، ومرّ بمراحل نضالية مختلفة، من الجهاد السياسي إلى مرحلة ما بعد الكفاح الشعبي، حيث يُعدّ رمزًا بارزًا لهذه المرحلة التاريخية الحساسة.
وأشار إلى أنه خلال فترة اعتقاله، وُضع في سجون تضم مختلف الفئات، من بينهم مجرمون وسارقون، في سياق كانت تُلصق فيه التهم السياسية بالمناضلين الوطنيين، رغم طبيعة نضالهم التحرري.
وأضاف أن شخصية المجاهد، رغم عدم عيشه معه داخل السجن، كانت نموذجًا في الصبر والثبات والروح الوطنية العالية، مؤكداً أنه كان يجاهد داخل السجن كما كان يناضل خارجه، في صورة متكاملة للمقاومة والاستمرارية.
وختم بالقول إن كل الكلمات والشهادات تبقى عاجزة عن الإحاطة بحجم الرجل وقيمته التاريخية، باعتباره أحد رموز الصبر والنضال في تاريخ الثورة الجزائرية.

وفي سياق متصل٬ صرّح المجاهد عيسى قاسمي، أنه تم خلال منتدى الذاكرة استحضار مسار أحد رجال الجزائر من أبناء الشعب البسطاء، مؤكداً أن الحديث عن هذا الرجل لا يمكن أن يوفيه حقه مهما طال، حتى لو خُصّصت له أشهر من النقاش من قبل المؤرخين والباحثين، بالنظر لما قدّمه للجزائر التي كان يحملها في قلبه.
وأوضح أن مساره النضالي كان متميزًا، خاصة خلال فترة ما قبل 1945، حيث انخرط في الحركة الوطنية وكان يتميّز بمستوى تعليمي ووعي وطني عالٍ، تعزّز من خلال تعليمه الثانوي، ما انعكس على تكوينه داخل أسرته ووسطه، كما تقلّد بعد الاستقلال عدة مناصب سياسية ووزارية.
وأشار إلى أنه، رغم هذه المسؤوليات، ظل بسيطًا وقريبًا من المواطن، حيث كان يُرى في حياته اليومية بين الناس، بلباسه التقليدي، يجالس أصدقاءه ويرتاد المقاهي مثل عامة الشعب، محافظًا على تواضعه وعفويته.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن هذا الرجل يُعد نموذجًا متكاملاً في البساطة والتواضع والنزاهة والرصانة والحكمة، داعيًا إلى ضرورة الاطلاع على مساره من خلال مذكراته الصادرة باللغتين العربية والفرنسية، لما تحمله من دروس لفهم تاريخ الجزائر وتعزيز حب الوطن .

ومن جهته٬ صرّح المجاهد بوعلام شريفي لجريدة بركة نيوز، أن المجاهد الراحل محمد السعيد معزوزي يُعدّ رمزًا من رموز الوطنية والجهاد، لما تحلّى به من خصال الشجاعة والصبر والإخلاص والروح الوطنية العالية.
وأعرب المتحدث عن أمله في أن تستلهم فئة الشباب من شخصية الراحل، وأن تتخذ من مساره النضالي قدوة، بما يعزّز روح الانتماء والاستعداد للدفاع عن الوطن.

