390

0

تحية للصمت الذي هزم النسيان

بواسطة: بركة نيوز

بقلم ضياء الدين سعداوي

لا، لا ينبغي السخرية منه. في زمن تقاس فيه القضايا بعدد المشاهدات، وتختزل المواقف في لقطات سريعة، كان ما فعله هذا المشجع فعلا سياسيا كاملا. لقد فهم، بحدس نادر، ان كرة القدم ليست دائما ترفيها جماعيا، وان المدرجات، حين تتجرد من الضجيج، قادرة على ان تتحول الى منابر اخلاقية تعيد مساءلة التاريخ.

ما جرى طوال تسعين دقيقة لم يكن استعراضا ولا بحثا عن بطولة فردية، بل تمرينا قاسيا على الذاكرة، ومقاومة صامتة في وجه عالم يتقن النسيان اكثر مما يتقن العدالة. جسد واقف، يد مرفوعة، وصمت محمل بما لا تحتمله الخطب ولا البيانات.

لم يرفع الرجل لافتة، لم يهتف، لم يتحرك. فقط وقف، واقفا طوال المباراة، مستحضرا صورة الزعيم الافريقي باتريس لومومبا. بذلك الصمت قال ما تعجز عنه اللغة الدبلوماسية: ادانة مفتوحة للجريمة الاستعمارية، واستدعاء لروح حاولت القوى الكبرى اغتيالها مرتين، مرة بالجسد، ومرة بالذاكرة.

في عالم مهووس بالضجيج، يصبح الصمت فعلا ثوريا. هنا لم يعد الجسد اداة تشجيع، بل وثيقة سياسية. الوقوف تحول الى موقف، واللا هتاف الى اتهام. تسعون دقيقة كانت كافية ليعود لومومبا حيا، لا بوصفه شخصا، بل باعتباره سؤالا اخلاقيا لم يغلق بعد: من قتل الحلم الافريقي؟ ومن تواطا؟ ومن لا يزال يصمت؟

لقد تجاوزت الرسالة المستطيل الاخضر، وبلغ صداها قلب الجزائر العاصمة، حيث يحمل شارع رئيسي اسم لومومبا، لا باعتباره رمزا مستوردا، بل جزءا من ذاكرة تحرر مشتركة. فالجزائر والكونغو لم تلتقيا في الجغرافيا، بل في الجرح ذاته: استعمار واحد باسماء مختلفة، ونهب واحد بواجهات متعددة، ومقاومة واحدة مهما اختلفت الساحات.

وكما سعت وحشية الاستعمار البلجيكي الى محو جسد لومومبا، حاول الاستعمار الفرنسي، على مدى اكثر من قرن، كسر روح المقاومة الجزائرية. المشروع واحد: كسر الارادة، اعادة تشكيل الوعي، وتحويل الذاكرة الى عبء. والنتيجة واحدة ايضا: الفشل.

إن الدعوة الى تكريم هذا المشجع ليست انفعالا عاطفيا، بل اعتراف بدور الفعل الرمزي في اعادة فتح الملفات التي اغلقت قسرا. ما جسده الرجل هو جوهر الفعل الثوري الذي مثله لومومبا: وحدة الكونغو، كرامة افريقيا، ورفض الوصاية. دفع حياته ثمنا لذلك، قتل تحت التعذيب، بتواطؤ العميل مويس تشومبي، في واحدة من اكثر الاغتيالات السياسية وقاحة في تاريخ ما بعد الاستعمار.

وللمفارقة، انتهت فصول خيانة تشومبي في الجزائر، حيث القي القبض عليه وسجن، ورفض الرئيس هواري بومدين تسليمه الى موبوتو سيسي سيكو رغم صدور حكم بالاعدام بحقه، في لحظة نادرة انتصرت فيها السياسة للاخلاق لا للصفقات.

تكريم هذا المشجع هو، في جوهره، تكريم لذاكرة افريقيا نفسها. تذكير بان الملاعب، مثل الشوارع، يمكن ان تكون ساحات اشتباك رمزي، وان الانتصار الحقيقي لا يقاس بعدد الاهداف، بل بالقدرة على استعادة المعنى حين يراد له ان يمحى.

هنا لم يفز فريق، هنا انتصر الصمت، وعاد لومومبا.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services