546787
3
مذكرات شاهد على سنوات الجمر الحلقة 126

بقلم اسماعين تماووست
كانت مهمتنا في ذلك اليوم تتطلب يقظة حادة وحذرًا شديدًا، فقد بلغتني معلومات عن تواجد إرهابيين مختبئين في أحد المنازل النائية، وكانت خطتي تتمثل في الذهاب بحجة شراء قطعة أرض قريبة من تلك المنطقة.
رافقني زميلي المفتش، بينما كان منصوري ملياني، ذاك الرجل الذي ظهر في المكان فجأة كالشبح، هو الإرهابي المشتبه به، الذي ارتبط اسمه بالعديد من العمليات المشبوهة.
ووسط هذا التوتر الشديد، بدى ذلك الارهابي الخطير هادئًا ومتحفظًا، وكأنه يحاول إخفاء نواياه الحقيقية خلف قناع ودود، لكن وراء هذا الهدوء كان يخفي الخداع والغدر.
في نفس الوقت الذي كنت أحدث فيه ذلك المجرم برفقة زميلي، لاحظت تحركًا خفيفًا وراء ستار النافذة.، ورغم عدم وجود أي ريح تبرر هذا التحرك، إلا أن هذا كان كافيًا ليؤكد لي وجود حركة داخل المنزل وأن المجرمين يترصدوننا من الداخل، للايقاع بنا.
في تلك اللحظة، تدافعت الأفكار في ذهني، وتذكرت الهجوم الشنيع الذي حدث على مدرسة الشرطة في البليدة في ليلة 25 أوت 1985.
كانت تلك الحادثة من أبشع الجرائم التي شهدتها البلاد في تلك الفترة العصيبة، حيث استغل الإرهابيون فترة التدريب وغياب التأهب الأمني التام لشن هجوم دموي، استهدفوا به أكاديمية الشرطة، وأطلقوا النار بلا رحمة، مخلفين وراءهم مشاهد من الدماء والدموع، ومسجلين جريمة لا تُنسى في ذاكرة الوطن.
ولكن، كان هناك شيء آخر يخالجني في تلك اللحظة، ففي ذهني كان يقين بأن الحرب على الإرهاب لم تكن مجرد مواجهة مع العنف، بل كانت معركة داخل النفس البشرية ذاتها، معركة بين الحق والباطل، بين الكرامة والذل.
هذه المعركة، التي قد يراها البعض مجرد صراع هي في جوهرها صراع فكري وروحي، قد يرتقي فيها الإنسان ليصنع العدالة أو يسقط ليغرق في وحل الظلم.
وبينما كانت الذكريات المظلمة لهذه الحادثة تتداعى في ذهني، كان العقل المدبر لتلك الجريمة الشنيعة بوياعلي مصطفى، حرا طليقا الذي كان أحد أخطر الإرهابيين في تلك الفترة.
لم يكن مجرد زعيم للجماعات الإرهابية، بل كان قائدًا خبيثًا يتنقل بين الجماعات، ويخطط لعمليات إرهابية تنفذ بأبشع الطرق.
فمع بداية حرب الإرهاب في الجزائر، لعب دورًا كبيرًا في تصعيد العنف من خلال تكوين خلايا إرهابية لتنفيذ عمليات اغتيال وتفجير وقتل جماعي، كان يهدف إلى إغراق الجزائر في دوامة من العنف والفوضى تحت ستار الدين، حيث كانت جهوده منصبة على تحريض الشباب على القتل وتنفيذ العمليات الوحشية.
وقد استغل حالة الاسترخاء الأمني في ذلك اليوم لكونه يوم عيد الأضحى، فجنّد جماعته الشريرة للقيام بهجوم مدروس على أكاديمية الصومعة دائرة بوفاريك ولاية البليدة.
كان الهجوم تحديًا كبيرًا للدولة، إذ استهدف قتل عناصر الشرطة لترويع كل من يفكر في الصمود في طريق الشر، وإرسال رسالة عبر تلك الجريمة مفادها أن الإرهاب قد أصبح أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله.
وفي خضم تلك الأحداث، ظهر الإمام ش/ عبد القادر، ذلك المنافق والمجرم الذي كان يشغل دورًا دينيًا في تلك المرحلة، وقد ساهم في تأجيج مشاعر الكراهية بين الشباب، لكنه لم يكن هو العقل المدبر لتلك الجريمة، بل كان ب/ مصطفى هو الذي خطط لكل التفاصيل بدقة، ليجعل من مدرسة الشرطة هدفًا حيويًا لجماعته في مسعاهم لزعزعة استقرار الدولة الجزائرية، اما الامام المزعوم كان مجرد أداة، بل دمية رفقة أتباعه لتحقيق رغبة زعيمهم المجرم.
وفي تلك الليلة المشؤومة، التي تزامنت مع عيد الأضحى، وقعت الجريمة الشنعاء. إذ قام الإرهابي ش/ عبد القادر، الذي كان قد تسلل إلى مدرسة الشرطة رفقة أعوانه من الإرهابيين المجرمين تحت قيادة كبيرهم ب/ مصطفى، فقام بقتل الشرطي المناوب في مدرسة الشرطة مستخدمًا سيفه بلا رحمة ولا شفقة.
انقض على الشرطي الذي كان في مناوبته في تلك الليلة المباركة، وقتله بدم بارد، تاركًا وراءه مشهدًا من الرعب والألم.
كانت جريمة بشعة باسم الدين، هل يمكن للشر أن يُخفي نفسه وراء شعارات نبيلة ويخدع العقول والقلوب؟ في تلك اللحظة، أضاءت في ذهني آية من القرآن الكريم "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" (البقرة: 9)، وكأنما هذه الآية كانت تلخص كل ما جرى، ذالك الخداع المزدوج، حيث حاول الإرهابيون خداع الله، ثم خدعوا أنفسهم، في حين كانت الحقيقة واضحة بالنسبة لنا.
لم تكن تلك الجريمة مجرد حادث عابر، بل كانت بمثابة جرح نازف في جسد الأمن الوطني، وشاهدة على حجم التحديات التي واجهتها الجزائر في تلك الفترة العصيبة. ومنذ تلك اللحظة، بدأنا في إدراك حقيقة أن الحرب على الإرهاب كانت أكثر تعقيدًا مما كنا نتوقع، وأن العدالة يجب أن تتبع خطوات سريعة وفعّالة لتقديم الجناة إلى محاكمات عادلة، رغم كل الصعاب.
وتلك اللحظة، كما قال الإمام علي بن أبي طالب: "إنما يعرف الحق بالرجال". وحقًا، كلما مضت الأيام، أصبحنا نعرف الحقيقة بشكل أعمق، ونعرف من هم الذين سلكوا الطريق الصواب، ومن هم الذين ضلوا الطريق.
أُزهِقت روح ذلك الشرطي بكل وحشية، ليلفظ أنفاسه الأخيرة في ساحة المعركة فاختلط دم الشرطي الشهيد بدماء أضاحي العيد، صورة جسدت المأساة في أبشع صورها لتظل ذكراه حية في قلوبنا.
من الواضح أن ما قام به زميلي أمام ذالك الإرهابي ونحن في طريق العودة قبل مغادرة المكان، كان بمثابة اكتشاف حاسم بالنسبة له. فور أن علم أن اسم «ملياني» كان قد تم ذكره في حديثنا، أدرك أننا كنا نبحث عنه.
كان هذا اكتشافًا مهمًا جعله يشك في أمرنا على الفور. لذلك، في بداية لقائنا، قدّمنا أنفسنا باعتبارنا مشترين لقطعة أرض مخصصة لبناء مسكن.
رغم ضنه أننا شرطيان، إلا أنه لم يُظهر أي رد فعل، بل بقي هادئًا جدًا، لم يتغير شيء في سلوكه، ولم يحرك ساكنا، بل كان ماكرًا كالثعلب، وبهدوء شديد أظهر صبرًا وحكمة نادرة، كان يتصرف بذكاء بالغ، ولم يكن هناك أي ارتباك في تصرفاته.
ثم، فجأة، وبهدوء لا مثيل له، أخبرنا أنه سيقوم بتمرير رسالتنا إلى الشخص المدعو ملياني...
هذا الشخص، الذي لم يُظهر أي نوع من أنواع الانفعال، كان هو نفسه، بشحمه ولحمه، نعم أحد أفراد المجموعة الإرهابية. وبأسلوبه العبقري، نجح في إخفاء هويته الحقيقية دون أدنى شك، وهذا ما كان من شأنه أن يؤدي إلى كارثة حقيقية لنا جميعًا.
كان هو الشخص الذي كنا نلاحقه في تلك اللحظة، قد عرف تمامًا كيف يكون هادئا وأظهر، قدرته على البقاء متحفظًا، مدركًا تمامًا حجم التهديد الذي قد يشكله ذكر اسمه، الذي تم تسريبه على لسان زميلي المفتش الذي كان برفقتي.
في تلك اللحظة، كان يعلم أن الصمت والحذر يمكن أن يكونا أقوى من أي رد فعل عاطفي، وهذا ما جعل مواجهته أكثر تعقيدًا وخطورة...
يتبع...