826
0
فلسطين: سردية الدم الذي لا يجف والأرض التي لا تموت

بقلم الحاج بن معمر
في عالمٍ يُحاول أن ينسى، تظل فلسطين جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الإنسانية، وشاهدًا على صمودٍ يتحدى الزمن، ليست مجرد أرضٍ تتنازعها الخرائط والسياسات، بل هي قصة شعبٍ يُصارع من أجل أن يبقى، ليس فقط فوق ترابها، بل في ضمير العالم الذي يبدو أحيانًا كأنه يُغمض عينيه عمدًا.
كل حجر هنا يحمل حكاية، وكل شارعٍ في القدس أو نابلس أو غزة يُردد صدى أصواتٍ لم تختفِ، رغم محاولات طمسها.
منذ بداية القرن العشرين، تحوّلت فلسطين إلى مسرحٍ لصراعٍ وجودي، بدأ بوعدٍ بلفور المشؤوم (1917)، الذي منح أرضًا لا يملكها لمن لا يستحقها، ومرّ بالنكبة (1948) التي حوّلت مئات الآلاف إلى لاجئين يشربون مرارة التشرد، وصولًا إلى احتلال ما تبقى من الأرض في حرب 1967، ثمّ إلى واقعٍ استعماري معقد، تُسيطر فيه إسرائيل على كل مفاصل الحياة، من الماء إلى السماء.
في القدس، المدينة التي تُنزف يوميًا، تُحاول إسرائيل تحويل الصراع إلى معركة دينية، لكن الحجارة التي يرميها الأطفال ليست سوى لغة أخيرة لمن سُلبت منهم كل اللغات.
هنا، حيث تُغلق أبواب الأحياء العربية بحجج أمنية، وتُهدم المنازل لبناء متاحف تروي رواية المحتل، يصبح الصمود فعلًا يوميًا: فتاةٌ ترفض تسليم مفاتيح بيتها المهدم، شيخٌ يُصلّي في شارعٍ مُحاصر خوفًا من اقتحام المسجد الأقصى، أمٌ تحمل جثمان ابنها بين ذراعيها لأن جنازته ممنوعة.
لم تكن غزة أفضل حظًا، فالقطاع المحاصر منذ 2007 يشبه جسدًا بلا رئة، يُحاول أن يتنفس عبر ثقب إبرة. الحروب المتتالية (2008، 2012، 2014، 2021) تركت جيلًا كاملًا يعاني من صدماتٍ نفسية لا تُحصى، وأطفالًا ولدوا ورأوا الموت قبل أن يتعلموا المشي.
تحت الحصار، تحوّل الإبداع إلى سلاح: طبيب يُنقذ حياة مريضٍ بآلة صنعها من خردة، طفل يبتكر نظامًا لتوليد الكهرباء من بطارية هاتف، شابة تُعلم الأطفال في خيمةٍ بين أنقاض مدرستهم. غزة لا تموت، لأن الحياة فيها تُبنى كل يوم من تحت الرماد.
الضفة الغربية ليست سوى نسخة أخرى من الكابوس، لكن بوجهٍ مختلف، المستوطنات التي تلتهم الأرض مثل السرطان، الجدار الفاصل الذي حوّل القرى إلى سجون مفتوحة، حواجز التفتيش التي تُذل الإنسان كأنه عدوٌ حتى وهو ذاهبٌ إلى مدرسته.
هنا، يُقاتل المزارع الفلسطيني بشجرة الزيتون، التي يرويها بدمائه لتبقى صامدة، بينما تُحاول الجرافات اقتلاعها لتمهيد الطريق للمستوطنين. الصورة الأكثر قسوة هي تلك التي تُجسدها قرية "خان الأحمر"، التي يُهدد سكانها البدو بالترحيل القسري منذ سنوات، لتحل محلهم حديقة ترفيهية إسرائيلية.
أما داخل إسرائيل نفسها، حيث يعيش فلسطينيو الـ48، فالمواطنة مجرد وهم. فالقانون القومي اليهودي (2018) يجردهم من حقوقهم كأقلية، ويُحولهم إلى غرباء في أرض أجدادهم. حتى اللغة العربية، التي كانت لغة رسمية، أُلغيت من القانون، وكأنهم يُحذفون من التاريخ.
العالم يتحدث عن "عملية السلام"، لكن أي سلامٍ هذا الذي يُبنى على أشلاء الأطفال؟ المفاوضات التي بدأت مع أوسلو (1993) لم تنتج سوى مزيدٍ من الاستيطان، والسلطة الفلسطينية تحوّلت إلى شرطيٍ تابع للمحتل.
التطبيع العربي الأخير، تحت مسمى "اتفاقات إبراهيم"، كان طعنةً جديدة للقضية، حيث باركت دول عربية الوجود الإسرائيلي مقابل وعود اقتصادية وأمنية.
لكن الفلسطيني، الذي تعلم من التاريخ أن الحق لا يُنتزع إلا بالمقاومة، يرفض أن يكون رقمًا في معادلة السياسة، مقاومته اليوم لم تعد تقتصر على الحجر أو السلاح، بل تحوّلت إلى إبداعٍ يخترق الحصار: أفلامٌ مثل "الجنة الآن" تصل إلى العالمية، موسيقى فرقة "دمعة" التي تُغني بالرصاص، رياضيون مثل محمد صلاح يُذكرون العالم بانتمائهم لفلسطين كلما سُئلوا.
حتى في منصات التواصل الاجتماعي، أصبح الشباب الفلسطيني سيدَ السردية، ينشرون يومياتهم بلسانهم، دون وسيط.
القضية الفلسطينية تطرح أسئلة وجودية على العالم: كيف نقبل أن تُقاس قيمة الإنسان بحدود بطاقته الهوية؟ أين الخط الفاصل بين الإرهاب والمقاومة المشروعة؟ لماذا يُدان الفلسطيني إذا دافع عن أرضه، بينما يُحتفى بالجنود الأمريكيين الذين "حرروا" دولًا على بعد آلاف الأميال؟
الفلسطينيون يعلمون أن معركتهم طويلة، لكنهم أيضًا يعلمون أن الأرض لا تُورث بالدم فحسب، بل بالذاكرة.
الجدة التي تحكي لحفيدتها عن قرية "اللد" المهجرة، والتي لم ترها قط، تُزرع فيها بذرة العودة. الابن الذي يُسمى "عائد" أو "أقصى" هو تصريحٌ بأن الأحلام أقوى من الموت.
في النهاية، فلسطين ليست مجرد مكان، بل هي فكرة. فكرة أن الظلم لا يمكن أن يكون مصيرًا نهائيًا، وأن الدم الذي يسيل من أجل الحرية لا بد أن يروي شجرةً ستثمر يومًا، قد يُسدل الإعلام ستائرَ من الصمت، وقد تُدار ظهور السياسيين، لكن الأرض هناك تئن تحت أقدام المحتل، وتهمس: "أنتم مؤقتون.. ونحن الباقون".