692

0

فالشيطان لا ينسى !

 

 

 

 

الدكتور محمد مراح

لاحظنا حالة من التسلية والترفيه على القارئ لدى بعض الصحف الوطنية بمشاركة أو نسخ أخبار فنانين او "مؤثرين" او إعلاميين و "إعلاميات"  عن مصادر إعلامية عربية قوية منخرطة حتى النخاع فيما حدث في سوريا منذ إنطلاق أحداثها عام 2011 إلى اليوم تبعا لمصالحها وتحالفاتها الإقليمية والدولية . وفي تفاصيل هذه الأخبار التي يكمن فيها الشيطان، تنداح التفاصيل والاصطفافات والقناعات لدى بعض صحفنا الوطنية إلى حد التماهي والإندماج مع التسليات "المسمومة" فتبدو طرفا أصيلا من أطراف ما يجري هناك في أرض الشام . إذا كان الأمر مفهوما بعض الفهم في بداية سقوط النظام السوري ، وإنحلال مؤسسته العسكرية، والإنخراط في نشر " صور" لا أخلاقية لرموزه، بحفاوة وسرور فاضح  لــ " قاتل شعبه" ، فإن مآلات الأحداث ومجرياتها الآن تؤهل المسألة السورية" لتكون أعوص وأعقد وأخطر مسألة في مناطق الصراع في العالم ؛ لتأهلها تاريخيا وحضاريا وجغرافيا وسياسيا لتمثيل منطق التماس الأعنف الثاني في نظرية هنتغتون " صدام الحضارات"  ممثلة الإسلام، إلى جانب الصين الممثلة  للكنفوشوسية .في مرحلة التدافع على كسب مؤهلات "ركنية" القوة والقطبية الدولية .

 لاحظنا أن ما اجتاح العالم العربي في العقد الماضى تحت عنوان " الربيع العربي" طال دول الحضارات الإنسانية الكبرى في منطقتنا العربية ؛ ربما لأن للحضارة العظيمة روح لا تفنى  كالعصعص أو عجب الذنب في الإنسان ، فتُخْشى حياة تلك الروح في دورة حضارية ما .

الحالة السورية أخطر أزمة في العالم العربي؛ لأنها مظلة " الشام" التاريخي بما فيه القدس الشريف ، وهذا أحد تفسيرات تفرّدها من بين الأزمات العربية المذكورة بِكَمِّ القوى العالمية والمحلية التي انغمست فيها و تزداد إنغماسا  وحلولا.

وللمسلم أن يتأمل بعض الرموز التي قد تنطق دلائلا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم : فإن كان إيوان كسرى انكسر، وناره إنطفأت عند مولده { هذه الإرهاصات محل قبول لدى بعض كتاب السيرة المحققين الأثبات النُّظَّار}  فقصور بُصْرى بالشام أرسلت أنوار إضاءاتها لأمه آمنة بنت وهب عند وضعه إرتفع ما بين السماء والأرض، وإصرار الصبي محمد على مصاحبة عمه أبا في طالب في رحلته للشام وهو  ابن اثنا عشرة سنة، وحفاوة الراهب بالقافلة على غير معتاده ، ونصحه أبا طالب بالرجوع بابن أخيه حذرا من الخطر الذي يحدق به من اليهود في الشام لو عرفوه . وتجارة محمد الأمين الشاب في مال خديجة الذي ذهبت أمانته بلبّ غلامها، فما بالك بالشاميين ممن تعاملوا معه في تلك الرحلة التي فتحت الباب لارتماء الأمين في حضن سيدة نساء قريش جاها وقدرا ومالا وعقلا ، الحضن الذي اتسع لاحتواء الدعوة في أصعب أوقات انطلاقها بأعظم قصة حب وحنان راشد .وثبات إمرأة ثبّتَتَ نبي العالمين مما نَصَّبَهَا على عرش الزوجة المثالية الأولى عبر التاريخ ، وبفضل الله كانت رحلة التجارة تلك دفق الحنان والرعاية الربانية للإنطلاق في دعوة التوحيد وحضارته الأبدية . وفي الشام كاد يُسْلِمُ قيصر الروم لما عرف من أبي سفيان خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : " إنه سيملك ما تحت قدمي الآن" وقال: " ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه" .

الرابط بين رمزيات هذه الوقائع في السيرة الشريفة : الفطرة و النور والعلم والتعايش بين الطوائف الدينية النزيهة، والإنتشار المعجز،  أو ركائز وأدوات وأسباب الحضارة الكبرى . ووقائع كثيرة في الفترة الراشدة من " الشاميات" تعضد هذا التفسير .

وقد نرصد نحن الجزائريين أمرا لا يسيغه غيرنا بل وكثير من متعجلينا ؛ فالشام {سورية ولبنان} حافظة تراث وفكر مالك بن نبي وارتباطاته أتباعا وصحبا مميزين ؛ دلالة هذا حضاريا ؛ حفظ الشام وتبليغه الفكر الحضاري العربي الإسلامي الأول عربيا في القرن العشرين وإلى الآن، دون نظير .

إذن فالمسألة الشامية مَعْقَدَ التحول العالمي ؛ في شقه المرتبط بالديانات السماوية الكبرى، لذا فمن السذاجة التفسح الصحفي في تضاعيفها بمشتهيات إعلامية أو روحية مضللة .

               لذا على الجهات المعنية لدينا  أنُ تُنَبِّه بصرامة صحفنا الوطنية بالتزام الحياد الكلي إزاء "الوضع السوري"؛ فَسُعَارُ "التخاطف الدولي" لا يُعلم مُسْتَهْدَفِيه ولا زمنه . ولا ننسى أننا كنا الدولة المستهدفة بعد سورية من الجهات الأصلية والوظيفية نفسها . وحالة الهياج الإعلامي ضدنا لما سقطت دمشق. فإن نسي بعضنا فالشيطان لا ينسى .

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services