27
0
المواطن بين تنوع العروض وفخ التبذير قبل رمضان

مع اقتراب شهر رمضان تتحول الأسواق الجزائرية إلى فضاء نابض بالحركة والازدحام حيث تتسابق الأسر لتأمين مستلزماتها للشهر الفضيل.
نسرين بوزيان
ويطلق المواطنون على هذه الفترة اسم "قضيان رمضان" وهي أيام ترتفع فيها وتيرة الطلب على المواد الغذائية وما يصاحبها من زيادات ملحوظة في الأسعار، إلى جانب اندفاع المستهلكين نحو العروض والتخفيضات التي يطرحها التجار.
تنافس شديد و عروض مغرية
في خضم هذه الحركية التجارية، يعد رمضان موسما حقيقيا للتنافس بين التجار الذين يسعون إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن عبر عروض مغرية على السلع الأكثر استهلاكا خلال الشهر، خاصة مكونات وجبة الإفطار اليومية.
غالبا ما يعتقد المستهلك أنه الرابح الأكبر من هذه التخفيضات، غير أن الواقع قد يكون مختلفا إذ تستنزف ميزانية الأسرة تحت تأثير الإفراط في الشراء، بينما يعوض التاجر هامش الربح من خلال ارتفاع حجم المبيعات.
بل إن بعض العروض قد تخفي أهدافا أخرى، كتصريف منتجات قاربت على انتهاء صلاحيتهاما يدفع الأسر إلى الإسراع في اقتنائها دون وعي كامل بدوافع التخفيض.
من جهة أخرى، ورغم وفرة المواد الأساسية في الأسواق، يواصل كثير من المواطنين التسوق المبكر خشية نفاد السلع، وهو ما يؤدي إلى اقتناء كميات تفوق الحاجة الفعلية ويزيد من احتمالات الهدر الغذائي.
كما أن تخزين المنتجات لفترات طويلة قد يعرض بعضها للتلف قبل استهلاكها، الأمر الذي يضاعف الأعباء المالية ويزيد الضغط على ميزانية الأسرة، لتتحول الوفرة أحيانا إلى عبء نتيجة سوء التخطيط في الاستهلاك.
مخطط استباقي لضمان وقوة المنتجات
في مقابل هذا السلوك الاستهلاكي، سارعت السلطات العليا إلى وضع مخطط وطني استباقي شامل يهدف إلى ضمان وفرة المنتجات لا سيما المواد الفلاحية، وتفادي أي اضطرابات في السوق مع التركيز على حماية القدرة الشرائية للمواطنين.
يتضمن المخطط توفير اللحوم الحمراء والبيضاء بكميات أولية تقدر بنحو 30 ألف طن، إلى جانب اعتماد نظام تفضيلي يعفي واردات الأغنام والأبقار الموجهة للذبح من الرسوم والاقتطاعات مع السماح باستيراد المواشي الحية عند ارتفاع الطلب، بما يضمن استقرار الأسعار وتوازن العرض والطلب.
في السياق ذاته، لضمان وصول المنتجات إلى المستهلكين بأسعار معقولة، جرى التنسيق مع مختلف القطاعات لفتح نقاط بيع تابعة عبر الولايات مع تسقيف هوامش الربح وإخضاع مختلف حلقات التسويق لرقابة دقيقة.
كما تم إشراك المتعاملين الاقتصاديين لتزويد الأسواق بكميات معتبرة من السلع واسعة الاستهلاك، بالتوازي مع تعزيز الرقابة التجارية وتجنيد أعوان إضافيين لمكافحة الغش وضبط السوق خلال الشهر الكريم.
وتعزيزا لهذه الجهود، أطلقت وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق شبكة واسعة من الأسواق الجوارية عبر التراب الوطني تضم نحو 560 سوقا بهدف تقريب المواد الاستهلاكية من المواطنين ، لضمان وفرة مستمرة في الخضر والفواكه واللحوم البيضاء والحمراء بأسعار مضبوطة وجودة عالية.

اجتماعات تنسيقية واشراك مختلف الفاعلين
في هذا الإطار، أوضح المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، فادي تميم في حديثه لـ"بركة نيوز" أن التحضيرات للإجراءات الاستباقية الخاصة برمضان انطلقت قبل أربعة أشهر كاملة، عبر سلسلة اجتماعات تنسيقية ضمت المتعاملين الاقتصاديين وجمعيات حماية المستهلك والاتحاد العام للتجار والحرفيين، مؤكدا أن أولوية هذه اللقاءات كانت ضمان الوفرة والتحكم في السوق.
مضيفا أن الوزارة استوردت كميات من اللحوم تفوق ثلاثة أضعاف الكميات المعتادة مع توفير كميات إضافية لضمان الوفرة قبل ثلاثة أشهر من رمضان، خاصة اللحوم الحمراء المستوردة تحسبا لارتفاع الطلب ، كما منحت المطاحن حصصا إضافية من السميد تتراوح بين 20 و40 بالمائة مقارنة ببقية الأشهر إلى جانب مضاعفة كميات زيوت المائدة، وهي إجراءات من شأنها تعزيز استقرار السوق خلال رمضان 2026.
وشدد تميم على أن نجاح هذه التدابير يبقى مرتبطا بسلوك المستهلك، إذ أن التهافت على الشراء واقتناء كميات تفوق الحاجة الفعلية قد يخلق ضغطا مصطنعا على السوق ويؤدي إلى اختلال مؤقت في التوازن بين العرض والطلب، فضلا عن تفاقم ظاهرة الهدر الغذائي بعد انتهاء الشهر.
مشيرا إلى أن التبذير لا يقتصر على مادة الخبز فقط، بل يشمل مواد استهلاكية عديدة تقتنى بكثرة قبل رمضان ثم ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات.
أما بخصوص تجميد اللحوم بأنواعها، شدد تميم على ضرورة التعامل معها بحذر مع تقسيمها إلى حصص صغيرة قبل التجميد، لتفادي المخاطر التي قد تنتج عن إعادة تجميدها بعد فكها، إذ قد تضعف جودتها وتشكل مخاطر صحية.
وأشار أيضا إلى أن انخفاض أسعار اللحوم في بعض السنوات بعد رمضان نتيجة فائض العرض، يبين أن السوق لا يعاني من ندرة هيكلية بل يتأثر بشكل أساسي بسلوك المستهلك وآليات العرض والطلب.
وختم المنسق الوطني للمنظمة الجزائرية لحماية وإرشاد المستهلك ومحيطه، فادي تميم، حديثه مشيدا بقرار تمديد فترة التخفيضات الشتوية إلى ما بعد عيد الفطر، معتبرا أن هذه الخطوة تندرج في إطار ترسيخ ثقافة تجارية تهدف إلى تنشيط السوق خلال المواسم والأعياد.
وأوضح أن هذه التخفيضات لا تمثل خسارة للمتعامل الاقتصادي، بل تشكل وسيلة ذكية لزيادة حجم المبيعات وجذب عدد أكبر من الزبائن، في حين أن رفع الأسعار خلال المناسبات يعد سلوكا يضر بالسوق والمستهلك على حد سواء.

