بقلم الحاج بن معمر
في عتمة السجون الإسرائيلية، حيث يُسرق الضوء ويُباد الزمن، تخرج الصحف الجزائرية من بين طيات الورق كجنودٍ مسلحين بأقلامٍ تكتب بدماء الأسرى، وتوثق أنينهم الذي يخترق القارات.
منذ عام 2011، لم تعد "جريدة الشعب" و"الأيام نيوز" و"الشروق" و"الإخبارية" و"المغرب الأوسط" و"الوسيط المغاربي" و"القائد نيوز" و"الحياة العربية" و"التحرير" و"الجديد اليومي" و"الحوار" و"المواطن" و"بركة نيوز" مجرد أسماء تُطبع على ورق، بل صارت منابرَ تُشعل نار المقاومة بقصصٍ تفضح جرائم الاحتلال.
في ملحق "صوت الأسير" الذي تُصدره "جريدة الشعب" أسبوعيًّا، تُنقل تفاصيلٌ تقشعر لها الأبدان: شابٌ يُربط إلى كرسي كهربائي لأنه رفض التخلي عن علم فلسطين، وطفلةٌ تُحرم من زيارة أبيها الأسير لأنها رفضت التوقيع على وثيقة تنكر حق عودتها إلى أرضها.
أما "الأيام نيوز"، فتحوِّل الزنازين إلى منصة رقمية عبر "خلف القضبان"، حيث تُبث فيديوهات مسربة لأسرى يروون كيف يُجبرون على شرب ماء ملوث بالبول، وكيف يُمنعون من الصلاة حتى ينسوا إنسانيتهم.
لم تكن هذه الملاحق مجرد صفحات تُقلَّب، بل كانت شهادات حية حوَّلها الإعلام الجزائري إلى سلاحٍ يهز الضمير العالمي. في "جريدة الشروق"، يُخصَّص ملحق "أبطال خلف القضبان" لنشر رسائل الأسرى المكتوبة بدماء الجروح، والتي تحكي كيف يتحول السجن إلى مختبرٍ للتعذيب النفسي: أسرى يُجبرون على الاستماع إلى أصوات أطفالهم وهم يبكون عبر مكبرات الصوت، وآخرون يُحرمون من النوم لأيام كي يعترفوا بجرائم لم يرتكبوها.
لم تكتفِ "الإخبارية" و"المغرب الأوسط" بنشر الصور، بل حوَّلتاها إلى أدلة إدانة عبر تقنية الواقع المعزز (AR)، حيث تتحول صورة الأسير إلى فيديو يُظهره قبل الاعتقال شابًّا مفعمًا بالحياة، وبعده هيكلًا عظميًّا يُصارع الموت بصمت. الأسرى أنفسهم يشهدون أن هذه الملاحق كانت خيط النجاة الوحيد من اليأس.
محمد النجار، الأسير المحرر من الخليل، يروي كيف كان السجانون يضربونهم بعصيٍّ كهربائية إذا ضبطوهم يهمسون بأخبار "ملحق صوت الأسير"، وكيف كانوا ينقلون القصاصات سرًّا كأنها ذخيرة: "كنا ندفنها تحت البلاط، نقرأها في الظلام، فكأنها قرآن جديد يمنحنا القوة".
أما ثامر سباعنة، الأسير المحرر الذي قضى 15 عامًا في السجن، فيقول: "ملحق 'خلف القضبان' جعل العالم يسمع صوتنا.. لقد حوَّل أنيننا إلى نشيد يُغنيه الملايين". لم تكن هذه الكلمات مجرد تعابير شكر، بل اعترافٌ بقوة الإعلام الجزائري الذي حوَّل الزنازين إلى منصة عالمية.
لم تكن المعركة إعلاميةً فحسب، بل قانونيةً وإنسانية، ففي "جريدة القائد نيوز" و"الحوار"، تحالفت الأقلام مع محامين دوليين لرفع دعاوى قضائية بتهمة "التعذيب الممنهج"، مستندةً إلى وثائق سرية من أرشيف الأسرى المحررين: تسجيلات لحراس سجن "عوفر" يتباهون بقطع الأدوية عن المرضى، وصور لأجساد مشوهة بالكي بالنار.
وفي الشارع الجزائري، حوَّلت "الوسيط المغاربي" و"بركة نيوز" القضية إلى ملكية شعبية: جداريات ضخمة لوجه الأسيرة إسراء الجعبري تملأ جدران العاصمة، وحملة "أسير في كل بيت" التي جعلت المواطن الجزائري يتبنى أسيرًا فلسطينيًّا عبر تبرعاتٍ بسيطة تُرسل إلى عائلاتهم.
هذه القصة لا تكتمل دون ذكر خالد عز الدين، المناضل الفلسطيني في سفارة فلسطين بالجزائر، الذي وصفه الأسرى بـ"الجندي المجهول". فهو الذي يزوِّد الصحف بوثائق تفضح انتهاكات الاحتلال، ويربط بين الصحفيين الجزائريين وعائلات الأسرى لكتابة تقارير تدمي القلب.
يقول السفير الفلسطيني في الجزائر: "الإعلام الجزائري لم ينقل المعاناة، بل أعاد تعريف الثورة.. هم لا يكتبون عنا، بل يكتبون بدمائنا".
في الختام، تُلخص "جريدة الشعب" الروحَ النضالية في افتتاحيتها: "الأسرى أحياء في ضميرنا.. ولن ننطفئ حتى يعودوا". هذه ليست مجرد كلمات، بل عهد من شعبٍ عرف ثمن الدم، يرفض أن يُدفن أبناؤه في صمت، فالإعلام الجزائري، بإصراره على كشف الحقيقة، يذكر العالم أن القلم قد يكون أقسى من الرصاص حين يكتب بدماء الأبرياء، وأن الكلمة قد تتحول إلى سلاحٍ يُحرر الأرواح من قيود الظلم.