391

0

عطاف: الذاكرة الإفريقية لم تنسى ما خلّفه الإستعمار، بل وتأبى النسيان

 
 
انطلقت صبيحة اليوم الأحد،  أشغال المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا بالمركز الدولي للمؤتمرات عبد اللطيف رحال.
 
كريمة بندو
 
المؤتمر الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا الذي تحتضنه الجزائر، يندرج ضمن مبادرة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون التى تبناها الاتحاد الإفريقي.
وألقى وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف الكلمة الإفتتاحية، وجاء فيها:
 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين

 

-        أصحاب المعالي والسعادة،

-        السيدات والسادة رؤساء الوفود المشاركة وممثلو الإتحاد الإفريقي ،

-        السيدات والسادة الخبراء القانونيون والمؤرخون والأكاديميون الأجِلاَءْ،

-        السيدات الفضليات، السادة الأفاضل، كُلٌّ بمقامِهِ ورفعةِ مكانتِه،

-        أيها الجمع الكريم،

 

1-          أهلاً بكم على أرض الجزائر، وطِبتُم وطابَ مُقَامُكُم بين أشقائِكم الجزائريين الذين يُرحبون بكم أيما ترحيب ويُقَدِّرُونَ أيما تقدير حِرصَكُم الكريم على الاستجابة لدعوتِنا والمشاركةِ في هذا المؤتمر الدولي الذي يُضفي عليه موضوعُهُ أهميةً خاصة.

 

2-          أحييكم جميعاً باسم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الذي ينعقد مُؤتمرُنا هذا تحت رعايتِه السامية، وبالتنسيق الوثيق مع مفوضية الاتحاد الإفريقي. فسيادةُ الرئيس عبد المجيد تبون كان له الفضلُ في طرح مبادرة تنظيم هذا الملتقى الدولي خلال القمة العادية الأخيرة للاتحاد الإفريقي مَطلعَ هذا العام، وهي المبادرةُ التي باركَهَا أشقاؤُهُ الأفارقة وزكَّوْهَا بالإجماع.

 

3-          نلتئمُ اليوم وإياكم في رحاب الموضوع المركزي الذي اختارهُ الإتحاد الإفريقي عنواناً لدورته العادية هذا العام، ألا وهو موضوع "العدالة للأفارقة وللأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي"، للخوض في غِمَارِ مسألةٍ محددةٍ بعينها، ألا وهي مسألةُ "تجريم الاستعمار في إفريقيا".

4-          ونحن نخوضُ في غِمَارِ هذا الموضوع، يصعب علي ألاَّ أذكر أو أتذكر ما جاء على لسان أحد مفجري ثورة نوفمبر فوق هذه الأرض، الشهيد ديدوش مراد الذي ترك لنا وصيةً خالدةً خلود الشهداء، لا يزال وقعها ينبض فينا إلى هذه الساعة: "إن سقطنا في ساحة الوغى، فالدفاع عن ذاكرتِنا أمانةٌ مِنَّا في أعناقكم".

 

5-          نلتئم لِنَقْتَفِيَ من أَثَرِ أسلافنا هؤلاء، أسلافُنا الذين ثبتوا ورابطوا وقاوموا وانتصروا، أسلافُنا الذين حَوَّلُوا المقاوماتِ إلى ثورات والثوراتِ إلى ملاحم والملاحم إلى معجزات، وأسلافُنا الذين حرروا الأراضي والأوطان ورفعوا عن الشعوب قُيُودَ العبودية والاضطهاد.  

 

6-          نلتئم لا لِرِثاء الماضي، ولا لارتِهَانِ الآلام، ولا لإذكاء الأحقاد، بل لإحقاق الحقوق، وتسمية الأمور بمسمياتِها، وإلزام العالم بمسؤولياتِه.

 

7-          فقارتنا قد أيقنت، ويقينُها عَيْنُ الحق والصواب، أن معالجةَ رواسبِ الاستعمار صارت أمراً حتمياً لمواصلة شق الطريق بحزم وثبات نحو بناء المستقبل الذي يَنْشُدُهُ بناتُ وأبناءُ إفريقيا في كنف الكرامة والعزة والعدل والإنصاف.

 

8-          وبإطلاقِ مشروعِ إحقاقِ العدالةِ التاريخية هذا، فإن إفريقيا تؤكد أن مسيرتَها النضالية متواصلة:

 

-        طالما استمرت محاولاتُ طمسِ التاريخ وقلبِ الحقائق وتزييفِ الوقائع،

 

-        وطالما أن جرائمَ الاستعمار لم تحظى باعترافٍ صريحٍ ومسؤول،

-        وطالما أن الظاهرةَ الاستعماريةَ بحد ذاتها لم تَنَلِ النعتَ الذي يُظهرها في سجلات القانون الدولي على حقيقتِها المَقِيتَة والمُشينة، كجريمةٍ لا تقبل التقادم، أو التغاضيَ، أو التناسي.    

 

-        فواقعُ الاستعمار أنه تسبب في كُسوفٍ أخرجَ أُمَمَنَا من تاريخ البشرية وحرمَها من الإسهام في صُنعه. ففي ظل مسيرة البشرية نحو التَّمَدُّنِ والتَّحَضُّرْ، مَثَّلَ الاستعمار الانتكاسة الكبرى والتراجع الأكبر في هذه المسيرة.

 

-        وواقعُ الاستعمار أنه أوقف مسارَ بناءِ دولنا الوطنية وَحَرَمَنَا من استكماله على النحو الذي يُمَكِّنُ شعوبَنا من بسط سيادتِها مُطلقةً على صنع مصيرها.

 

-        وواقعُ الاستعمار أنه لم يكن أبداً مهمةً حضارية، بل كان في تمامِ وكمالِ مشروعه سطواً ونهباً وافتراساً.

 

-        وواقعُ الاستعمار أنه جمع قبل الأوان أمهاتِ الجرائم المُدَانَةِ اليوم في كل ربوع المعمورة: جريمةُ العدوان، والجريمةُ ضد السلم، والجريمةُ ضد الإنسانية، وجريمةُ الحرب، وجريمةُ الإبادة.

 

9-          من هذا المنظور، فإن رهانَ البعض على اندثار الذاكرة الإفريقية الجماعية وتلاشيها على مَرِّ الأزمنةِ وتعاقبِ الأجيال هو رهانٌ خاسرٌ لا محالة:

 

-        فالذاكرةُ الإفريقية الجماعية لا تنسى أن زمنَ الأنوار أو التنوير الذي أضاء ربوع أوروبا في غضون القرن الثامنِ عشر،  قد ألقى على إفريقيا غَمَامَةً قاتمةً من الظلم والقهر والاستبداد، عبر الاستعمار.

 

-        والذاكرةُ الإفريقية الجماعية لا تنسى أن أوروبا التي خرجت من ظُلُمَاتِ القرون الوسطى لتدشينِ عَصْرِ نهضتِها، قد بَثَّتْ في إفريقيا نَقِيضَ ما بَشَّرَتْ به، فحملت إليها جوراً ما بعده جور، عبر الاستعمار.

 

-        والذاكرةُ الإفريقية الجماعية لا تنسى أن الاستعمار كان الشرارةَ التي أوقدت إقصاءَ إفريقيا من كل الثورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعلمية والاجتماعية، تلك الثورات التي تمتعت بها وانتفعت منها باقي البشرية.

 

10-       وبالفعل، فإن الذاكرة الإفريقية لا تنسى، بل وتأبى النسيان:

 

-        كيف لها أن تنسى ما خلفه الاستعمار في الكونغو من إبادة نصف السكان واستعباد بقيتهم؟  

 

-        وكيف لها أن تنسى ما خلفه الاستعمار في الكاميرون من إبادةِ شعبِ الباميليكي (bamiléké)  وجرائمَ يَنْدَى لها الجبين من حرقٍ للقرى، وقطعٍ للرؤوس، وتجاربَ بالغازات السامة؟

 

-        وكيف لها أن تنسى ما خلفه الاستعمار من إبادة شَعَبَيْ "الهيريرو والناما" في ناميبيا؟

 

-        وكيف لها أن تنسى ما خلفه الاستعمار من قمعٍ وقتلٍ وتهجير في أنغولا وفي موزمبيق وفي مدغشقر، وفي بقية الأقطار الإفريقية التي طالتها أيادي المستعمر الآثمة، أو بالأحرى أيادي المستدمر المُتجبر ؟

 

 

11-       وفي صميم هذه الذاكرة الجماعية، تحتفظُ قارتُنا بِمِحْنَةِ الجزائر المريرة كنموذجٍ نادرٍ قَلَّ مثيلُهُ في التاريخ ماهيةً وطبيعةً وممارسةً. فالاستعمار الفرنسي في الجزائر لم يكن من قَبِيلِ ما يمكن تسميتُهُ بالاستعمار الاستغلالي، بل كان استعماراً استيطانياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى:

 

-        استعمارٌ أرادَ ضَمَّ وطنِ غيرِه لوطنه الأم غَزْواً وعُدواناً،

 

-        واستعمارٌ أرادَ إحلالَ شعبٍ له على مذبحِ شعبٍ آخر،

 

-        واستعمارٌ أراد محو أمة بأكملها من الوجود، بمكوناتِها، وأنظمتِها، ومؤسساتِها، وهويتِها، وثقافتِها، ودينِها، بل وحتى لغتِها.

 

12-       لقد كان هذا المشروع الاستعماري أطول وأعنف مشروع استعماري استيطاني في التاريخ الحديث ! مائةٌ واثنانِ وثلاثونَ عاماً من الاستعمار! ومائةٌ واثنانِ وثلاثونَ عاماً من المقاومة الجزائرية دون انقطاع ! ومائةٌ واثنانِ وثلاثونَ عاماً من الجرائم الاستعمارية الفرنسية بكل أصنافها، دون هدنة، ودون رحمة، ودون وَرَعْ !

 

13-       إِنَّ كُلَّ شِبْرٍ من هذه الأرض الطاهرة شاهدٌ على فظاعةِ وَقَسْوَةِ وجبروتِ المستعمر الفرنسي، بدءاً بمرحلة الغزو التي امتدت لأكثر من سبعةِ عقود، ومروراً بمرحلة المقاومات الشعبية المنظمة، ووصولاً إلى ثورة التحرير المظفرة، ثورة نوفمبر، التي دامت سبعَ سنواتٍ ونصف، وهي الثورة التي قدمت عَبْرَهَا الجزائر خيرة أبنائها وبناتها، مِليون ونصف مِليون من الشهداء، قُرْبَاناً على مِحْرَابِ الحرية والكرامة.

 

14-       من مجازر الغزو التي لازمت كُلَّ تحركاتِ المستعمر الفرنسي منذ بداية حملته الاستعمارية سنة 1830، إلى مجازر الزعاطشة سنة 1849، إلى مجازر الأغواط سنة 1852، إلى مجازر القبائل سنة 1857، مروراً بسياسة الأرض المحروقة لكسر المقاومة وقاعدتها الشعبية، وكذا سياسة النهب ومصادرة الأراضي والممتلكات ومنحها للمستوطنين الأوروبيين، دون إغفال النظام التمييزي والعنصري لقانون الأهالي بين سنتي 1881 و1945،  وصولاً إلى مجازر 8 ماي سنة 1945، وما شهدته بعد ذلك الثورة التحريرية بين 1954 و1962 من إبادات جماعية، ومن مجازر منظمة، ومن حملاتٍ عسكريةٍ للتجميع والترحيل، وهي الحملات التي بلغ عدد المرحلين فيها بين 2 و3 مليون جزائري، أي ما يعادل إذاك ثُلُثَ عدد السكان.

 

15-       كُلُّ هذا غَيْضٌ من فَيْضْ، غيضٌ من فيضِ الأهوالِ التي شهدتها الجزائر طيلة فترة الاستعمار الفرنسي. وإلى يومنا هذا، تحملُ الصحراء الجزائرية في ذَرَّاتِ رِمَالِها نُدُوبَ التجارب النووية الفرنسية التي لا تزال رواسبُها تُلْقِي بانعكاساتٍ مُدمرةٍ على الإنسان وعلى البيئة على حدٍّ سواء. 

 

16-       من منطلق تجربتها المريرة هذه، فإن الجزائر تتماهى وبصفة كلية مع المقاصد الجوهرية التي حددها الاتحاد الإفريقي لمبادرةِ إحقاقِ العدالةِ التاريخية هذه:

 

-        فلإفريقيا الحق كل الحق حين تُطالب بالإعتراف الرسمي والصريح بالجرائم المُرْتَكَبَة ضد شعوبها خلال الحقبة الاستعمارية، لأن الاعتراف هو أضعفُ الإيمان وأَقَلُّ ما يمكن أن تنتظرَهُ في أول خُطوةٍ ضروريةٍ لتمهيد الطريق نحو معالجة رواسب هذه الحقبة التي لا تزال الدول والشعوب الإفريقية تدفعُ ضريبةً باهضةً نظيرَ ما تكبدته من إقصاءٍ وتهميشٍ وتخلف.

-        ولإفريقيا الحق كل الحق حين تُطالب بتجريم الاستعمار تجريماً قانونياً دولياً لا لُبس ولا غموض فيه، لأن الاستعمار وكما وصفه بذلك المناضل والمفكر والكاتب الجزائري فرانتز فانون " ليس آلةً تُفكر ولا جسداً يَعْقِلْ، بل هو  عُنْفٌ في صورته الطبيعية". ومثلما قامت المجموعة الدولية بالأمس بتجريم الاسترقاق والممارسات الشبيهة بالرق، وكذا تجريم الفصل العنصري، فقد حان الوقت لتجريم الاستعمار بذاته بدل الاكتفاء بتجريم بعض ممارساتِه ومخلفاتِه.

 

-        ولإفريقيا الحق كل الحق حين تطالب بالتعويض العادل واستعادة الممتلكات المنهوبة، لأن العدالة لا تكتمل بالخِطَابَاتِ الجوفاء، والوعود الباطلة، وحسن النوايا الرومنسية، ولأن التعويض ليس صَدَقَةً أو مِنَّة، بقدر ما هو حق مشروع تَكْفُلُهُ جميعُ القوانين والأعراف الدولية.

 

17-       أجل، حان وقتُ تصفية رواسب الاستعمار في مختلف أبعادِها وتجلياتِها. لكن في ذات الحين، يجب ألاَّ نتغافل عن حتمية تصفية الاستعمار بحد ذاته تصفيةً نهائية. ولأشقائنا في آخر مستعمرة في إفريقيا، الصحراء الغربية، أصدقُ عبر التضامن والدعم وهم يتمسكون بإحقاق حقهم الشرعي والمشروع في تقرير المصير، على النحو الذي أكدته ولا تزال تؤكده الشرعيةُ الدولية والعقيدةُ الأممية في مجال تصفية الاستعمار.

 

18-       وكذلك الأمر بالنسبة لأشقائنا في فلسطين، في غزة، وفي الضفة الغربية، وفي القدس المحتلة. لهم جميعاً نؤكد ثباتَ إفريقيا على قول زعيمها الراحل نيلسون منديلا، بأن حريتنا كأفارقة تظل منقوصة دون حريةِ فلسطين.

 

19-       إن ما يجمعنا اليوم ليس شعاراً نَرْفَعُهُ، بقدر ما هي أمانةٌ في أعناقنا جميعاً، أمانةٌ لا نملكُ غير تأديتِها، آمرةً، مُلزمةً، كاملة.

 

20-       إنها أمانةُ الأمير عبد القادر، أمانة نيلسون مانديلا، أمانة باتريس لومومبا، أمانة أميلكار كابرال، أمانة كوامي نكروما، أمانة جومو كينياتا، أمانة سام نجوما، أمانة أغوستينو نيتو، أمانة سامورا ماشيل، أمانة سيكو توري، أمانة جوليوس نيريري، وأمانة لحبيب بورقيبة، وأمانة غيرهم من القامات الإفريقية التاريخية، مناضلي الحرية والعدل والكرامة، بُناةُ أمجادنا وعزَّتِنا.

 

21-       فلنكن بحق أهلاً لهذه الأمانة، وأهلاً لتضحياتِ كل أسلافنا الميامين، وأهلاً لكتابة فصلٍ جديد يُنصفُ تاريخَنا ويُشَرِّفُ ويُضيءُ مُستقبلَنا.

 

22-       شكراً على كرم الإصغاء، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services