75
0
علامات تطور المجتمعات ورقيها الحضاري...الفرد هو الأساس
.jpg)
بقلم مسعود قادري
تظهر علامات رقي المجتمعات من خلال سلوك أفرادها في الحياة واحترامهم للقواعد العامة التي تنظم المجتمع في كل المجالات.
وقد ركزت الديانات السماوية والوضعية القديمة والحديثة وعلى رأسها الدين الإسلامي على ضبط مجموعة من القيم الثابتة التي تحدد السلوك العام والأخلاق التي تربط علاقات البشر مع بعضهم وبغيرهم من الكائنات الحية ـ وحتى الجماد ـ وتنير درب الفرد والجماعة، فكانت هذه القيم بمثابة الإطار الدائم التي تتحرك فيه كل أمة لتبني نفسها وتحافظ على بقائها ومكانتها بين الأمم .
.. فقد جاء في السيرة النبوية الشريفة قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .."
وقد مدح الله نبيه الكريم في كاتبه العزيز بقوله : " .. وإنك لعلى خلق عظيم .." والأخلاق بطبيعة الحال ليست محددة بسلوك واحد أو اثنين وإنما هي مجموعة متكاملة من الممارسات الفاضلة ـ القولية والفعلية ـ التي يبديها الفرد وتنعكس على حياته وحياة غيره.. والبداية بالتحية وإلقاء السلام ورفع الأذى من الطريق ومساعدة الآخرين وتجنب كل ما من شأنه الإساءة للغير إلخ..إلى غير ذلك من السلوكيات التي يستفيد منها المجتمع قبل الفرد وتكون مسلكا يدمج الأخلاق الفاضلة في الحياة فتتحول إلى ثقافة اجتماعية تساهم في رقي البلد وترفع شأن ساكنته بين المجتمعات ..
. فالأخلاق التي اكتسبها العرب من الدين حددتها القواعد الشرعية التي وردت الكتاب والسنة وجعلت المسلم يعرف حدوده في الحياة ويفرق بين الواجب المفروض عليه نحو الأمة وحقها عليه، وبالمقابل واجب الأمة نحو افرادها، وقد تكرست التعاليم الشرعية من خلال التزام الأفراد بها وتجسيدها حرفيا حتى صارت دستورا يمشي به الناس في الحياة ، وهذا ما مهد السبيل لانتشار الإسلام وقيمه في العالم عبر الحقب والعصور وما مكن الجيوش الإسلامية من الفتوحات العظيمة التي حققتها في بقاع الأرض ليس بقوتها العددية وعدتها ولكن بقوة إيمانها وأخلاق قادتها و ومجاهديها في المعاملة مع غيرهم ، فكانت الفتوحات الكبيرة بفضل السلوك الحسن والأخلاق الفاضلة التي يتمتع بها الفاتحون وليس بقوة سلاحهم أو عددهم .
لقد فتح المسلمون القلوب بما يحملونه من قيم وأخلاق قبل فتح الأمصار التي تمسكت بهذه القيم والأخلاق فسادت في العالم لعدة قرون قبل أن تطالها سياسات الجهل والتحريف والتخلي عن الروح الحقيقية التي حملت الأمة إلى قمة المجد والسؤدد ، فأوقعتها في فخ التخطيط اليهودي النصراني ومن سار على دربهم ـ في المكر والكيد لأمة الإسلام تنكرا وجحودا لكل ما قدمته للعالم بفضل أخلاقها ونبلها ودورها الرائد في نقل ثقافة الحضارت السابقة ومساهمتها في تطورالحضارة الإنسانية فكانت المنارة التي أضاءت الطريق للحضارة العصرية بما اكتشفته من أسرار العلوم وما أخترعه علماؤها من نظريات وقواعد في مختلف فروع المعرفة التي يتبناها العالم الغربي اليومي وينسى فضل الحضارة الإسلامية فيها .. فالأخلاق هي المنظر والمحرك والدافع لكل تطور ورقي .. وقد أحسن أمير الشعراء " أحمد شوقي"رحمه الله في تلخيص كل ما يمكن أن يقال عن فضل الأخلاق على الأمم ببت شعري مستنبط من العقيدة والتجارب الإانسانية بقوله :
" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا ..؟
فأين نحن من كل هذا ؟.." وقد أصبحت بلداننا التي كانت قدوة ومثلا للاقتداء في كل مجالات الحياة ، دارت الدائرة على امتنا فصارت مثار السخرية والإهانة عند شعوب العالم التي اقتبست منها مظاهر التحضر وكيفتها وفق دياناتها وتقاليها فارتقت بها في سلم المجد المادي على الأقل أصبحت به نموذجا لغيرها فامتازت حياتها بمظاهر سلوكية تبدي مدى التزام الفرد بأخلاق أمته ومجتمعه وتبرز السلوك الظاهر لكل مواطن في بيئته ومحيطه ..
قبل التعرض لمجموعة ملاحظات واقعية مستنبطة من الحياة العامة في بلادنا وفي غيرها من الدول الغربية والعربية التي سمحت لنا مهنة الصحافة بزيارتها خلال عقود السبعينات والثمانينات وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي والوقوف على نمط الحياة الظاهر على الأقل من خلال السلوك العام وتنظيم الحياة واحترام المواطن لقواعد الحياة في بلدها والحفاظ على علاقاته مع مواطنيه ومحيطه .. .
الملاحظة الرائدة التي لم يقتنع اليهود والنصارى بها مع علمهم التام بحقيقتها وإدراكهم لها،هي أن الدين الإسلامي الذي أسس لحضارة عريقة متكاملة انطلاقا من العدم لم تكن وسيلته لا السيف ولا البندقية والدبابة والطائرة... للتوسع والانتشارـ ولو كان كذلك لارتدت الكثير من الأمم عنه وعادت إلى حضارتها العريقة في القدم ، بل لصدق القيم الإسلامية ونبل مصدرها الرباني الخبير بشؤون البشر وأحوالهم عبر لأزمنة والعصور إلى ان يرث الله هذه الأرض ..
البيان فيما أقول عن انتشار الإسلام بفضل قيمه هو استحواذه على القلوب والأرواح قبل الأراضي والممتلكات و تواجده في أقصى بقاع الأرض بأمصار لم تصلها جيوش الفتح الإسلامي لكن السلوك والقيم الأخلاقية التي نقلت عن طريق التجار المؤمنين مع بضاعتهم المادية وسلكوا إلى أهل البلاد التي وصلوها ، جعل منهم قدوة وعبرة اهتدت بها شعوب كاملة عبر العصور ..
لم يسجل المؤرخون أن جيوشا إسلامية فاتحة وصلت غرب إفريقيا وشرقها أو شرق آسيا لينطلق دعاة الحضارة الغربية المادية منها ويلصقوا بحضارة الإسلام مالم يكن ولن يكون منها كالعنف وما يسمونه حاليا الإرهاب الذي خصصت له الدول الغرب ميزانيات ضخمة لتكوين الجماعات المفترية والمنتسبة للإسلام ظلما وعدوانا مهمتها التفنن في تنفيذ مخططات الفتن الغربية لضرب الإسلام في العمق و تشتيت أمته بالتقليل من قيمها والسعي الحثيث للوقوف ضد وحدتها واستعادة عافيتها ومكانتها خوفا من نهضتها وهيمنتها على العالم بعدلها بين البشر وقيمها الروحية والأخلاقية الفاضلة التي يفتقدها المواطن الغربي في أي دولة من دوله التي اتجهت للحياة المادية البدائية التي لا تفرق بين البشر والبهائم..؟ ..
نعود إلى صلب موضوعها وعرض بعض الملاحظات الواقعية والنظرية التي هي من اصل حضارتنا لكننا افتقدناها في حياتها واستولت عليها أمم أخرى فصرنا ننسبها لها وينسبون عكسها لنا من ابرز هذه الملاحظات ما نعايشه يوميا في كل مرافقنا ومجالات حياتنا منها
أولا في أماكن العبادة ( المساجد بالدرجة الأولى ) :
سنشرع في التحسن والعودة لطبيعة حياتنا الروحية والعامة ، عندما تستعيد أماكن العبادة قدسيتها واحترامها الذين لم يكن أي احد يتجرأ على المس بها ولو كان من أكبر الغلاة الملحدين والمتهورين ، فكانت مقرات للأمن والأمانة والطمأنينة والنقاوة والطهارة رغم طبيعة عمرانها البسيط وقلة حراسها ( سابقا بالطبع ..)، لكن لا أحد يتجرأ على الاقتراب من بيت الله ومس حرمته ..
مع ارتفاع عدد مساجدنا ـ والحمد لله ـ وزيادة عدد المحسنين الذين يتكفلون بالبناية الحديثة والتجهيزات الرفيعة والفرش الوفيرة، كانت السلوكات العامة نقيض ذلك تماما، فقد أصبحت بيوت الله مثلها مثل بقية المباني تتعرض للسرقات في أـبسط الأمور ومنها السرقات التافهة للأحذية وبعض الأمور الخاصة بالمصليين..؟ !...
سنشعر بالتطور التدريجي عندما يسهر كل مصل على تنظيف بيوت الوضوء و الطهارة بعد قضاء حاجته والعناية بالحنفيات وكل محتويات بيوت الوضوء . ففي الغرب الذي نأخذ منه المثل ـ مع الأسف ـ ليست لهم فرص النظافة والطهارة كما هو حالنا ، نتوضأ خمس مرات في اليوم ـ على الأقل ـ لكنهم يهتمون كثيرا بأمور النظافة في المرافق العامة بالخصوص ويحرسون على تشريف أنفسهم وبلدانهم من خلال نظافة الأمكان العامة التي يستعملها كل عابرسبيل أو سائح ويحكم على سلوك المواطنين من خلال عنايتهم بهذه المرافق ..
فالأولى أن تكون مرافق العبادة أطهر وأنظف.؟ !... .
عندما يستعيد المسجد قدسيته وحرمته ويتحرر من عمل اللصوص الذين استباحوا هذه الحرمة وصاروا لا يتركون أي شيء في المسجد ذو قيمة، سنقول حينما أننا في الطريق السليم للتطور والتمسك بالتعاليم الدينية والتوجيهات التربوية والسلوك المدني الجيد ..
عندما تبعد المشاحنات و الملاسنات والكلام الفارغ عن المسجد، سنتطور أكثر عندما يحافظ كل داخل لبيت الله على أخلاقه وآدابه، سنضع الرجل الأولى على طريق العودة لجادة الصواب ويصبح مسجدنا كما كان ليس مكانا للعبادة فقد ، بل ملجأ للراحة النفسية والأمن والأمان ، مرتعا لطلبة العلم والمعرفة ومقصدا لكل من يريد الخير لنفسه ولغيره ..
عندما يستعيد المسجد سكونه وهدوءه قبل الصلاة وبعدها ولا يتحول إلى ما يشبه السوق عقب كل صلاة دون مراعاة لمن يذكرالله او يتلو القرآن أو يستفسر عارفا بالدين ، عندها ندرك أن المسجد عاد لسابق عهده .
في الحي والمحيط عامة :
ـ أول ما سيظهر تحسن علاقاتنا مع محيطنا ، هو اقتناع المواطن بان نظافة بيته وحرمته جزء من نظافة محيطه. فيبدي نفس الاهتمام بذلك كما يفعل مع بيته الذي يحب أن يراه ضيوفه مثاليا في النقاوة والجمال والترتيب فكذلك الحال بالنسبة للمحيط الذي هو بيته المفتوح على العالم والذي ينتظر من كل ساكنيه :
ـ احترام مواعيد إخراج الفضلات المنزلية ، تقديرا للمارة وخصوصا لعمال النظافة الذين هم من يصحح اخطائنا مع البيئة ويعيدون للمحيط جماله وحرمته الظاهرة على الأقل لفترة .
ـ احترام حريات الآخرين بمراقبة كل فرد لسلوكه في الشارع والسوق و المتجر والعيادة وغيرها ..
ـ احترام الأولوية في انتظار المواعيد سواء عند الحاجة لسيارة أجرة أو في موقف حافلة ، في البريد ، في العيادة ـ إلا ما كان عاجلا ولا يتحمل الانتظارـ حتى في المطاعم وأمان الأكل .. وهذا ما يعلمنا الصبر وتقدير الآخرين وعدم التجاوز والاقتداء بالشعوب المتحضرة خاصة باللجوء إلى القراءة ـ من خلال حمل كتاب أو في الهاتف التي صار يوفر كل مايطلب منه من علوم ومعارف واتصالات وأخبار و.. وهو ما يشغل الواقف في أي صف انتظارا لدوره في الخدمة بطريقة حضارية .؟ !..
ـ إعطاء الأولوية للكبار والصغار والحوامل والمرضى في كل المواطن " من لا يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا (حديث شرف) خاصة في وسائل النقل الجماعية وأماكن الخدمات العامة ..
احترام قوانين المرور حفاظا على حياتنا وحياة الآخرين سواء بالنسبة للسائقين الذين يبالغون في السرعة ، قلة الاهتمام بصيانة المركبة ،احترام أماكن التوقف الإجباري ومنها الخاصة بعبور الراجلين ، المناطق العمرانية ، التجاوزات الخطيرة في المنعرجات والمنحدرات وكل الأماكن التي يمنع فيها التجاوز، عدم استعمال الهاتف النقال أثناء السياقة .. كل هذا سيخفف عنا حوادث المرور التي تفتك يوميا بأرواح عشرات المواطنين وتسبب آلاف العاهات الوقتية والمستديمة للبشر بالإضافة إلى ماتخلفه من آثار اقتصادية رهيبة .. وبطبيعة الحال، فإن احترام قوانين المرور وتجنب مخاطر الطريق هو أيضا سلوط حضاري راقي لايعني السائق وحده بل الراجل له دور رئيس في ذلك بـ:
ـ احترام ممرات الراجلين ، إشارات المرور وألأضوار الخاصة بالعبور في مفترقات الطرق الكبيرة والصغيرة .
عند مرافقة الأطفال ، ضرورة احترام القانون ووضع الطفل دائما على يمين الطريق تفاديا لأي طاريء وأي تصرف بريئ يقوم به الطفل ويسبب له خظرا غير منتظر من مرافقه ..
في المحيط التربوي عامة :
ـ تقديس أماكن طلب العلم من : المدرسين والمكلفين بالتربية عامة في المدرسة و أولياء التلاميذ ليكونوا قدوة للتلاميذ الصغار ـ
احترام المدرس من الولي قبل الطفل الذي سيقدرمعلمه ومعلمته عندى يلاحظ تقدير والديه له .
تنظيف المحيط المدرسي بانتظام ، تجنب الكلام البذيء بإبعاد المراهقين المتهورين عن المحيط التعليمي حتى لايشيعوا بعض الألفاظ البذيئة المتداولة بينهم ـ وهو أمر شائع في محيطنا ــ بين الأطفال فيتلقوه ببراءة ..
تجنب أي نوع من الخلافات على مرأى ومسمع من الأطفال سواء بين المدرسين أو بينهم والأهالي .
في المحيط العام :
يجب ان يسترجع المحيط العام دوره في التربية والتو جيه وتفادي السلوكات المنافية للأخلاق بمساهمة ساكنة الحي من الجنسية وتفعيل شرطة الأخلاق لتضع حدا لسلوك الكثير من المتهورين في المحيط الذين يفرقون العائلات والأصدقاء من كثرة الكلام الفاحش الذي يعتبر في بلادنا من ألأمور الشائعة المتداولة بين فئات كثيرة من السكان ـ كبارا وصغاراـ في الأماكن العامة دون مراعاة لمن يجاورهم في ، المركب ، الساحة ، الشارع ،الملعب أو المقهي وهذا ما لا يعرف عند بقية الشعوب .
ـ تفعيل دور المسجد والنوادي الرياضية والفنية في تربية الأجيال وإبعادهم عن كل السلوكات المنافية للأخلاق والقيم .
تشديد العقوبات على كل المتاجرين بالممنوعات سواء المشروبات الكحولية او المخدرات بكل انواعها وبقية المؤثرات العقلية وكل السموم التي تسعى جهات أجنبية قريبة وبعيدة نشرها بين شبابنا لإبعاده عن مهامه الأساسية في البناء والتشييد .
ـ المساهمة الفعالة لكل مواطن مخلص في مكافخة الآفات الاجتماعية بالتبليغ عنها عند الوقوع وعدم السكوت عن الممارسات التي تسيء للمجتمع وقيمه وتعطل مصالح المواطنين والدولة معا..
الاقتداء بالشعوب التي نظمت نفسها رغم حداثة استقلالها وأثبتت وجودها بما حققته من تطور على جميع ألأصعدة ، فأصبحت مثلا عالميا وقدوة يضرب بها المثل في تقديس العلم والعمل واحترام أخلاقياتها و قيمها التي جعلت منها شعوبا رائدة في الاقتصاد ونموذجا يحتذى به ، لأنها شعوبا اخذت من محرريها القدوة في التضحية والفداء وعمل أفرادها على أن يكون أبطالا في معركة البناء والتشييد ، كما كان أسلافهم في الدفاع عن حرية وسلامة الوطن ..
ومجتمعنا ولله الحمد لاتنقصه القدوة من تاريخه القديم والحديث ولا يحتاج إلى دروس وعبر ليحل راية البلد ، بل يكفي شبابنا أن تمنح له فرصة إثبات الذات في كل مجالات الحياة وسيكون بعون الله في المستوى المطلوب ...