88

0

زيغود يوسف.. العقل المدبر لهجومات الشمال القسنطيني التاريخية

 

في ذاكرة الثورة التحريرية الجزائرية، تبقى أسماء خالدة صنعت التاريخ، ومن بينها يبرز اسم الشهيد زيغود يوسف، قائد الولاية الثانية التاريخية، وأحد أبرز المهندسين الفعليين للثورة، لما قدمه من تضحيات وجهود تنظيمية وعسكرية أثّرت بشكل حاسم في مسار الثورة، خاصة في الشمال القسنطيني.

شروق طالب


لم تكن شخصية زيغود يوسف وليدة المصادفة، بل نتاج مسيرة نضالية طويلة، وتجربة حياتية عميقة، بدأت منذ طفولته في بلدة السمندو، وتطورت لتصبح ركيزة من ركائز العمل الثوري على المستوى الوطني.

مولده ونشأته

ولد زيغود يوسف في 18 فبراير 1921 ببلدة السمندو ولاية سكيكدة حاليا، وسط أسرة فقيرة متدينة عرفت بوطنيتها، حيث فقد والده بعد أربعة أشهر من ولادته، مما زاد من قسوة ظروف نشأته.

دخل المدرسة الابتدائية الفرنسية وتزامن ذلك مع تعلمه للقرآن الكريم في الكتاتيب، ما منحه رصيد مزدوج في اللغة وتعلم الأسس الدينية.

ورغم تفوقه الدراسي، توقفت مسيرته التعليمية بعد حصوله على شهادة التعليم الابتدائي، إذ لم تكن السلطات الاستعمارية تسمح للجزائريين بالتقدم في التعليم، ما دفعه إلى الالتحاق بسوق العمل مبكرا.
اشتغل كخماس وحداد، وهي تجارب زادت من وعيه، وفضحت أمامه قسوة الاستعمار واستغلال المستوطنين لأرض الجزائر وشعبها.

 زيغود حسب رواية المجاهدين

وفي تصريح خص به جريدة "بركة نيوز"، كشف الدكتور وكاتب سيناريو العمل السينمائي "زيغود يوسف" عن تفاصيل رحلته في كتابة السيناريو، مشيرا إلى أنه التقى خلال عمله زوجة الشهيد وابنته، وعددا من المجاهدين، إلى جانب اعتماده على المصادر التاريخية والمذكرات التي تناولت حياة القائد زيغود يوسف.

ومن خلال شهادات المجاهدين والمقربين، برزت العديد من الصفات الشخصية والقيادية التي ميزت زيغود يوسف، حيث وصف بأنه قليل الكلام، كثير الأفعال، يتمتع بهدوء الرجل الواثق، وهيبة القائد الذي يهاب ويحترم، رغم تواضعه الشديد. 
كان يلقب بين رفاقه والمجاهدين بـ "السي أحمد"، وهو الاسم الثوري الذي عرف به في الميدان.
عرف عنه أنه كان رياضي، رشيق الحركة، منضبط وصارم في أداء مهامه. 
لم يكن ينام على فراش أو ينزع حذاءه، بل إذا غلبه التعب، يغفو جالسا على كرسي أو حتى على حجرة، دائما في وضع استعداد، وكأن النوم ترف لا وقت له في خضم المعركة.
وكان زيغود فارس بحق، يمتطي جواده الأشهب الذي اشتهر به، وقد كان المجاهدون يغيرون لونه بالحناء

تميز أيضا بإتقانه الحديث بالعربية والفرنسية، ما جعله قادرا على التواصل بفعالية في مختلف السياقات، السياسية والعسكرية على حد سواء.
ومن أبرز مهاراته العملية، أنه كان يعيد صناعة الرصاص المستعمل وتحويله إلى رصاص جديد، في مشهد يعكس روحه الابتكارية وحرصه على استغلال كل الإمكانات المتاحة لخدمة الثورة.

من الكشافة إلى حزب الشعب

تأثر زيغود يوسف مبكرا بأحداث قسنطينة الدامية عام 1934، وكان شاهدا على حجم العنف الممارس ضد الجزائريين، ما رسخ في نفسه شعورا بالغضب والتمرد.

انخرط بعدها في الكشافة الإسلامية، التي تعد مدرسة وطنية تكون الشباب على قيم الالتزام والانضباط وخدمة الوطن، ثم التحق سنة 1943 بحزب الشعب الجزائري، أحد أبرز التنظيمات الوطنية آنذاك، إلى جانب أسماء مثل عبد المجيد كحل الرأس والطيب الثعالبي.
ترك انخراطه في الحزب أثر عميق على مسيرته، حيث بدأ يتدرج في العمل النضالي، وصولا إلى المشاركة في أحداث الثامن ماي 1945، التي شكلت نقطة تحول في رؤيته لطبيعة النضال الوطني، حيث اقتنع بعد تلك الأحداث أن العمل المسلح هو السبيل الوحيد للاستقلال.

المنظمة الخاصة.. مدرسة العمل الثوري السري

عقب إصدار العفو العام وعودة حزب الشعب إلى النشاط السياسي العلني سنة 1946، انخرط زيغود في المنظمة الخاصة، وهي الجناح السري شبه العسكري للحزب، حيث خضع لتدريب عسكري ونفسي في الأوراس، وتولى قيادة فوج في منطقة سكيكدة، كما حول بلدته السمندو إلى مركز نشط للمنظمة.
تعرف خلال هذه المرحلة على أبرز قادة الثورة مثل ديدوش مراد، العربي بن مهيدي، ومحمد بوضياف، وتعمقت علاقته بهم عبر العمل السري والميداني.

إلا أن حادثة  كشف المنظمة سنة 1950 أدت إلى اعتقاله، لكنه تمكن من الفرار من السجن، مستغلا عبقريته في ذلك عن طريق صناعة مفتاح من ملعقة.

بعد فترة عاد إلى العمل السري بإصرار أكبر، ما جعله من القيادات المحورية في بناء الأرضية للثورة المسلحة.


 اجتماع الـ22 والانتقال إلى العمل المسلح

شهدت بدايات 1954 تصاعدا للأزمة داخل حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وهو ما دفع الجناح الثوري بقيادة بوضياف إلى التفكير في تشكيل "اللجنة الثورية للوحدة والعمل"، التي دعت إلى اجتماع مجموعة الـ22، والذي حضره زيغود يوسف.
كان لزيغود موقف واضح، مؤيد للعمل الثوري الحاسم، وكان يرفض مماطلة القيادة السياسية التقليدية، بل طالب بتسريع الإعلان عن الثورة.
وعلى هذا الأساس، أصبح زيغود قائدا للمنطقة الثانية "الشمال القسنطيني"، وهو المنصب الذي سيدخل اسمه التاريخ من أوسع أبوابه.


زيغود والثورة المسلحة

عشية أول نوفمبر 1954، بدأ زيغود بتنظيم خلايا الثورة في الشمال القسنطيني، وشكل وحدات عسكرية تشبه "العصابات المسلحة"، كانت تنفذ هجمات مركزة على مراكز الدرك الفرنسي والمستوطنين، وحققت أولى هذه العمليات النجاح المطلوب، في نواحي الحروش، قسنطينة، والسمندو.
وقد اتبع زيغود استراتيجية مزدوجة، ترتكز على العمل العسكري من جهة، وعلى تأطير الشعب من جهة أخرى، فكان يشرف على إنشاء خلايا سياسية وفدائية في المدن، وينظم عمليات عسكرية نوعية تستهدف رموز السلطة الاستعمارية.

هجومات 20 أوت 1955.. التفجير الكبير للثورة

منذ استشهاد البطل ديدوش مراد وتولي زيغود يوسف قيادة المنطقة الثانية، وهو يفكر في توجيه ضربة قاضية للعدو، فبدأت فكرة الهجوم الكاسح تتبلور في ذهنه منذ النصف الأول من عام 1955م، وبعد التخطيط لها، وقبل ثلاثة أيام من تنفيذها حدد زيغود اليوم التي ستقام فيه الهجومات.

حيث قرر ان تكون في وضح النهار في يوم السبت وهو عطلة المستعمر، بمشاركة آلاف المجاهدين والمواطنين من نساء وأطفال ورجال، استهدفت معظم المدن والقرى الاستعمارية في الشمال القسنطيني. 

وجاءت هذه العمليات لتحقق عدة أهداف كبرى، أهمها فك الحصار عن منطقة الأوراس، تأكيد الطابع الشعبي للثورة، زعزعة أركان الإدارة الاستعمارية، والرد على دعاية "سوستيل" التي حاولت عزل الشعب عن الثورة، فضلا عن دعم القضية الجزائرية أمام الرأي العام الدولي.

واستمرت هذه العملية لمدة ثلاثة أيام، حيث أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف المستوطنين والقوات الفرنسية، ما دفعت فرنسا إلى الرد بقمع دموي، الا أنه عزز من التحام الشعب بالثورة، والإيمان بخيار المقاومة.

تنظيم الثورة وتأهيل المجتمع

بعد نجاح هجومات أوت، التي شكلت نقلة نوعية في مسار الثورة التحريرية، حيث انتقلت بها من العمل السري إلى الساحة الدولية، وأسهمت لأول مرة في إدراج القضية الجزائرية ضمن جدول أعمال الأمم المتحدة.
وفي هذه المرحلة، ركز زيغود على تعميق تنظيم الثورة في الشمال القسنطيني، حيث  أسس مجالس شعبية تشرف على شؤون القرى والمداشر، وشجع على قيام ثورة تعليمية وثقافية لمحاربة الجهل، ونشر الوعي السياسي.
كان يؤمن بأن الثورة لا يجب أن تكتفي بالتحرير السياسي، بل يجب أن تحقق عدالة اجتماعية حقيقية، وهذا ما يظهر في شعاره الدائم: "من الشعب وإلى الشعب".
وبفضل جهوده، أصبحت المنطقة الثانية نموذجا تنظيميا لبقية الولايات، حيث أنشأ خلايا سرية، نقاط اتصال، وحدات تموين، وأطر سياسية تنشط داخل المدن الكبرى.

زيغود يوسف قبل مؤتمر الصومام... نحو بناء قيادة موحدة

مع بداية سنة 1956، كان زيغود يطمح لتوسيع الثورة إلى نطاق وطني أكثر انتظاما، لذلك بدأ بإعداد تصور شامل لمستقبل الثورة، يقوم على ثلاث مرتكزات على غرار مركزية القيادة وتنظيم العمل الثوري، إعطاء دور أكبر للعمل السياسي إلى جانب العمل العسكري، وإشراك الشعب في القرار والتنظيم.

كان زيغود من بين الشخصيات البارزة التي دعمت فكرة انعقاد مؤتمر وطني لتقييم الثورة وتوحيد جهودها، وقد بدأ فعليا في التحضير لذلك عبر اللقاءات والاجتماعات مع القيادات المحلية والمركزية.
لكن القدر لم يمهله كثيرا.

استشهاد زيغود يوسف.. خسارة قائد وطني 
في 23 سبتمبر 1956، سقط زيغود يوسف شهيدا في كمين نصبته له القوات الفرنسية في سيدي مزغيش، تارك خلفه إرثا ثوريا كبيرا، وتجربة تنظيمية وعسكرية قلّ نظيرها.
استشهد القائد لكنه ترك شعلة الثورة متقدة، وألهم من خلفه على الاستمرار في مسيرته. 
بقيت أفكاره واستراتيجياته التنظيمية مرجع في العمل الثوري، وظل اسمه مقترنا بهجومات 20 أوت، تلك المحطة المفصلية التي أعطت للثورة الجزائرية بعدها الشعبي والوطني.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services