بقلم اسماعين تماووست
باسمي المفتش سماعين تماووست، أوجه شكري العميق لكل المتابعين الأوفياء الذين تفاعلوا مع الحلقة وأبدوا إعجابهم بأسلوب السرد والتشويق، دعمكم وتعليقاتكم المحفزة تعطي القصة روحًا إضافية، وتجعل كل كلمة تُكتب تحمل معنى أعمق.
ممتن لكل من شارك برأيه، ولكل من ينتظر بشغف الحلقات القادمة، أعلم أنني ربما قد أطلت في السرد، وأنني حملت معاناة ثقيلة في كلماتي، لكن كيف لي ألا أفعل ذلك؟ كيف لي أن أروي هذه القصة دون أن أنقل إليكم جزءًا مما عايشته، مما رأيته بأم عيني، مما ظل محفورًا في ذاكرتي كندبة لا تلتئم؟ لم تكن تلك مجرد سنوات من العنف، بل كانت كارثة إنسانية تركت وراءها جراحًا لا تزال تنزف حتى اليوم.
لقد خلفت تلك الأيام المظلمة ضحايا لا تُحصى، أرامل يرتدين السواد مدى الحياة، وأيتامًا كبروا بلا أحضان، وآباءً وأمهات فقدوا أبناءهم ووقفوا عاجزين أمام قبورهم، يتساءلون بأي ذنب خُطفوا منهم.
تحولت البيوت التي كانت تمتلئ يومًا بالضحكات إلى بقايا صامتة، يلفها الحزن والصمت والفراغ، لم يكن هناك بيت لم يُمسَّ بجراح في تلك الحقبة، ولم توجد هناك عائلة إلا وذاقت طعم الفقد والمرارة، وأي وصف يمكن أن ينقل معاناة الآباء الذين فقدوا أبناءهم؟ وكانوا يجهلون تماما إن كانوا سيعودون أم أن أسماءهم ستُضاف إلى قائمة الضحايا الذين ذابوا في ظلام المجهول.
بعضهم عاش على أمل لقاء لم يتحقق أبدًا، والبعض الآخر تلقى جثث أبنائه بدموع تملؤها الحسرة والعجز، وأولئك الفتيات اللاتي سُلب شرفهن، سُحقت أحلامهن تحت وطأة العنف، تُركن ليواجهن نظرات المجتمع القاسية وحدهن، وكأنهن كنَّ الجانيات بدلًا من أن يكنَّ الضحايا.
كانت الشوارع تحمل رائحة الموت، والأحياء تغص بصدى البكاء... أم تبكي ابنها الذي اختطفوه ليلًا ولم يُعرف له مصير، وأب يجوب الطرقات بحثًا عن ابنته التي فُقدت في ظروف غامضة، وعائلات بأكملها أُبيدت ولم يبقَ من أثرها سوى ذكريات تروى بصوت خافت.
إن العشرية السوداء لم تكن مجرد فترة زمنية عابرة، بل كانت جرحًا غائرًا في روح هذا الوطن، لا تزال آثاره شاهدة على حجم المأساة، كيف لنا أن ننسى حين كانت الأمهات يحتضنّ أطفالهن في الزوايا المظلمة، خوفًا من رصاصة طائشة تخطفهم من بين أذرعهن؟ كيف ننسى أن هناك من عاشوا ليشهدوا أحبّتهم يُسحبون من أمام أعينهم، ولا يعودون أبدًا؟ كيف يمكننا أن نروي هذه القصة دون أن نحمل معها هذا الكم من الحزن والأسى؟
أنا لا أكتب هذه الكلمات لأجتر الألم، ولا لأستحضر الماضي بمرارته، لكنني أكتبها لأن نسيان ما حدث خيانة لأولئك الذين رحلوا، لأولئك الذين ما زالوا يعانون في صمت، إن هذه القصة ليست مجرد سرد تاريخي، إنها شهادة على مرحلة أرادت أن تكسرنا، لكنها لم تنجح.
إنها رسالة من عاشها، لمن لم يعايشها، حتى يعرفوا كم كان الثمن باهظًا. ..أنا أكتب لأنني ما زلت أرى وجوه الضحايا، ما زلت أسمع صرخات الأطفال الذين فقدوا آباءهم، ونحيب الأمهات اللواتي دفنَّ أبناءهن وقلوبهن تحترق، أكتب لأنني لا أستطيع الصمت، لأن الألم الذي عشته لا يمكن أن يختفي بمجرد طي الصفحة.
أكتب أيضًا لأنني أغار على الجزائر، على تلك الأرض التي كانت يومًا في طريقها إلى التقدم والازدهار، على الوطن الذي كان يغذي أوروبا، يصدر القمح والزيت والتمر، ويبني نهضة صناعية وزراعية واعدة... أغار على جزائرنا التي كادت أن تصبح قوة اقتصادية، لولا أن أُدخلت في متاهات العنف والفوضى، فاغتيل الحلم، وأُطفئت شموع الأمل.
صحيح أن تلك الفترة العصيبة عطلت المسيرة، لكنها لم توقفها، تصدى الشرفاء من أبناء هذا الوطن، فواجهوا الموت بأعين لا ترمش، صمدوا حيث سقط الكثيرون، وحملوا على عاتقهم مسؤولية إعادة الأمن والاستقرار. كانوا في كل مكان، في الميدان، في الأزقة والشوارع، في مراكز القرار وفي الصفوف الأمامية، حيث كان الواجب ينادي، وكان الخطر متربصًا بكل خطوة.
لم يكن الأمر سهلًا، ولم يكن الانتصار بلا ثمن، لكن الجزائر أثبتت أنها أقوى من الفوضى، وأكبر من كل المؤامرات، لم أقف كالمتفرج على الأحداث، فقد كنت حيث يجب أن أكون، أتنقل بين الملفات والوجوه، أبحث عن الحقيقة وسط ركام من الفوضى، لم يكن الخوف خيارًا، ولم يكن الصمت ممكنًا.
مثلما كان هناك من يسعى لتدمير الوطن، كان هناك رجال ونساء أقسموا أن يفدوه بالنفس والنفيس...
هذه هي الجزائر، البلد القارة، مهما عصفت بها الرياح، تبقى شامخة، تأبى الانكسار، واليوم، رغم كل الجراح، استعادت عافيتها، وهاهي معركة البناء تستأنف ...
ما ضاع لن يعود، لكن الدرس باقٍ: هذا الوطن لن يكون إلا لأبنائه المخلصين، في تلك الفترة الحرجة، لم أكن مجرد مفتش يلاحق المجرمين ويفك ألغاز الجرائم، بل كنت ضميرًا يقظًا في زمن تلاشت فيه الضمائر، وكنت بوصلة تشير دومًا نحو الحقيقة، مهما حاولت الأيادي العابثة طمسها.
لم يكن عملي مجرد مهنة أؤديها لأتقاضى راتبًا في نهاية الشهر، بل كان معركة يومية ضد الظلم، التواطؤ، والخوف الذي حاول أن يخنق صوت الحق، لم يكن سلاحي الوحيد مسدسي، ولا سلطتي تكمن في شارة أحملها على صدري، بل في تلك القناعة الراسخة بأن العدل ليس خيارًا، بل قدرٌ يجب أن يتحقق.
لم أكن أسمح لنفسي بأن أنام مطمئنًا إن علمت أن هناك مظلومًا لم يُنصف، أو قاتلًا لا يزال يتجول بحرية بين الأبرياء. كنت أؤمن أن لكل جريمة مفتاحًا، ولكل لغز ثغرة، وأن العدالة لا تكون كاملة إلا عندما يأخذ كل ذي حق حقه، كنت أرى في كل قضية قصة، وفي كل متهم حياة ظلت طريقها، لم أعتمد فقط على الأدلة والبراهين، بل كنت أقرأ الوجوه، أفسر الصمت، وأفهم الخوف المختبئ خلف العيون المرتعشة.
كنت أعرف أن خلف كل اعتراف إما ندمٌ صادق أو استسلامٌ يائس، وأن خلف كل إنكارٍ إما براءةٌ صادقة أو كبرياءٌ كاذب، ورغم أنني كنت صارمًا في عملي، لم أفقد إنسانيتي يومًا، لم أتردد في مساعدة من ضاقت به الدنيا، ولم أغلق بابي في وجه من أراد فرصة جديدة للحياة، لأني كنت أؤمن أن بعض القلوب يمكن أن تعود إلى الطريق الصحيح إن وجدت من يمد لها يد العون بدلًا من أن يقيدها بالأغلال.
في ليالي التحقيق الطويلة، كنت أرفع يدي إلى السماء وأدعو: "اللهم لا تجعلني سببًا في ظلم بريء، ولا أداةً في يد من يسعى لطمس الحقيقة، واهدني دائمًا إلى الطريق الذي يُرضيك." كنت أعلم أنني مهما بلغت من الحذر، فإن العدل المطلق بيد الله وحده، وكنت أسأله أن يلهمني الصواب، وأن يجعل بصري حادًا وبصيرتي نافذة.
كان بعص الناس يقولون إنني رجل لا يخطئ، لكنني كنت أعرف أنني مجرد إنسان يجتهد، وأنني كلما اقتربت من الحقيقة، كان هناك ظل يحاول جرّي بعيدًا عنها، ومع ذلك، لم أسمح للخوف أن يسيطر عليّ، ولم أركع أمام تهديد، ولم أبع ضميري كما فعل كثيرون، كنت أقول دائمًا: "من يخشى الموت لا يحق له أن يكون في ميدان المعركة."
واليوم، وأنا أروي هذه الحكاية، لا أبحث عن تمجيد، ولا أريد أن أظهر كبطل من ورق، بل أريد أن أقول إن هذه الأرض تستحق من يحميها، وإن العدالة تحتاج إلى رجال لا يساومون، وإنه مهما ساد الظلام، فهناك دومًا من يشعل شمعة، ولو كانت في قلب العاصفة.