90

0

هندسة الأمن الدولي وخطايا الاتحاد الأوربي


بقلم: كمال برحايل

 

 

قال نائب رئيس وزراء إيطاليا " على ماكرون ان يتوجه إلى أوكرانيا بنفسه ويضع الخوذة على رأسه ويحمل البندقية " نقلا عن قناة روسيا اليوم.. تريث وتفاؤلت وكبحت الجماح في انتظار  إشارة خضراء من موسكو  أو واشنطن بعدما خفتت انوار باريس لكن بيان البنتاغون و حركة "ماغا" عجلا بتقديم  تحليل لقمة ألاسكا ومستقبل إدارة الصراع الدولي.

اولاً، بيان البنتاغون بمنع أوكرانيا من استعمال الصواريخ البعيدة المدى لاستهداف العمق الروسي.

ثانيا، تصريح حركة ماغا بعدم التورط في النزاع الاوكراني.

ثالثا، وقف التعاون الاستخباري مع أوكرانيا.

و قد حدث  أنه في احد المطارات 

كنت على سفر التقيت أحد أساتذة علم النفس الاجتماعي وسألته ،عن مغزى الحركات العفوية في السياسة فأجاب مباشرة وبدون تردد ، لا تتواجد العفوية في الممارسة السياسة إنما كل حركة عبارة عن سلوك مدروس، ومتعمد وكل حركة جسدية تحوي رسالة ضمنية تتوجب القراءة المتأنية.
و استحضرت هذه الإجابة عندما كنت اشاهد انطلاق القمة الروسية-الأميركية في ألاسكا ،وكيف تتطابق مع الترتيبات الشكلية للقمة.

راقبت انسياب طائرة الرئيس فلاديمير بوتين وهو يترجل على سجادة حمراء مبسوطة مباشرة عند آسفل سلم الطائرة وعلى طول المسافة ، كان يمشي مزهوا بنفسه و تعلو الابتسامة محياه في مشهد أسطوري ، ينم عن ثقة مطلقة في كيفية إدارة النزاعات الدولية.

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بإنتظاره مصفقا مصافحا له بحرارة عند نقطة اختيرت بدقة ، و الأغرب من ذلك ان يصطحبه معه في سيارة الليموزين الرئاسية إلى مقر الاجتماع.
و تخلل هذه المتابعة المتسلسلة للأحداث ، أن راجعت أوراق خطاب الرئيس بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن سنة 2007 ، ودعوني اقتبس منه هذه الفقرة فقط "من المعلوم ان مشكلة الأمن الدولي أوسع بكثير من قضايا الاستقرار العسكري- والسياسي انه ثبات الاقتصاد العالمي ،والتغلب على الفقر ،والأمن الاقتصادي، وتنمية الحوار بين الحضارات".

إنه تشخيص صريح وموضوعي للواقع الدولي ولكن هل آثار  الصدى وردة فعل في قرارة المستمعين ، لتدارك العواقب لاحقا والإجابة بديهية هي لا، بل واجزم بانه لم يفقًهوا قولا. 
ومنه قد يدرك جليا المراقب لطبيعة العلاقات الأميركية- السوفياتية ، و الروسية لاحقا أنها تتكامل حفاظا ، على المصالح الحيوية للقطبين ولا تتعارض أبدا، بحكم مقولة الأنظمة الديمقراطية لا تتصارع.

وادعم هذا التوجه وأتصوره ، بما تركه التاريخ لمسار القمم الثنائية ، وحينما نرصد بتأنّي النتائج ،وحصرا منذ  قمة جنيف إلى غاية قمة ألاسكا ، وأعتقد أنهم على وفاق تاريخي ،خاصة في القضايا التي تتطلب التفاهم الثنائي ، بدون إشراك الحلفاء الإقليميين بغية ، التسوية الفوقية والنهائية للأزمات الدولية.

 وقد كان لمجيء الزعيم الشاب انذاك ميخائيل غورباتشيف ، الذي تبنى النهج الاصلاحي في الاتحاد السوفياتي من خلال كتابيه البريسترويكا و الغلاسنوست ، الأثر البارز للتقارب بين القطبين خاصة على الصعيد الدولي.

ولعل البداية كانت من قمة جنيف ، في سويسرا بين ميخائيل غورباتشيف والرئيس رونالد ريغان حيث وتناولت ، مسالة إيقاف السباق نحو التسلح، وعدد من القضايا الإقليمية، حقوق الإنسان والوضع في افغانستان ثم تلتها قمة ريكيافيك بايسلندا ، وخصصت مبدئيا لنزع الاسلحة، وتخفيض الترسانة النووية للبلدين ، وأعقبتها قمة مالطا بين غورباتشيف والرئيس الاميركي جورج بوش الأب، وسجلت اللحظة التاريخية لإنهاء الحرب الباردة ، وبداية النظام الدولي الجديد.

اما قمة ألاسكا فتعقد في أراضي روسيا بحكم  حقائق التاريخ والجغرافيا، وامتلكتها أمريكا بحقائق قوة المال ، فشكلت القاعدة العرفية لأنها تستكمل، نهج الحوار الثنائي المتبادل واصبحت الاستثناء ، لأنها ألغت بحقائق القوة الدور المحوري ، الذي توهمه الصغار بأنه حق ابدّي اكتسب من مجرد شرعية شكلية فقط ، كانت مقتصرة على الحضور والتزكية.

وفي ألاسكا حيث يرتسم وينبع الحل الأفقي ، لازمة طارئة نتج عنه انكشاف وتصدع الأمن الأوربي،  منذ تجسيد حلف الناتو التوسع شرقا ، وتدثر بالشراكة من اجل السلام فقد أمسى نذير شؤم على القارة  العجوز ،بحسب تعبير وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد.

وفي أسبوع تقاطر على واشنطن ،قادة اوربا القديمة "العجوز" وعكست ، الصور الملتقطة من البيت الأبيض لقادة اوربا الموحدة ، وهم يتأملون خيبتهم المتجددة، بدون أوراق أو مبادرة ، ولا وافتقروا حتى لادنى تصور يقدم كحل موقت ، يكون البديل على التفاوض ، من موقع القوة أنهم جالسون صامتين ، لمدة أربعون دقيقة في ردهة، تحت أعين احد الحراس بعدما اصطفوا أمام مكتب الرئيس في البيت الأبيض ، بانتظار سيدهم، الذي كان بصدد الحديث هاتفيا ، وعلى الطرف الآخر من الخط صديقه بوتين، نعم جالسون وهم يستعيدون ذكرى الخطايا الكبرى لأنهم تناسوا عمدا استذكار التاريخ، والخطأ الأول حينما حرر الجيش الأحمر،  بقيادة الجنرال الكسي زادوف شرق اوربا ،والجيش الامريكي بقيادة الجنرال كورتني هودجز حرر غرب اوربا ، والتقوا بمدينة تورغاو على نهر ألبه في ألمانيا ،وكان اللقاء  ايذاناً بدحر النارية وعجلت بنهاية الحرب العالمية.

 
والخطأ الثاني ، وقد سهوا عمدا أنه في عشية الاستدعاء ، للمثول أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،  تغريدة قائلا " روسيا هزمت نابليون وهتلر" ويحق للمراقب ان يقول ماذا يعني هذا ؟؟.

والخطأ  الثالث ، أنهم لم يستذكروا و عن جهالة بأثر رجعي ، مقولة الرئيس الفرنسي شارل ديغول "الجغرافيا هي العنصر الحاسم في التاريخ".

والخطأ الرابع ، ارتكب حينما توسط ساركوزي في الأزمة الجيورجية نعم وبالتاكيد نجحت واصابت وحققت  وقف إطلاق النار واعقب هذا الإنجاز الفرنسي اللامتنهاهي ،  انفصلت فورا و بموجبه أبخازيا واوستيا الجنوبية عن جورجيا ولم تسترجع، اطلاقاً وعلى اثره استكانت وتوارت فرنسا.
ولهذا يصدق عليهم مقولة الفيلسوف اليوناني شيشرون" البعض يفتش عن اخطاء الأخرين كما يبحث عن كنز".

لقد تحمس وخطط الغرب لامر دبر ليلا للحرب على روسيا،  وعشية إطلاق العملية الخاصة في أوكرانيا كانت الطمأنينة ، قد استقرت في القلوب،  وقاتلوا بالأوكرانيين والمرتزقة الأجانب ، من كل حدب وصوب استشرفوا النصر المبين في غضون أسبوعين فقط ، ليتبدد فجأة الحلم.

ولكن هيهات هيهات، خسر سقط الرهان، وباغتتهم الهزيمة في النفوس، قبل ان تصيبهم في محاور القتال. وهذه رسالة بوتين لا تختبروا صبرنا ، إني سأذهب بعيدا إن تعلق الأمر بأمن روسيا.
 وبعدها تمددت الهزيمة إلى القنوات الرسمية خاصة الفرنسية، التي أضحت تستضيف أشباه الخبراء والمحللين وفلاسفة الفشل لاستدامة،  الأكاذيب ورددوا ، ما يقوله غوبلز وزير الدعاية النارية " اكذب ثم اكذب حتى يصدقوك".

وقد اتضح جليا ان المكالمة هو كيفية، التسوية في أوكرانيا على أساس تفاهم قمة ألاسكا، لا على ما يريد انه يقوله هولاء التلاميذ الاغبياء ولن يكونوا اطلاقاً طرفا في الحل ، بعدما اصبحوا أدوات للتوظيف ، و اقحموا انفسهم في حرب خاسرة ،مسبقا بررت بالوعود الكاذبة بالانضمام للاتحاد الاوربي والناتو.

وحاليا توافرت الفرصة من ثنايا سلوك السياسي للجمهوريين المعتدل  بالرغبة الملحة في إنهاء الحروب واستدامة السلام، عكس الخطاب الديمقراطي العدائي بعدما هدد الرئيس جو بايدن بتدمير السيل الشمالي ، في حال عبور الدبابات الروسية إلى أوكرانيا.

ولعل القارىء يجد غرابة في مصطلح هندسة الأمن الدولي ، ويكون المبرر هو تلك الحاجة الملحة لإقامة هيكل أمني متكامل الأركان، كما حدد في خطاب ميونيخ ، بأن يأخذ في طياته الهواجس و المخاوف التي قد تنتاب أوروبا.

ألم يكن مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا في هلسنكي هو القاسم المشترك بين الشرق والغرب ،حين نص البيان الختامي على احترام السيادة الإقليمية ، وترسيم الحدود، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية.

هناك زخم اعلامي مؤداه قمة مرتقبة بوساطة الرئيس ترامب بين زيلنسكي و الرئيس بوتين لا على اساس التفاوض، بل للتوقيع فقط على الاستسلام في صيغة إنهاء العملية الخاصة ، وتضيع مجددا أقاليم الدونباس ولوغانسك من أوكرانيا وتتوسع روسيا مجددا ويتقلص غرب اوربا للمرة الثانية ترى من سيستفز بوتين مستقبلا.

آخر الكلام:

قال الدوق ويلينغتون قائد الجيش البريطانية في معركة واترلو اثر هزيمة نابليون.
" القصف شديد أيها السادة لكن دعونا نرى من يقصف وقت أطول"

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2025.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services