بقلم اسماعين تماووست
كان المكان محاطًا بشجيرات كثيفة، لايظهر فيه أي أثر للحياة البشرية، يبدو وكأنه مكانًا مهجورًا، بعيدًا عن أي تواصل مع العالم الخارجي.
المنزل الذي اقتربنا منه كان يبرز في الأفق وكأنما تم اختياره ليكون ملاذًا لشخصٍ ما بعيدًا عن الأنظار، مكانًا منعزلًا، لكنه في الواقع مصيدة غامضة، تغلفها كل تفاصيل المكان الغريبة.
الشعور الذي انتابني كان غريبًا؛ رغم أن كل شيء من حولنا كان يبدو هادئًا، إحساسًا غير مريح يملأ الأجواء، ذلك المنزل أشبه بحلم غريب لا نعرف كيف وصلنا إليه، وكأن المكان نفسه يروي قصته الخاصة التي لا تقتصر فقط على الشكل والمضمون، بل على الرسالة التي يرغب في تبليغها.
في تلك اللحظة الغريبة، ظهرت شخصية غير مألوفة، كان الرجل في حوالي الخامسة والأربعين من عمره، ذو بنية جسدية قوية وطول يقارب المتر و تسعون، لكن مظهره كان غريبًا ؛ يرتدي قميصا قديمًا وباليًا، تتضح عليه آثار الزمن ، كأنه قطعة أثرية عادت من الماضي، الثوب كان ممزقًا من أطرافه، ما جعل الرجل يبدو وكأن الزمن قد انقض عليه فابتلعته، وأنه غير قادر على التكيف مع عالمنا .
مظهره مريبًا جدًا، فقد بدا لي وكأنه قادم من أفغانستان، ملابسه متسخة بشكل فاحش، وكأنها لم تُغسل منذ سنوات، وكأن سطوته تبتلع كل شيء من حوله، حتى جمال الأرض نفسه.
هذا الشخص، بكل تفاصيله، جعلني أفكر في عالم غريب، لا أستطيع إدراكه تمامًا، عالم مليء بالظلام والعزلة، يفرض نفسه على من يعيش فيه بكل قسوة، تلك اللحظة التي جعلتني أتساءل، كيف يمكن أن يوجد شخص مثل هذا هنا؟ ما الذي يدفعه للاختباء..
وعندما اقترب منا، ظهرت تلك الابتسامة التي تركت في نفسي انطباعًا غريبًا، ابتسامة قاسية، أسنانه البيضاء تلمع تحت أشعة الشمس، لكنها كانت ابتسامة خالية من اللطف، تجسد كل شيء مظلم من حوله، كأنها تخبرنا: "أنتم لستم في مكان آمن هنا"، وكانت تُشعرني بأن هذا الرجل يحمل معه أكثر من مجرد قصة قديمة، يحمل في عينيه شبحًا من القسوة، يعكس الظلام الذي يحيط به، ومشاعر مضطربة لا يمكن وصفها...
في هذا المكان البعيد عن البشر؟ هل هو هارب من شيء ما أم أنه متورط في أمر عظيم، عندما اقترب منا، تسارعت نبضات قلبي، وانتابني خوفٍ غامض لم أكن قد شعرت به من قبل، كان ذلك الشخص، رغم بساطته الظاهرة، جزءًا من لغز لم نكن قد بدأنا في حل شفراته.
كخبير في مجال القضايا البوليسية، تعلمت أن كل شيء يمكن أن يكون جزءًا من الأدلة التي قد تقودنا إلى شيء أعمق وأخطر مما نتصور، لكن تلك الابتسامة لم تكن مجرد تفصيل، بل كانت بمثابة رسالة، تنبئنا بما هو قادم، وتحذرنا مما هو وراء هذا اللقاء الغريب.
بعد نقاش طويل استمر لساعات، كان محوره في الأساس موضوعًا خياليًا تمامًا، وهو شراء قطعة أرض حيلة اخترعتها بعناية فائقة كغطاء لمهمتنا السرية، كنت في الواقع أخشى أن أي تصرف غير دقيق قد يفضح مهمتنا، لكنني اضطررت لأن أستمر في الحوار الذي كانت تشوبه تلميحات خفية.
كان الهدف من هذه المحادثة هو تشتيت الانتباه وتوجيهه نحو شيء يبدو عاديًا، لكي نحظى ببعض الوقت في انتظار ظهور بوادر قد تكشف عن طبيعة المكان الذي نتواجد فيه، وفي اللحظة التي بدأت فيها أتحرك، خطوة تلو الأخرى، نحو الطريق الذي سيعيدني إلى مركز الأمن، كان معي مفتش الشرطة القضائية عبد الله الذي رافقني بأوامر من رئيس أمن مقاطعة بوفاريك، وقد اعتقدت أنه أصبح جزءًا من العملية إلا أن بدا لي أنه كان يجهل تمامًا حجم الخطر الذي يحيط بنا.
بينما كنت على بعد بضع خطوات فقط من عتبة المنزل، وحين كان بيننا وبين الرجل الذي دعانا للمناقشة عشرات الأمتار، ارتكب المفتش خطأً بالغ الخطورة لم يكن له أي تفسير منطقي في تلك اللحظة، أدار رأسه ليحاول قراءة ملامح ذلك الرجل الذي يراقبنا بحذر بالغ، كانت نظرة واحدة مني كافية لأن ألاحظ حركته الغريبة، فقد كان الرجل ثابتًا في مكانه، لكن نظراته كانت تتابع كل خطوة نخطوها، يراقبنا بعناية لدرجة أنني شعرت بأنني أدور في حلقة مغلقة، وأن كل حركة نقوم بها تحسب ضدنا.
بعد لحظات قليلة من الصمت الذي خيم على المكان، قرر المفتش أن ينهي هذا الترقب، أمر الرجل بأن ينقل تحياتنا الى المسمى ملياني ويخبره بمجيئنا تحديدًا، وسمح لنفسه أن يلفظ هذا الاسم بطريقة واضحة، ومع أنني كنت أعرف هذا الاسم جيدًا، فإن ما حدث بعد ذكره كان بالنسبة لي بمثابة لحظة فارقة.
كان مفتش الشرطة قد وقع في فخ دون أن يشعر فقد كانت هذه الكلمة الصغيرة التي لفظها من فمه، جعلتني أتأكد تمامًا من أننا قد وقعنا في شباك الموت، كيف يمكن أن يكون قد فعل هذا؟ كيف لم يكن يعلم أن هذا الاسم، تحديدًا، هو بداية سلسلة من الأحداث التي ستؤدي إلى نهايتنا؟ لو كان قد شعر بعمق الخطرالذي يحيط بنا، لما نطق بهذا الاسم المألوف، الذي ارتبط بدماء وآلام العديد من الأبرياء.
"ملياني" كان اسمًا معروفًا في دوائر التحقيقات الأمنية، وأحد الإرهابيين البارزين المسؤولين عن الهجوم الدموي على مدرسة الشرطة في الصومعة، وقد ترك اسمه في الذاكرة كعلامة فارقة على الوحشية والمكر.لكن الأمر الأكثر غرابة أن هذا الرجل، الذي كنا نتحدث معه بحذر، وجه لنا دعوة لأخذ الشاي في بيته، وتصرف معنا بأدب مبالغا فيه،أثار فينا نوعًا من الحيرة.
في البداية، كنت أتساءل: هل هو حقًا مجرد شخص بسيط يحاول أن يكون كريمًا، أم أن هناك شيئًا أكبر خلف هذه الدعوات؟ كنت أشعر في كل مرة أنه يحاول أن يدفعنا للموافقة على دعوته بشدة، لكنني كنت أرفض، لعدة أسباب لم أكن أستطيع التعبير عنها.
أحد الأسباب كان ذلك التردد الداخلي الذي شعرت به تجاهه، حيث كان يبدو أنه يشبه الشخص الذي سمعت عنه في تحقيقات سابقة: "ملياني".هذا التشابه في الملامح والحركات كان مقلقًا جدًا بالنسبة لي، هذا ما جعلني أشعر كما لو أنني كنت أواجه هذا الإرهابي الذي قد يعرف كل شيء عنا ويقلب حياتنا رأسًا على عقب في أي لحظة.
كان لكل كلمة يقولها وكل نظرة يرسلها أثراً في نفسي، كأنني أمام شخص له علاقة مباشرة بالهجمات التي دمرت العديد من الأرواح، السبب الآخر الذي جعلني أرفض دعوته هو ما لاحظته أثناء نقاشنا الطويل في تلك الحديقة الصغيرة القريبة من بيته. بينما كنا نتحدث، كنت دائمًا قريبًا من الجدران المحيطة بالمنزل، وبينما كنت أستمع لحديثه، لفت انتباهي تحرك غير طبيعي في أحد نوافذ البيت.
كان أحد الأغطية الخشبية للنافذة يتحرك، ويبدو أنه كان يعكس حركة من الداخل. شعرت في تلك اللحظة بأنني أعيش في مشهد بوليسي حقيقي، حيث كان هذا التحرك البسيط في النافذة هو الشاهد الذي أكد لي أن داخل هذا البيت يوجد أكثر من شخص يتربص بنا، ولم يكن هذا الرجل إلا واجهة لمجموعة خطيرة من الإرهابيين.
وقد علمت لاحقًا أنه كان يخبئ أعدادًا كبيرة من الإرهابيين في هذا المكان، وكانوا يقيمون ، بعيدًا عن أعين الشرطة.
هذا الرجل، الذي كان يبدو في البداية شخصًا بسيطًا، كان في الواقع جزءًا من شبكة إرهابية متمكنة جدًا، لقد فهمت الآن أنه كان يراقبنا بينما كنا نراقب كل شيء من حولنا.
وأخيرًا، عندما نطق زميلي المفتش اسم "ملياني"، كان قد أفسد مانسجته خلال حديثي معه حينما أخبرني أنه يمتلك قطعة أرض في العبازيز ويود أن يبيعني إياها وأنه يريد ان يبيع كل مايمتلك ليغادر مع عائلته إلى السعودية للإستقرار هناك .
وكنت قد قررت التخطيط لإلقاء القبض عليه بعدما نجحت في استدراجه للموعد بعد يومين لاستكمال إجراءات البيع .
فلولا تسرع زميلي عبد الله في ذكر اسم ملياني لكانت العملية تمت بنجاح، لكنه لم يكن يدرك انه فتح بابًا للموت الذي لا مفر منه بسبب تصرفه المتهور، ولولا مخاوفهم من أن يكون المكان محاصرا لأصبحنا من عداد الموتى.
..يتبع