751
0
خليل الوزير “أبو جهاد” والرصاصة التي لم تسكت الفكرة
أخطر رجل خارج إسرائيل

بقلم : الحاج بن معمر
في السادس عشر من أبريل عام 1988، تحوّلت العاصمة التونسية إلى مسرح لعملية عسكرية إسرائيلية وُصفت بأنها الأجرأ والأعقد خارج حدودها منذ تأسيسها. تسعون عنصراً من وحدات النخبة، من “سييرت متكال” إلى الكوماندوز البحري “شييطت 13”، أُرسلوا على متن زوارق وغواصات وطائرات، مدعومين بشبكة واسعة من عملاء الموساد، ليحققوا هدفاً واحداً: اغتيال رجل اسمه خليل الوزير “أبو جهاد”، نائب القائد العام لحركة فتح، والعقل الاستراتيجي للمقاومة الفلسطينية. بالنسبة لإسرائيل، كان هذا الرجل أخطر من كل الجيوش التي تحيط بها.
وُلد أبو جهاد عام 1935 في مدينة الرملة، وعاش طفولته على جرح النكبة عام 1948 حين هجّرت عائلته قسراً. في المنفى لم يستسلم، بل التحق منذ شبابه المبكر بالحركة الوطنية الفلسطينية، والتقى ياسر عرفات في الخمسينيات، وكان شريكاً أساسياً في تأسيس حركة فتح. لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل صاحب رؤية عسكرية وسياسية جعلت منه مهندس العمليات الكبرى للحركة، وصاحب فكرة تحويل الشتات الفلسطيني إلى خزان للثورة. من أبرز ما نُسب إليه التخطيط لهجمات نوعية هزت المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ووضع تصورات جريئة لاستهداف مواقع حساسة، وصولاً إلى التفكير بضرب المفاعل النووي في ديمونا. لكنه أيضاً كان وراء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، حيث لعب دور “العقل المُحرّك” الذي ربط الداخل الثائر بالخارج السياسي والعسكري، لتتحول الحجارة إلى فعل استراتيجي أربك إسرائيل أمام العالم.
هذه الأدوار جعلت تل أبيب تعتبره “أخطر رجل خارج حدودها”، ورسمت حوله هالة من الرعب. صحيفة نيويورك تايمز كتبت حينها: “كان أبو جهاد بمثابة الحاكم الفعلي للانتفاضة من بعيد”، فيما وصفت لوموند الفرنسية اغتياله بأنه “طعنة موجعة للحركة الوطنية الفلسطينية لكنها لن تكسر إرادة شعب بأكمله”. إسرائيل من جهتها قدّمت العملية كـ “نصر نوعي”، إذ أعلن مسؤولون أن “الرجل الذي قاد الانتفاضة قد انتهى”، لكن الأيام أثبتت أن الاغتيال كان بداية موجة جديدة من الغضب والانتفاض.
التحضير للعملية كان شديد التعقيد، استغرق أشهراً من المتابعة الدقيقة. عناصر للموساد استأجروا منازل قريبة لمراقبة بيته في حي قرطاج بالعاصمة، وصوّروا مداخله ونوافذه وحتى مكان مكتبه. وفي ليلة التنفيذ، تسللت القوة عبر البحر، قطعت الكهرباء والاتصالات، واقتحمت المنزل. زوجته أم جهاد روت لاحقاً: “كنت في الطابق العلوي، سمعت أصوات اقتحام، وعندما نزلت رأيت عشرات الرصاصات تُفرغ في جسده، كانوا يطلقون النار كما لو أنهم يواجهون جيشاً بأكمله”. استُشهد أبو جهاد أمام مكتبه المليء بالخرائط والأوراق، المكان الذي ظلّ يُخطط فيه ليل نهار.
ردود الفعل الفلسطينية والعربية كانت هائلة. خرجت جنازته في تونس بمشاركة مئات الآلاف، في مشهد أثار ذهول الصحافة العالمية. في الأراضي المحتلة تصاعدت الانتفاضة أكثر عنفواناً، وواجهت إسرائيل موجة جديدة من العمليات الفردية والجماعية. الرئيس التونسي حينها زين العابدين بن علي وصف العملية بأنها “انتهاك سافر للسيادة التونسية”، فيما أدانت معظم الحكومات العربية والدولية الاغتيال. حتى داخل إسرائيل، كتب بعض المحللين أن “اغتيال أبو جهاد قد يحقق ارتياحاً لحظياً، لكنه سيجعل من الرجل أسطورة لا تُمحى”.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، بقي اسم أبو جهاد رمزاً لا يمحى من الذاكرة الفلسطينية، رجل فهم أن المنفى ليس نهاية بل بداية جديدة، وأن البندقية وحدها لا تكفي إن لم تسندها الفكرة. شهادات رفاقه، مثل صلاح خلف وأبو إياد الذي اغتيل لاحقاً، أكدت أن “خليل الوزير كان العصب الذي يربط الكفاح الفلسطيني ببعضه”. وأما عائلته فقد واصلت حمل الرسالة، حيث كرّست أم جهاد حياتها للعمل الوطني بعد رحيله.
إسرائيل أرادت أن تكتب في تلك الليلة “النهاية”، لكنها لم تدرك أنها تكتب بداية فصل جديد في التاريخ الفلسطيني. لقد قُتل الجسد، لكن الحكاية لم تمت، بل تحولت إلى ملحمة تُروى: عن رجل جعل من حياته خندقاً، ومن منفاه ساحة معركة، ومن موته أيقونة تُذكّر الأجيال أن القادة قد يُغتالون، لكن الأفكار لا تُغتال.