259
0
الحايك الجزائري: من رمز الحشمة إلى سلاح ابان الثورة التحريرية

هاجر شرفي
تُعدّ الألبسة التقليدية من أبرز عناصر الهوية الثقافية للشعوب، إذ لا تقتصر وظيفتها على الجانب العملي، بل تعكس دلالات اجتماعية وتاريخية مرتبطة بالذاكرة الجماعية.
وفي السياق الجزائري، يحتل اللباس التقليدي مكانة بارزة في التعبير عن الخصوصية المحلية، خاصة في المدن العريقة. حيث يبرز “الحايك” كأحد أهم الرموز النسائية في الجزائر، ارتبط بالمرأة الجزائرية ارتباطاً وثيقاً، وشكّل جزءاً من حضورها في الفضاء العام، قبل أن يتحول مع الزمن إلى رمز ثقافي يعكس جانباً من الذاكرة الوطنية.
الحايك الجزائري: نشأته وتطوره
يرتبط انتشار الحايك في الجزائر بموجات الهجرة الأندلسية نحو شمال إفريقيا بعد سقوط غرناطة سنة 1492م، حيث حملت العائلات المهاجرة أنماطاً مختلفة من ألبسة الستر، إلى جانب تقاليدها في الحياكة والنسيج التي انتقلت إلى المدن الجزائرية.
وفي تلك الفترة، لم يكن هذا اللباس معروفاً باسم “الحايك” بصيغته الحالية، بل كان يُطلق عليه بتسميات مختلفة ارتبطت بطريقة ارتدائه القائمة على الالتفاف والتغطية، مثل “الكساء” و“المَلحفة”، والتي اشتُق منها في اللهجة المحلية لفظ “التلحيفة”.
ومع تطور الحرف التقليدية خلال العهد العثماني، بدأ مصطلح “الحايك” بالظهور تدريجياً في الاستعمال اليومي، وهو مشتق لغوياً من الفعل العربي “حاكَ - يحيك”، في إشارة مباشرة إلى الحياكة اليدوية الدقيقة والنول التقليدي الذي ميّز هذا اللباس.
وتشير بعض المصادر التاريخية الغربية إلى رسوخ هذا الزي في المجتمع الجزائري منذ قرون طويلة، ومن بينها ما أورده المؤرخ الإسباني دييغو دي هاييدو في كتابه “طوبوغرافيا الجزائر وتاريخها العام” (1578م)، حيث وصف لباساً أبيض واسعاً يغطي جسد المرأة في مدينة الجزائر خلال القرن السادس عشر، وهو ما يعزز حضور هذا الزي في الحياة الاجتماعية آنذاك.
ولم يكن هذا البياض الناصع مجرد خيار عابر، بل فرضته طبيعة المدن الساحلية ومعمارها؛ حيث امتزج بياض الرداء بصرياً مع بيوت القصبة العتيقة المطليّة بـ "الجير"، ليتناغم حضور المرأة في الأزقة مع جدران المحروسة، مانحاً العاصمة لقبها الشهير "الجزائر البيضاء".
الحايك وفق الرسومات والنقوش
تنوع الحايك تاريخياً من حيث الزخرفة وطريقة النسج، حيث ارتبطت طريقة وصفه في الذاكرة الشعبية بطبيعة الرسومات والنقوش المنسوجة داخل القماش. وفي المراحل الأولى من تداوله، كان يُنظر إليه ويُميز في التداول المحلي عبر هذه العناصر الزخرفية، وظهرت منه تسميات شعبية خلدتها الذاكرة مثل “حايك الوريدات” المطرز بالزهور، و“حايك الشمس والقمر” الذي تتداخل فيه خيوط الذهب والفضة تملصاً مع الضوء، قبل أن تستقر لاحقاً التسميات المتداولة اليوم لكل أنواعه.
وقد عُرف عبر هذه الخصائص، سواء كانت نباتية أو هندسية أو تطريزات دقيقة بخيوط الذهب أو الحرير، ما منحه طابعاً بصرياً مميزاً يعكس الذوق المحلي والحرف التقليدية في مختلف المناطق.
أنواع الحايك بين المناطق والطبقات الاجتماعية
لم يكن الحايك قالباً واحداً، بل تنوعت أقمشته وأشكاله ومسمياته تماشياً مع الطبقة الاجتماعية والجغرافيا الجزائرية:

حايك المرمة: يُعتبر من أفخم أنواع الحايك وأجودها، وكان حكراً على الطبقات الميسورة في الجزائر العاصمة وضواحيها (دار السلطان).
يُنسج من الحرير الخالص الرفيع أو الممزوج بالكتان أو الصوف الناعم، ويتميز بلمعانه الحريري النقي وتداخله مع خيوط الحرير الصفراء الذهبية الموازية على الحواشي، وكانت تتباهى به العاصميات في الأفراح والمناسبات.

حايك العشعاشي:
اشتهرت به مدينة تلمسان ومنطقة الغرب الجزائري عموماً، حيث يُعرف أيضاً باسم “الكساء”. يُنسج محلياً، وتلبسه عامة النساء من الطبقات المتوسطة، ويتميز ببساطته وخلوه من التطريزات المعقدة، ونسيجه الأبيض الذي تتخلله خطوط صفراء دافئة، ليجمع بامتياز بين الستر والبساطة.

الملاية السوداء (حايك الشرق):
تُعد مدينة قسنطينة استثناءً بصرياً داخل هذا التراث. وتروي الروايات التاريخية المرتبطة بـ“بايلك الشرق” أنه حتى أواخر القرن الثامن عشر كانت نساء قسنطينة يرتدين الحايك الأبيض كبقية مناطق الجزائر، قبل أن يتحول اللون الأسود إلى لباس حداد بعد مقتل باي الشرق “صالح باي” سنة 1792م، ليصبح لاحقاً زيّاً تقليدياً مميزاً في الشرق الجزائري.

لَعجَار والقمبوز (المكمل الأساسي):
لا تكتمل هيبة الحايك في المدن دون مكملاته البصرية؛ فالأصل في العاصمة هو “العجار” (اللثام)، وهو قطعة قماش حريرية تُطوى لتغطي أسفل الوجه مع ترك العينين مكشوفتين.
في حين تميزت مناطق أخرى كالغرب والبليدة بأسلوب “العوينة” أو “القمبوز”، حيث تُسدل المرأة الحايك نفسه ليغطي كامل وجهها مع ترك عين واحدة مكشوفة لرؤية الطريق.
الحايك في الذاكرة الشعبية: رموز ومعانٍ ثقافية
تغلغل الحايك في الأمثال الشعبية ليعكس قيم المجتمع الجزائري ونظرته للأصالة، حيث ظلّ حاضراً في الذاكرة الشفوية بصيغ متعددة، من بينها المثل العاصمي الشهير “دزاير وهواها وتلحيفة نساها”، لربط اللباس التقليدي بالرزانة والأخلاق المتأصلة، بينما لخص المثل العاصمي الآخر كبرياء المرأة ووقارها بالقول: "بنت الأصل في حايكها مكللة، وفي مشيتها مقدرة"، وهي دلالة على الهيبة والمشية المتزنة التي تفرض احترام الجميع في الفضاء العام.

الحايك خلال الثورة التحريرية
خلال الثورة التحريرية (1954–1962)، اكتسب الحايك بعداً اجتماعياً ووظيفياً إضافياً يتجاوز استخدامه التقليدي؛ إذ سعت الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى تقليص حضوره في الفضاء العام، باعتباره جزءاً من الهوية المحلية وجداراً ثقافياً يرفض الذوبان.
كما استُخدم الحايك من طرف المجاهدات والفدائيات كوسيلة تمويه لنقل الرسائل والمنشورات والقنابل والأسلحة داخل المدن دون إثارة الشبهات، خاصة في المناطق الحضرية وعلى رأسها القصبة والأحياء الأوروبية.
ولم تقتصر رمزية الحايك عند حدود التمويه العسكري، بل تجلت في صور التضحية خلال معارك الشوارع؛ إذ تشير الروايات والشهادات التاريخية الموثقة إلى أن نساء البيوت العتيقة كنّ يسارعن بنزع حوايكهن البيضاء وإلقائها من الشرفات والنوافذ لستر أجساد الشهداء الفدائيين الملقاة في الأزقة وحمايتها من تنكيل قوات الاستعمار الفرنسي، ليتحول هذا الرداء بلمحة عين من رمز للحشمة إلى كفنٍ مكلل بالشرف والسيادة الوطنية.
يبقى الحايك الجزائري جزءاً من ذاكرة لا تُختزل في زمن محدد، بل تمتد عبر تاريخ طويل من التحولات الاجتماعية والثقافية، وهو يعكس جانباً من الهوية الثقافية للمجتمع الجزائري عبر مختلف مراحله التاريخية.

تاج الريام: حمامات دزاير رمز المرأة الجزائرية عبر التاريخ
في سياقٍ متصل، أكدت باحثة في التراث الثقافي، خديجة مرسلي المعروفة ب “تاج الريام”، أن الحايك يُعدّ أحد أبرز المكوّنات الرمزية في الذاكرة الجزائرية، وركيزة أساسية في الهوية البصرية والاجتماعية للمرأة الجزائرية، معتبرة أنه لا يمكن الحديث عن المرأة الجزائرية دون استحضار هذا الزي التقليدي الذي شكّل جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية عبر مختلف المراحل التاريخية.
وأوضحت المتحدثة أن الحايك ارتبط تاريخياً بصورة المرأة الجزائرية في الفضاء العام، حيث كان المستعمر وغيره يطلقون على النساء اللواتي يرتدينه لقب “حمامات دزاير”، في إشارة إلى البياض والستر الذي يميّز هذا اللباس، وهو توصيف يعكس ـ حسبها ـ حضوره العميق في المشهد الاجتماعي والرمزي للمدينة الجزائرية، ويؤكد مكانته ضمن الذاكرة الجماعية المرتبطة بالهوية الوطنية.
وأضافت الباحثة أن الحايك ليس مجرد لباس تقليدي، بل هو عنصر متجذر في الذاكرة الثقافية والتاريخية، وارتبط أيضاً بفترة الثورة التحريرية، حيث تشير إلى أنه استُعمل في بعض الحالات كوسيلة تمويه لنقل السلاح والذخيرة داخل المدن، مستفيداً من طبيعته الواسعة التي سمحت بتجاوز الرقابة الاستعمارية.
وفي حديثها عن تطور شكل الحايك، بيّنت أن هذا اللباس لم يكن ثابتاً عبر الزمن، إذ كان في بداياته أقرب إلى “الملحفة” القصيرة المصنوعة من أقمشة تقليدية مثل “السوسدي”، وكان يُرتدى بطريقة تغطي جزءاً من الجسد فقط، مع لباس سفلي تقليدي مثل “سروال بورجل” أو “سروال التستيفة” ذي الطابع الدائري الذي يرمز إلى الحشمة، إضافة إلى “العجار” الذي كان يُستعمل كعنصر مكمل لإخفاء جزء من الوجه.
وأشارت إلى أن الحايك شهد تحولات تدريجية عبر الزمن، حيث أصبح أكثر اتساعاً وطولاً ليغطي الجسد كاملاً من أجل مزيد من الستر، كما تنوعت أنواعه بين المناطق، فظهر “حايك المرمة” في العاصمة بلونه الزبيدي المعروف، إلى جانب أنماط أخرى في البليدة، منها ما كان يميل إلى اللون الوردي أو الفيروزي، خاصة في المناسبات والأعراس.
وأكدت “تاج الريام” أن الحايك لم يندثر كما يعتقد البعض، بل مرّ بفترة تراجع قبل أن يعود تدريجياً إلى الواجهة بوصفه رمزاً تراثياً وهوية بصرية، حيث بدأت الأجيال الصاعدة تعيد الاهتمام به، سواء في المناسبات أو في زيارات القصبة والتقاط الصور، ما يعكس ـ بحسبها ـ عودة الارتباط بالتراث والهوية.
وختمت تصريحها بالتأكيد على أن الحايك لا يحتاج إلى تعريف بقدر ما يحتاج إلى الحفاظ عليه ونقله للأجيال، باعتباره جزءاً من الجذور الثقافية الجزائرية، مشددة على ضرورة “تحبيب التراث” للأجيال الصاعدة لضمان استمراريته داخل الوعي الجمعي .

