وقفات ومواقف
أخر الأخبار

مجازر 8 ماي1945… تاريخ ينحني له التاريخ

بقلم الأستاذ آدم محمد الأمين

تاريخ تسجله الذاكرة بكثير من الفخر و كثير من الخجل… فخر الجزائريين الذين رفعوا يومها راية بلدهم على مقابر 45 ألف شهيد أبادتهم آلة المستعمر ببشاعة حين خرجوا يومها في عدد من ولايات شرق الجزائر في مسيرة سلمية للمطالبة بحريتهم ليشهد العالم واحدة من أعظم حكايا الثورات، و التي نتوقف اليوم و ككل سنة لنتذكر ونعتبر.

خرج الجزائريون في مظاهرات 8 ماي 1945 ليعبروا عن فرحتهم بانتصار الحلفاء، وهو انتصار الديمقراطية الدكتاتورية، وعبروا عن شعورهم بالفرحة وطالبوا باستقلال بلادهم وتطبيق مبادئ الحرية التي رفع شعارها الحلفاء طيلة الحرب العالمية الثانية.

الأحداث …همجية دولة غاشمة

ما قام به الإستعمار الفرنسي في الجزائر لا مثيل له ولم تسجل كتب التاريخ أعمالا استعمارية واستيطانية بنفس حجم الإستعمار الفرنسي للجزائر، وتعتبر مجاز 8 ماي 1945 من الأحداث الاستعمارية الفرنسية التي تجسد همجية دولة غاشمة.

ففي أحداث الثامن ماي وحدها قتلت فرنسا 45 ألف جزائري لا لشيء إلا لأنهم خرجوا في مظاهرات للتعبير عن فرحتهم باستقلال الجزائر بناء على وعود فرنسا بمنحهم الاستقلال في حال مشاركة الجزائريين في صفوف الجيش الفرنسي في محاربته النازية، وفي حال فوز دول المحور على النازية، وقد شارك الجنود الجزائريون بقوة في هذه الحرب، حيث استعملتهم فرنسا إلى جانب جنود المستعمرات الفرنسية الأخرى كدروع بشرية للجنود الفرنسيين.

جزاء سنمار…فرنسا تقابل الإحسان بالإساءة

عندما تحقق النصر ظن الجزائريون أن فرنسا ستفي بوعدها، لكن كوفئ الجزائريون بجزاء سنمار وبدل الإستقلال حاز الجزائريون على مجازر دموية ومواجهة راح ضحيتها 45 ألف شهيد.
وانطلاقا من وعود فرنسا وقبل إنتهاء الحرب العالمية الثانية، خطط زعماء الحركة الوطنية الجزائرية للإحتفال بإنتصارالحلفاء على النازية وذلك عن طريق تنظيم المظاهرات للضغط على فرنسا للوفاء بوعودها في تلبية مطالب الجزائريين ومنحهم استقلالهم.

وفي أول ماي 1945، المصادف لعيد العمال، قام زعماء الحركة الوطنية بتنظيم المظاهرات والتجمعات والمسيرات السلمية في مختلف أنحاء البلاد، حيث نددوا من خلالها بالظلم والبطش والجرائم غير الإنسانية التي يرتكبها الجيش الفرنسي ضد الشعب الجزائري ونادوا باستقلال الجزائر، وتطبيق مبادئ الحرية التي رفع شعارها الحلفاء طيلة الحرب العالمية الثانية وإطلاق سراح المناضل السياسي والزعيم الروحي للحركة الوطنية الجزائرية مصالي الحاج، ورفعوا العلم الوطني الذي ظهر لأول مرة بهذه المناسبة في يوم 7 ماي 1945.

ومع انطلاق الاحتفالات الرسمية بانتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء في مختلف أنحاء العالم، بدأ الفرنسيون في تنظيم الاحتفالات ومهرجانات للأفراح وشاركهم الجزائريون تلك الأفراح بعد أن تلقوا إذنا من الإدارة الفرنسية التي ما فتئت أن خالفت وعدها وادعت أنها اكتشفت “مشروع ثورة” ضد تواجدها بالجزائر.

وحسب الوثائق التاريخية، قامت السلطات الإستعمارية يوم الثلاثاء 8 ماي 1945، بمواجهة احتفالات ومظاهرات الجزائريين بأبشع أساليب القتل والقمع والإعتقالات الجماعية وتدمير وحرق قرى بأكملها خاصة في مدن سطيف وقالمة وخراطة، ونتج عن هذه المجازر البشعة استشهاد أكثر من 45 ألفا من الجزائريين المدنيين العزل.
التاريخ باق والأدلة الدامغة تشهد على همجية أبشع استعمارعرفته البشرية عبرالتاريخ، إستعمار مارس بكل وحشية استراتيجية الإبادة والقتل الجماعي والتي جند فيها كل ترسانته ولم يرحم فيها أي أحد ابتداء من الرضيع إلى الكهل المسن.

كما لم تكتف الإدارة الفرنسية الإستعمارية بنتائج تلك المجازر الوحشية، فقامت بحل الحركات الوطنية والأحزاب السياسية الجزائرية وإعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد وإلقاء القبض على آلاف المواطنين وإيداعهم السجون بحجة أنهم خارجون عن القانون وإصدار في حقهم أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية. وتشير الوثائق التاريخية والأرشيف بأن يوم الثلاثاء 08 ماي 1945 كان مصادفا للسوق الأسبوعي لمدينة قالمة والقرى المجاورة لها وكان يوم عطلة بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء وهو ما دفع بالجزائريين وبأوامر من حزب الشعب إلى تنظيم مسيرة سلمية ضخمة تكون في مستوى الحدث.

 إعتذار فرنسا…حق للجزائريين

وبعد مرور 73 سنة على مجازر 8 ماي 1945 البشعة، لا تزال الجزائر الرسمية تراوح مكانها في مطالبة فرنسا بالإعتذارعن جرائمها الاستعمارية التي ارتكبتها في حق الجزائريين طيلة فترة الإحتلال، وبالمقابل نلاحظ أن فرنسا التي تتغنى بشعار الحرية والمساواة  ترفض رفضا باتا الإعتذار عن الجرائم التي ارتكبتها في الجزائر، بل تتجرأ وتتكلم عن تمجيد الإستعمار وما قدمه، حسب ادعاءاتها، من خدمات النمو والإزدهار والتقدم في الجزائر ومختلف مستعمراتها.

وبالمقابل طالبت في العديد من المناسبات من تركيا تحثها على الإعتذار للأرمن عن المجازر التي ارتكبتها ضدهم، ولا تزال صفحة الماضي المتمثلة بالحقبة الاستعمارية، وثورة التحرير الوطني، تلقي بإرثها ودلالاتها التاريخية الثقيلة على مستقبل العلاقات الفرنسية — الجزائرية.

فالماضي الإستعماري يعود بقوة من حين لآخر وتهب رياحه كلما أرادت فرنسا والجزائر التقدم على طريق إبرام معاهدة صداقة بين البلدين،وعلى الرغم من بعض  المحاولات الجزائرية المحتشمة لدفع فرنسا للإعتراف بالجريمة الاستعمارية وإدانتها رسميا، لكن ذلك لم يتم بالطريقة التي يريدها الجزائريون.

حيث صرَح الرئيس الفرنسي الأسبق، فرانسوا هولاند لما زار الجزائر نهاية 2012، بأن “الإستعمار كان ظالما”، غير أن ذلك لم يكن كافيا في نظرالسلطات الجزائرية، أما الرئيس السابق نيكولا ساركوزي فقال في 2007 “أيها الجزائريون لا تطلبوا من الأبناء أن يعترفوا بذنب ارتكبه آباؤهم”، وسار الرئيس الفرنسي الحالي، إيمانويل ماكرون على نهج سلفه وتحاشى لدى زيارته الأخيرة للجزائر في ديسمبر 2017، الخوض في ملف الذاكرة، والإصرار على التركيز على علاقات مستقبلية ناجحة بدلا من الرجوع إلى الوراء، إلى التاريخ، متناسيا أن التاريخ هو هوية الدول وأصلها وأساس تواجدها.

وعلى فرنسا اليوم الإعتراف بجرائمها والإعتذارعما قامت به في حق الشعب الجزائري، وعلى

البرلمان الجزائري أن يطالب بتجريم الإستعمار الفرنسي و إسترجاع كل مانهب من الجزائر وعلى رأسها جماجم الشهداء التي لا زالت محتجزة في متاحف فرنسا ومدفع بابا مرزوق والوثائق الأرشيفية التي حملت عشية الإستقلال..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى