محمد الصديق ين يحيى”ثعلب الصحراء”..مخطط ماهر ودبلوماسي محنك

 

يعد محمد الصديق بن يحي رمزا من رموز الثورة، وأحد مهندسي الاستقلال الوطني، تألق في حياته النضالية والدبلوماسية، فوصف برجل السلام المحنك، ومخطط الدبلوماسية الماهر، كشف عن قدرته الكبيرة في تجفيف بؤر التوتر، وإطفاء لهيب الأزمات، يسكن الخلافات ويقنع العدو قبل الصديق بطرحه، لقبه المستعمر الفرنسي بثعلب الصحراء، وافتك الإعجاب في المحافل الدولية لتميز صوته ، وذكاء تصوراته، وشجاعة مواقفه، وفوق كل ذلك جعل نفسه ذخرا للوطن لا يتردد في الاستجابة لندائه منذ بداية وعيه، وميلاد نضاله الثوري التحرري بحماس شديد في صفوف اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين.

بقلم: قضيلة بودريش

عاش أحد أبرز الأصوات الدبلوماسية القوية و المميزة على مستوى القارة الإفريقية، متشبعا بالروح الوطنية، مدافعا عن الهوية الجزائرية، مناصرا لقضايا التحرر في العالم، فكان من رواد الدبلوماسية الوطنية، ومارس قبل ذلك مهنتي الصحافة والمحاماة، وعد من أبرز محرري صوت العرب من القاهرة، يذود عن ثورة الشعب الجزائري وخيار تحرير الوطن بلسانه وقلمه.وتبنى مهمة الدفاع عن قادة الثورة في محاكم المستعمر، ومن أشهر المرافعات التي خاضها، حرصه على تبرئة القائد الثوري رابح بطاط عند إلقاء القبض عليه سنة  1955 ضمن مجموعة من المحامين.

 

           محطتي الميلاد والدراسة

نشأ محمد الصديق بن يحي وسط أسرة محافظة ميسورة الحال، شب بين أحضانها الدافئة، ولم تبخل عليه باهتمامها ورعايتها، موفرة له جميع ضروريات الحياة، فالأب تاجر محترم، والأم أغدقت في حنانها عليه محاولة تعويضه نحالة وضعف جسده.

ولد محمد الصديق في 30 جانفي 1932 بمدينة جيجل الساحلية، وبالتحديد بشارع الحواس، وترعرع وسط أخوين وأخت، عندما بلغ السن السابعة، رافقه والده إلى مدرسة “جورج ساند” الكائنة بالمحطة القديمة، رغم أن الالتحاق بها آنذاك اقتصر على أبناء المعمرين وكذا المحظوظين من الجزائريين. أبدى ذكاء وجدية في التحصيل منذ البداية، ومنحه ذلك اهتمام المعلمة “قالزان”، فقضى في تلك المدرسة مسارا دراسيا بعمر الثلاث سنوات، وأهله نجاحه لمواصلة التحصيل العلمي بمدينة سطيف بمدرسة ” أوجان ايبرتيني ” بنفس التفوق والانضباط طيلة أربع سنوات كاملة، التقى فيها أحد رفقاء نضاله بلعيد عبد السلام الذي زاول تعليمه بنفس الثانوية بسطيف.

وانتقل الصديق بعد ذلك إلى العاصمة، ليلتحق بثانوية الأمير عبد القادر الكائنة بباب الوادي، وسمح كل ذلك بتبلور شخصيته الفولاذية المتميزة، التي بقي فيها محافظا على هدوؤه وتواضعه الكبير الذي ينم عن طيبته وثقته بنفسه وكذا استقامته.تمكن من افتكاك شهادة الباكالوريا دون إخفاق، واختار معهد الحقوق بجامعة الجزائر لمواصلة مشواره الدراسي، نشاطه الكبير جعله يجمع بين العمل والدراسة، عندما شغل منصب  مراقب في إحدى ثانويات بجاية.الجو العائلي وقدراته الفكرية وجديته، جعلته ينجح في تحصيله ويتألق في نشاطه السياسي والدبلوماسي من مناضل إلى غاية تبوئه منصب وزير في الدولة الجزائرية المستقلة.

                  نضال ووعي مبكر   

كان مستمعا ماهرا، لا يتحدث كثيرا، يستوعب بعمق وذكاء، بداية الاحتكاك وتبلور أفكاره السياسية بدأت تتشكل من خلال لقاءاته، بالمناضل السياسي  رولة محمد الذي اتسم بحماس شديد، وعرف باطلاعه على التشكيلات السياسية، ونزعته الوطنية وشغفه التموقع في أروقة المناضلين.

نهل محمد الصديق سياسيا في البداية من رولة الذي تفتقت على يديه رؤاه واهتماماته السياسية، ووضعه على الخط الصحيح، وانتقى له الرواق الذي ينبغي من محطته ان يشرع في النضال، في وقت لم يكن يسمح لغير الرجال في الخوض في الحياة السياسية، رغم أنه كان قد أنهى مرحلة الطفولة واقترب من ربيع عمره. اقترب كثيرا من أستاذ اللغة العربية عمر بوالوحان الذي كان ناشطا ضمن جمعية العلماء المسلمين، وشحذ نفسه بالمبادئ الوطنية، وأيقظ فيه روح الدفاع عن الهوية الجزائرية، وتلقن على يديه، دروسا معمقة في حب الوطن، والتضحية في أي وقت إذا تعلق الأمر بكرامة الشعب الجزائري.

جاء انضمامه إلى حركة الانتصار للحريات الديمقراطية عام 1951 ثم انسحب، لكن لم يقطع اتصاله وعلاقته بمناضلي الحزب، حيث التحق بجماعة المركزيين خلال أزمة الحزب التي شهدت صراعا بين أنصار مصالي الحاج

وأعضاء اللجنة المركزية، وأسندت إليه مهمة الوسيط بين عبان رمضان والحركة الطلابية. ورغم أنه كان محل متابعة من طرف الشرطة الفرنسية، شارك سنة 1955 في رئاسة و تاسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين رفقة كل من بلعيد عبد السلام واحمد الطالب الابراهيمي ورضا مالك وصالح بن قبي.

 

                   منح الثورة فكره وقلمه

لعب دورا استراتجيا في تنظيم إضراب الطلبة الجزائريين عن الدراسة يوم 19 ماي 1956 ، و ساعد بعد ذلك على  التحاقهم بصفوف جبهة التحرير الوطني، ارتاب المستعمر من نشاطه، فاضطر إلى الاختفاء عند المحامي عشوش مدة شهر  بشارع الحرية، إلى غاية تهريبه خارج الوطن عبر تونس. انضم إلى فريق الصحافيين الذين أسندت إليهم مهمة التحرير وإذاعة أخبار الثورة من إذاعة صوت الجزائر بالقاهرة.

كسب ثقة قادة الثورة فمثل جبهة التحرير في مؤتمر الشباب المنعقد بباندونغ سنة 1956، وتدرج بعدها في المناصب خلال الثورة وبعد الاستقلال عين عضوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ثم عضوا في الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1960 ، فمديرا للديوان برئاسة الحكومة المؤقتة في نفس السنة. ويعترف له البعيد قبل القريب بأنه كان وراء بلورة أهم الأحداث السياسية والثقافية  خاصة ما تعلق  بتحضيره لمؤتمر باندونغ الذي دعا إلى استقلال الجزائر.

أبهر شيوخ الدبلوماسية الفرنسية

لقبته فرنسا الاستعمارية ب”ثعلب الصحراء” لأنه تمكن بوزنه الدبلوماسي من الوقوف ندا لقادة التخطيط السياسي والتفاوض الاستراتيجي للعدو المستعمر، وتمكن على طاولة “إيفيان” رفقة قادة الثورة، من تغيير مسار التفاوض ليحسم فيه بعد تلك الجولة لصالح الجزائر. لفت أنظار شيوخ الدبلوماسية الفرنسية، وانبهروا بتمرسه وفطنته في اتفاقيات لي روس وايفيان، فكان رجلا لا يقبل أي مساومة إذا تعلق الأمر بالجزائر. واجه المفاوض الفرنسي صعوبة كبيرة أمام حنكة محمد الصديق الذي كان حاد الذكاء، له قدرة عجيبة على مجادلة الآخر والتفوق عليه في النهاية، فوصفته جريدة “باري ماتش” ب”ثعلب الصحراء”

التفوق الذي أبداه على طاولة التفاوض في مصير الجزائر، جعله يكون ضمن الفريق الذي خطط وسطر لاتفاقيات وقف القتال.

حمل أربع حقائب وزارية

هو الرجل الكبير بتواضعه ورصيده الدبلوماسي، يستمع كثيرا ولا يتحدث إلا ليحسم في الأمور، اتسم بالهدوء وبرودة الأعصاب أمام التحديات التي واجهته، ظل  يرتاد المقاهي حتى عندما صار وزيرا، ولم ينقطع عن رفقائه الذين تربى وسطهم ودرس معهم. عاد نشاط الرجل الذي كسب ثقة الرؤساء عام 1965 بعد تعينه سفيرا للجزائر بموسكو إلى غاية سنة 1967 ، ورغم اقتراح نفس المنصب عليه ببريطانيا لكنه رفض، بسبب تعاطفه مع الأشقاء العرب في الحرب العربية الإسرائيلية ردا على موقف انحياز بريطانيا للجانب الاسرائيلي.

أسندت إليه في الفترة الممتدة ما بين سنة 1967  إلى غاية 1970 وزارة الاعلام والثقافة، وترك بصمات راسخة بفضل إنجازاته وجرأة البرامج التي سطرها وسهر على تجسيدها، كما عمل في الجانب الثقافي على تنظيم تظاهرات مختلفة من بينها  المهرجان الإفريقي بمصر. ثم حمل بعد ذلك حقيبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وواصل تحقيق نجاحاته الباهرة، وشجعت رؤيته الثاقبة، وساهمت السياسة المتبعة مابين سنوات 1970 و1976 في تشجيع أبناء الجزائريين على الالتحاق بالجامعة دون تمييز أو إقصاء وجسدت ديمقراطية التعليم وكرست تكافؤ الفرص ، وأسفرت تلك الجهود على انفتاح المنظومة الجامعية  على الحياة الاجتماعية والاقتصادية وكذا الثقافية. نجاحه وبعد نظره جعله يتسلم حقيبة وزارة المالية، فحرص على التسيير الجيد للميزانية وعد حارسا أمينا على خزائن الدولة والمال العام.

 

              استقرارعائلي 

شب الصديق بن يحي وسط أسرة محافظة ومحترمة، لم تدخر جهدا لكي تمنحه أحسن تربية ورصيدا تعليميا رفيعا، ومنها تعلم التواضع وتحلى بالاستقامة وحسن الأخلاق، لكن حب الوطن جعله يتخلى عن جميع الأحلام، ويتفرغ لخدمة الوطن قبل وبعد الاستقلال، لكن تحت إصرار أصدقائه وضغط عائلته رضخ إلى رغبتهم، حيث اقترن بالسيدة فوزية حمزة شريف، وأنجب منها ابنه الوحيد سالم.

ولم يترك لعائلته إرثا ماديا، بل فضل أن يترك للجزائر إرثا دبلوماسيا، ويلقن الأجيال دروسا في حب الوطن والدفاع عن القضايا الإنسانية العادلة، وبذل الجهود لنشر السلام والأمن والاستقرار في العالم.

رشح لجائزة نوبل للسلام

عرفت الحقبة التي أسندت له فيها رئاسة الدبلوماسية الجزائرية أوج تألقها، بأدائه المتميز، فمنذ توليه منصب وزير للخارجية من عام 1978 إلى غاية 1982 لمع بريق السياسة الخارجية، وبرز الحضور الدبلوماسي للجزائر على الصعيدين الإقليمي والدولي. بداية التميز بدأت تبرز من خلال نجاحه في استرجاع الجزء الأول من أرشيف الجزائر الذي أخفته فرنسا إلى أرض الوطن لأول مرة.

ومازال العالم يتذكر كيف نجح بن يحي في تحرير الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية بطهران التي عدت من  بين المسائل الدبلوماسية  المستعصية ،حيث تمت محاصرة السفارة بالطلبة الإيرانيين ولم تنجح جميع محاولات الوساطة، وأي تدخل عسكري لم يكن ممكنا، وأمام لهيب تلك الأزمة تدخل رئيس الدبلوماسية الجزائرية محمد الصديق بن يحي، ورغم أن الأمريكيين أنفسهم كانوا يعتقدون استحالة حل الأزمة ، لكن الوزير الجزائري حسم في الشكوك وبدد المخاوف، وأثبت للعالم أنه يمكن لصوت الدبلوماسية أن يحقن الدماء.

ولم تقف نجاحاته عند هذا الحد لأنه تولى مهمة وساطة الجزائر التي قادها لإنهاء الحرب بين العراق وإيران، حتى رشح لنيل جائزة نوبل للسلام. حلم بن يحي بخلق قوة إقليمية مركزها الجزائر، وأبدى حنكة كبيرة في حل القضايا المعقدة بفضل قراءته الدقيقة والمعمقة للأمور وخلال مساره الدبلوماسي، أثبت مواقف الجزائر الثابتة في العديد من الملفات الدولية، لاسيما قضايا التحرر في العالم، وحقن دماء الأبرياء عن طريق توقيف الحروب.

غموض سقوط الطائرة 

دعا إلى السلام ودافع عن حقوق المظلومين في العالم، لا يتردد في التحرك بجدية ليحل الأزمات ويقضي على بؤر التوتر، لكن الغموض ظل يلف قضية سقوط طائرته مرتين في أقل من سنة نجا في المرة الأولى لكنه رحل في المرة الثانية لتفقد الجزائر والعالم، مهندسا محنكا للدبلوماسية، وأحد الرجال الذين لديهم رصيدا معتبر في السياسة الدولية.

شاء القدر أن تسقط طائرة وزير الخارجية الجزائري والوفد المرافق له خلال الأسبوع الأول من شهر جوان عام 1981م ببماكو المالية، بسبب تقلب مفاجئ في الأحوال الجوية لكن نجا محمد الصديق بأعجوبة، وبعد سنة فقط، سقطت الطائرة التي كان يقلها والوفد المرافق له في ظروف غامضة، يوم 3 جوان 1982، في حادث طائرة” كرومان 62″ التي سقطت على الحدود التركية الإيرانية عندما كانت متجهة من العراق إلى إيران في مهمة سلام لوقف نزيف الحر بين الجارين .

فقدت الجزائر برحيله أحد أبنائها ودبلوماسيها وسياسيها ومناضلها الوطنيين الأكفاء الذين اتسموا بالإخلاص والوفاء والحنكة والحكمة والذكاء، رحل بن يحي وبقي العالم يتذكر رجل السلام الذي رشحه خبراء ومتتبعين للسياسة الدولية للظفر بجائزة نوبل للسلام.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى