في يوم العلم.. ما لا تعرفه عن بن باديس

بعد انقضاء ثمانية عقود وسنتين على رحيل علامة وفكر رائدين مازال أثر بن باديس حيا وخالدا في ذاكرة وأذهان الجزائريين، بل إن المدرسة التي تركها والفكر الذي خلفه مازالت تتناقل إرثه الأجيال بالاستلهام والدراسة والبحث والاقتداء، ومن دون مبالغة بصمته كانت الأبرز والأرسخ في الدفاع الشرس عن الهوية الجزائرية في وجه استعمار ماكر حاول محو جزائرية الجزائري، فوصف بالمصلح والثوري والعالم والمفسر والمربي والكاتب السياسي المحنك والمحب للعلم والشاعر الصحافي، وفوق ذلك كان دائما يقدم الوطن على كل شيء، محب ومخلص للجزائر حتى النخاع.

فضيلة- ب  

العلامة عبد الحميد بن باديس عالم لا يتكرر، وإمام مازال شامخا حتى بعد رحيله عنا، من رواد الحركة الإصلاحية والعلمية في الجزائر، ومؤسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي أنجبت أجيالا من العلماء والكتاب والمثقفين. ينحدر العالم الرمز، من الأسرة الباديسية، المعروفة بالتدين وتتمتع بمكانة مرموقة في مدينة قسنطينة، خرج منها الأمراء والعلماء. أما والده محمد المصطفى بن باديس، كان أحد أهم  أعيان المنطقة حافظاً للقرآن، وشغل منصب القاضي وعضو المجلس الجزائري الأعلى.

من نسب الأمراء

ولد عبد الحميد بن باديس في الـ4 من ديسمبر عام 1889 في مدينة قسنطينة، لأسرة تتكون من ستة إخوة وأختين. والاسم الكامل للعلامة فهو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن المكي بن محمد كحول بن الحاج علي النوري بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن بركات بن عبد الرحمن بن باديس الصنهاجي، علما أن جده الأول هو مناد بن حميد بن باديس، الذي كان يسيطر ويقود قبيلة “ملكانية” المتفرعة من قبيلة “الصنهاجية” الأمازيغية المغاربية.  بينما يمتد نسب العلامة عبد الحميد بن باديس إلى الدولة الفاطمية، حيث تولى أحد أجداده الإمارة فيها، وهو أبو بن مناد المكني أبي الفتوح، الذي لقب بسيف العزيز بالله.

الجزائر قبل كل شيء

يذكر أنه كانت لوالده مكانة مرموقة في منطقته، ويحفظ له أهل منطقة وادي الزناتي، دوره البارز في إنقاذهم من الإبادة الجماعية في الـ18 من ماي عام 1945 م. كما كان تاجراً واشتغل كذلك في الفلاحة التي كانت تدر عليه ثروة.

ولا غرابة أن يتأثر عبد الحميد بشخصية والده وأخلاقه، حيث حفظ القرآن الكريم وعمره 13 عاما، درس في الزيتونة وبعد عودته إلى الجزائر، اتجه إلى العمل التربوي، فأعطى دروساً للصغار ثم للكبار في المسجد. في العام 1924، جمع بن باديس في قسنطينة مجموعة من الإصلاحيين لمناقشة الاستراتيجيات الإصلاحية، فأصدروا جريدة “المنتقد”، التي كان شعارها “الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء”. وعندما سافر إلى المدينة المنورة اقترح عليه الإقامة فيها، ففضل العودة من أجل الجزائر. أما في عام 1925، بعد أن صادرت سلطات الاحتلال الفرنسي “المنتقد”، أصدر بن باديس جريدة “الشهاب” الأسبوعية. وظلت الجريدة الرئيسة للإصلاحيين، حتى إغلاقها بداية الحرب العالمية الثانية. وما لا يعرف الكثيرين عن بن باديس أنه كان حليما ومتسامحا لدرجة كبيرة، وعلى قدر شديد من التواضع. كما كان زاهداً في الدنيا، ومجتهداً يُحسن الاستفادة من وقته في العلم والدفاع عن الجزائر.

أعد الرجال بدل الكتب

توفي الإمام عَبد الحَميد بن بَاديس في الـ16 من أفريل 1940، في مدينة قسنطينة مسقط رأسه، ودفن فيها في مدافن “آل باديس”. وشارك في تشييع جثمانه عشرات الآلاف، من جميع أنحاء الجزائر. ومن ضمن الشخصيات التي شاركت في التشييع، الشيخ العربي التبسي، الذي ألقى خطاباً تأبينياً، قال فيه: “لقد كان الشّيخ عبد الحميد بن باديس في جهاده وأعماله، هو الجزائر كلها.. فلتجتهد الجزائر بعد وفاته، أن تكون هي الشّيخ عَبد الحميد بن بَاديس”. كانت حياة عبد الحميد بن باديس مكرسة للعمل الإصلاحي، الذي هدف إلى إحياء الثقافة الإسلامية ورفع راية الإسلام في جزائر العروبة.

وما لا يعرف عن شيخ الأئمة الجزائريين، أنه  لم يترك أي أعمال أو مؤلفات منشورة. ويقال فيه إنه “ألف الرجال ولم يؤلف الكتب”. وما تركه من أعمال منشورة، جمعها تلاميذه، “تفسير ابن باديس”، كما طبع له كتاب “العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية”، وطبع له كتاب “رجال السلف ونساؤه”. ثم كتاب “مبادئ الأصول”.ومن أعمال عبد الحميد بن باديس التي جُمعت ونُشرت بعد وفاته، مقالات وخطب ومحاضرات وقصائد شعر في عدة صحف منها، المنتقد، والشهاب، والنجاح، والشريعة المطهرة، والسنة المحمدية، والبصائر. ومن أشهر ما بقي خالدا مقولته: ” شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب.. من قال إنه حاد عن أصله أو قال إنه مات، فقط كذب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى