حياة الأمير بالمشرق وقصة أوسمة ملوك الأرض

آدم محمد الأمين

الجزائر المحروسة في 22أكتوبر 2021

إن الأمير عبد القادر بن الشيخ محي الدين الجزائري ، عظيم من عظماء الإسلام ، وأحد النابغين الذين كانت لها مواقف مشرفة وتأثير بالغ في التاريخ عامة والتاريخ الجزائري خاصة ، كما يعتبر أحد المعالم المميزة للحضارة العربية الإسلامية ، وأبرز وجوه المقاومة الجزائرية وأكثرها بسالة ، فقد تسلم الإمارة بأمانة من أمنه واستجابة لأمر وطنه ، فقد اختاره شعبه دون غيره ، لأنه كان مدركا لمقتضيات العصر وما تحتاجه البلاد فعلا بوجود الإستعمار الفرنسي ، وفي وسط تسوده العصبيات القاتلة ، والمنهج السياسي الإستبدادي والتعسفي بالمنطقة و جباية الضرائب بالقوة وانحطاط المستوى الثقافي والإنفراد بالحكم ، أدى الى تحول تفكير الأمير عبد القادر  من البيعة و الجهاد و المظهر الإنسانى الى أمير مفكر عن منهج سياسي ، بمعنى إعطائه الأولوية للجهاد و حسن التدبير و التسير لوطنه الجزائر،  وبعد مقاومة عنيفة وقاسية دامت من 1830 م إلى غاية 1847 م ، أجهض الإستعمار الفرنسي دولته الفتية، وأعلن وقف  القتال عام 1847 م، وأخذ أسيرا إلى فرنسا بعد الخديعة الكبرى والخيانة  التى مني بها معا رفقائه ، و إعتُقلوا اعتقالاً تعسفيًا دون إحترام بنود اتفاقية وقف القتال، ثم أُفرج عنه بعد خمس سنوات.

فحط رحاله بمدينة الإسكندرية ، ومنها إلى الخلافة الإسلامية بإسطنبول ، وخصه السلطان ” عبد المجيد خان ” باستقبال حافل، ثم سار إلى مدينة بروسة ، ومنها إلى دمشق الشام الذي استقر بها معززا مكرما إلى أن وافته المنية عام1883م.

لقد كان للأمير دورا فعالا و جهد كبير في إخماد فتنة الشام حيث كان يشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه و هو الذي انطلق منطلقا شرعيا لحماية أهل الذمة، حيث سنده في هذا الموقف كبار علماء من أهل الشام كالشيخ محمد الحمزاوي و الشيخ مسلم الكزيري و غيرهم الكثير كما أيده في موقفه شيخ المجاهدين الأمير شامل الداغستاني -رحمه الله – كما قد أبدى قادة و زعماء العالم الغربي إعجابهم به  إزاء المسيحيين حيث قد إنهالت عليه الأوسمة والهدايا من الدول الغربية امتنانا وإعجابا بموقفه النبيل ، فأرسل إليه الإمبراطور الفرنسي وسام حوقة الشرف من المرتبة الأولى ، وأرسلت له ملكة بريطانيا بندقية ذات فوهتين مرصعة بالذهب ، والولايات المتحدة مسدسين ، وروسيا وسام النسر الأبيض ، والبروسيون وسام النسر الأسود ، واليونانيون وسام المخلص ، والايطاليون وسام موريس واليعازر ، وجزيرة سردينيا صليبها ، وكذلك البابا بيوس التاسع ، ولم يتخلف العالم الإسلامي عن هذا الركب حيث أرسل إليه السلطان عبد المجيد الوسام : الدرجة الأولى ، وكان أفضلها في نظر الأمير – حسب ما ذكره برونو – ، التي أرسلها له البطل القوقازي محمد عبد القادر شامل من منفاه في روسيا . ” بطبيعة الحال اعتبر موقف الأمير هذا انتصارا كبيرا للقوى المسيحية في المشرق العربي، ولا شك أن تلك الأوسمة الفخرية التي بعثتها تلك الدول للأمير تحمل في طياتها مفاهيم وتفسيرات مختلفة عن الأمير عبد القادر ، وبخاصة عندما تعلم أن ذلك الموقف الذي اتخذه الأمير أخذ أبعادا كبيرة وفسره السياسيون والناس تفسيرات مختلفة وما تختلف عن تلك التي يؤمن بها الأمير نفسه .

لقد عبر الأمير عبد القادر عن موقفه تجاه نصاري الشام من خلال عدة تصريحات رد ها على رسائل الشكر والامتنان التي وصلته ، حيث خاطب الملكة فكتوريا ” إنني لم أفعل إلا ما توجه علي فرائض الدين ولوازم الإنسانية ، وقال لنابليون الثالث أنه قام بواجبه كمسلم وردا على رسالة أسقف الجزائر السيد ” بافي ” الذي شكره فيها على موقفه النبيل إزاء أحداث الشام أجاب الأمير : ” … إن ما فعلناه من خير مع المسيحيين هو شيء لازم علينا مقتضى الشريعة المحمدية وحقوق الإنسانية إذا الخلق كلهم عيال الله تعالى وأحبهم إليه تعالى أنفعهم لعياله وجميع الشرائع التي جاءت بها الأنبياء من آدم إلى محمد تدور على أصلين تعظيم أمر الله تعالى والشفقة على مخلوقاته، وما عدا هاذين الأصلين فروع لا يضر اختلاف الشرائع فيها وشريعة محمد أشد الشرائع التزاما ومحافظة على الرقة والرحمة وكل ما يوجب الإتلاف ويدفع الاختلاف ولكن المنتصبون إلى شريعة محمد ضيعوها فضيعهم الله، ومن خلال هذه التصريحات يتضح لنا أن موقف الأمير يقف على المنهج القرآني في التعايش بين البشر ، فهذا المنهج هو الذي ينظر الى البشر جميعا بإعتبارهم سواسية ولا اختلاف بينهم

إن تجربة الأمير في الشام تفرض نفسها كمنهج للتعايش بين البشر صالح لكل زمان ومكان ، ويتعين على الباحثين من الجيل الحالي التمعن جيدا فهذا الموقف لتعزيز وتوطيد العلاقات بين أبناء الوطن الواحد وتوثيق روابط الصلة بين المشرق والمغرب،  ونشر ثقافة التعايش والتسامح بين البشر دون النظر الى الجنس أو العرق أو الدين.فالأمير أعطى درسا للعالم في التسامح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى